مركز في غابة جزائرية لمعالجة الإدمان على المخدرات من دون أدوية

الجزائر‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬في‭ ‬غابة‭ ‬قرب‭ ‬الجزائر‭ ‬العاصمة،‭ ‬تنشط‭ ‬منظمة‭ ‬غير‭ ‬حكومية لمساعدة‭ ‬المدمنين‭ ‬على‭ ‬المخدرات‭ ‬على‭ ‬الإقلاع‭ ‬عنها،‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬ارتفع‭ ‬فيه‭ ‬عدد‭ ‬المدمنين‭ ‬بنسبة‭ ‬38‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭.‬

في‮ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬للوقاية‭ ‬من‭ ‬المخدرات‭ ‬ومكافحتها‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬غابة‭ ‬بوشاوي‭ ‬على‭ ‬بعد قرابة‭ ‬عشرين‭ ‬كيلومترا‭ ‬غرب الجزائر،‮ ‬يقول‭ ‬كمال،‭ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬مستعار،‭ ‬الذي‭ ‬يتلقى‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬منذ‭ ‬شهرين،‭ “‬هناك‭ ‬أشخاص‭ ‬يهتمون‭ ‬بي‭ ‬ويساعدونني‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الإدمان‭.‬‮ ‬يزرعون‭ ‬فينا‭ ‬روح‭ ‬الشجاعة‭”.‬‮ ‬

ويتابع‭ “‬خلال‭ ‬شهرين‭ ‬استعدت‭ ‬عافيتي‭ ‬ووفرت‭ ‬أموالي‭ (‬التي‭ ‬كان‭ ‬يصرفها‭ ‬على‭ ‬المخدرات‭)”‬،‭ ‬مشيرا‭ ‬الى‭ ‬أن البداية‭ ‬بالنسبة‭ ‬اليه تمثلت‭ “‬بالصلاة‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الله‭”‬،‭ ‬داعيا‭ ‬المدمنين‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ “‬القيام‭ ‬بالخطوة‭ ‬الاولى‭”.‬

ويقول‭ ‬القيمون على‭ ‬المركز إنه استقبل‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬7800‭ ‬مدمن‭ ‬مخدرات لتلقّي‭ ‬العلاج‭ ‬منذ‭ ‬افتتاحه‭ ‬في‭ ‬2019‭. ‬وتدير المنظمة‭ ‬الوطنية‭ ‬لرعاية‭ ‬الشباب،‭ ‬وهي‭ ‬منظمة‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مساعدة‭ ‬المدمنين‭ ‬على‭ ‬المخدرات‭ ‬منذ‭ ‬32‭ ‬سنة،‭ ‬المركز‭.‬

‮ ‬ويقصد‭ ‬طالبو‭ ‬العلاج المركز‭ ‬إراديا‭ ‬مرتين‭ ‬في‭ ‬الأسبوع،‭ ‬ويتلقون‭ ‬علاجا بالتركيز‭ ‬على‭ ‬الرياضة‭ ‬والمرافقة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬الهدوء‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬ضجيج‭ ‬المدينة‭.‬‮ ‬

لا‭ ‬تسمع‭ ‬في‭ ‬المكان سوى‭ ‬زقزقات‭ ‬العصافير‭ ‬ممزوجة‭ ‬بآيات‭ ‬من‭ ‬القرآن‭.‬‮ ‬وتجري‭ ‬الحصص‭ ‬النفسية بين‭ ‬المريض‭ ‬والمعالج‭ ‬النفسي‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭.‬

عند‭ ‬مدخل‭ ‬المركز،‭ ‬لافتة‭ ‬تتضمّن أنشطة‭ ‬المنظمة‭ ‬كتب‭ ‬عليها‭ “‬الحوار‭ ‬البناء‭ ‬مع‭ ‬الشباب‭ ‬وسيلة‭ ‬ضد‭ ‬كل‭ ‬الآفات‭ ‬الاجتماعية‭”.‬

ويقول شفيق،‭ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬مستعار‭ ‬أيضا،‮ ‬الذي‭ ‬يخضع‭ ‬لجلسته‭ ‬العلاجية‭ ‬الرابعة،‭ “‬جئت‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬بمحض‭ ‬إرادتي‭ ‬وبكل‭ ‬إصرار‭ ‬على‭ ‬العلاج‭ ‬من‭ ‬الإدمان‭”.‬

تزايد‭ ‬عدد‭ ‬المدمنين‭ ‬

ومن‭ ‬منطقة‭ ‬عبور‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬شهدت‭ ‬الجزائر‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬تزايدا‭ ‬في‮ ‬عدد‭ ‬المدمنين‭ ‬بنسبة‭ ‬قاربت‭ ‬38%‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2021‭ ‬و2022،‭ ‬بحسب‭ ‬الصحافة‭ ‬المحلية‭.‬

ومركز‭ ‬العلاج‭ ‬من‭ ‬الإدمان‭ ‬على‭ ‬المخدرات‭ ‬التابع‭ ‬لمستشفى‭ ‬فرانز‭ ‬فانون‭ ‬في‭ ‬البليدة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬50‭ ‬كلم‭ ‬جنوب‭ ‬غرب‭ ‬العاصمة،‭ ‬هو‭ ‬المركز‭ ‬الأكبر‭ ‬في‮ ‬الجزائر ويعالج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬17‭ ‬ألف‭ ‬مدمن‭ ‬سنويا‭. ‬وهو‭ ‬يعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬العلاج‭ ‬النفسي‭ ‬والمرافقة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬استخدام‭ ‬الأدوية‭ ‬والاستشفاء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحالات‭ ‬المعقدة‭.‬

ويوضح‭ ‬رئيس‭ ‬منظمة‭ ‬رعاية‭ ‬الشباب‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬عبيدات‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬مركز‭ ‬بوشاوي‭ ‬أنه‭ “‬تم‭ ‬فتح‭ ‬المركز‭ ‬في‭ ‬2019‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬زارنا‭ ‬7757‭ ‬شابا‭ ‬وشابة‭ ‬جاؤوا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬القطر‭ ‬الوطني‭ ‬للخضوع‭ ‬لعلاج‭ ‬بدون‭ ‬أدوية‭ ‬يرتكز‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬الحوار‭”.‬‮ ‬

ويضيف‭ “‬العلاج‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬البدني‭ ‬بممارسة‭ ‬الرياضة‭ ‬ثم‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬مع‭ ‬المختصين‭”.‬

وتقول‭ ‬الطبيبة النفسية‮ ‬يسرى‭ ‬أوشان‭ “‬نحن‭ ‬متطوعون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬لمساعدة‭ ‬المدمنين‭ ‬على‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬استهلاك‭ ‬المخدرات‭. ‬المخدرات‭ ‬ليست‭ ‬مرضا‭ ‬بل‭ ‬انحراف‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬السوي،‭ ‬ونحن‭ ‬هنا‭ ‬لنبيّن‭ ‬لهم‭ ‬كيف‭ ‬يعودون‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭”.‬

ويحذّر‭ ‬أستاذ‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الجزائر‭ ‬أيوب‭ ‬ميهوبي‭ ‬من‭ ‬أن‭ “‬المخدرات‭ ‬أصبحت‭ ‬هاجسا‭ ‬يرعب‭ ‬الأسر‭ ‬الجزائرية‭”.‬‮ ‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الديوان‭ ‬الوطني‭ ‬لمكافحة‭ ‬المخدرات‭ ‬وإدمانها‭ ‬الحكومي‭ ‬أحصى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬مدمن،‭ ‬ثلاثة في‭ ‬المئة‭ ‬منهم‭ ‬نساء،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‮ ‬مخيف‭”‬،‭ ‬بالنسبة‭ ‬لعدد‭ ‬سكان‭ ‬يقارب‭ ‬45‭ ‬مليونا،‭ ‬وفق‭ ‬قوله‭.‬

ولم‭ ‬يكن عدد‭ ‬المدمنين‭ ‬يتعدّى‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2010،‭ ‬وكان‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬يبلغ‮ ‬35‭ ‬مليونا‭.‬

وبحسب الديوان‭ ‬الذي‭ ‬ينشر‭ ‬دوريا‭ ‬إحصاءات‭ ‬عن‭ ‬الكميات‭ ‬التي‭ ‬تضبطها‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬والجيش‭ ‬من‭ ‬المخدرات،‭ ‬فإن‭ ‬المخدرات‭ ‬الأكثر‭ ‬تداولا‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تترك تأثيرات‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭” ‬مثل‭ ‬دواء البريغابالين‭ ‬المستخدم‭ ‬لعلاج‭ ‬الصرع‭.‬

وأصبح‭ ‬هذا‭ ‬الدواء‭ ‬عند‭ ‬المدمنين‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬مخدّرات‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬الكوكايين‭ ‬والحشيش،‮ ‬ويطلق‭ ‬المدمنون‭ ‬عليه اسم‭ “‬الصاروخ‭” ‬لأنه‭ ‬كما‭ ‬يقولون‭ ‬يشعرهم‭ ‬بالطيران‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭.‬

وضبطت‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2023‭ ‬نحو تسعة‭ ‬ملايين‭ ‬قرص‭ ‬من المخدرات‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬مواد‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬بزيادة‭ ‬70%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬بينما‭ ‬تراجعت‭ ‬كميات‭ ‬الحشيش‭ ‬المستهلك‭ ‬بنحو‭ ‬30‭%‬‭ ‬خلال الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬بحسب‭ ‬الديوان‭ ‬التابع‭ ‬لوزارة‭ ‬العدل‭.‬

وأعلن‭ ‬الجيش‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬حصيلة‭ ‬لسنة‭ ‬2023،‭ ‬أنه‭ ‬ضبط‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬57‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬القنب‭ ‬المعالج‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬11‭ ‬مليون‭ ‬قرص‭ ‬من‭ ‬أدوية‮ ‬‭ ‬مخدرة‭ ‬وأقل‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬كلغ‭ ‬من‭ ‬الكوكايين‭.‬‮ ‬وتمّ‭ ‬توقيف‭ ‬2723‭ ‬تاجر‭ ‬مخدرات‭.‬

ويقول‭ ‬ميهوبي‭ “‬للمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬محاربة‭ ‬الإدمان‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدماج‭ ‬المدمنين‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬والنشاط‭ ‬الثقافي‭ ‬حتى‭ ‬يسترجع‭ ‬الشخص‭ ‬المتعاطي‭ ‬الثقة‭ ‬بنفسه‭ ‬ويشعر‭ ‬بالانتماء ويعي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يحبّه‭ ‬ويقبله‭ ‬كما‭ ‬هو‭”.‬