محمد مندور شهيد النقد والإجحاف

محمد مندور شهيد النقد والإجحاف

 

باسم عبد الحميد حمودي

 

بغداد

 

 اكثر من ثلاثين كتابا في النقد اصدرها الناقد الكبير محمد مندور في حياته حتى وفاته في  مايس 1965،  وقد صدرت له بعد وفاته كتب متعددة دلت على نشاطه الذهني المميز والقدرة على الاكتشاف والاحالة الى الجديد في الابداع والنقد. مات محمد مندور وعمره لم يتجاوز الثامنة والخمسين،  أذ ولد في الخامس من تموز 1907 في قرية كفر كرموز التابعة لمنيا القمح في محافظة الشرقية في مصر،  وقد اثقلته الامراض وهجومات المتزلفين للدولة والمحسوبين على الادب والنقد، لكنه كان يرد على شانئيه بالمزيد من العمل والاصدرات النقدية المكتنزة.

 

 اتعب كثيرون قلب وحياة صاحب (في الميزان الجديد) و(الادب ومناهجه) و(نماذج بشرية) و(النقد المنهجي عند العرب)  وعشرات غيرها.

 

 ومن عجب أن طه حسين قد رفض تعيينه في كلية الاداب في جامعة القاهرة بعد أن رشحه عميدها  أحمد امين فعمل في الصحافة والترجمة وترجم لنا كتاب دي هاميل الشهير (دفاع عن الادب) وسواه بتكليف من استاذه احمد امين وحاربته في الصحافة مجموعة ابو الفتح فخرج من صحيفة المصري التي يمتلكونها لعدم انصياعه لرغباتهم.

 

ظاهر الامر ان خروجه من جريدة (المصري) التي كانت وفدية قد دفع العميد طه حسين الى عدم مساعدته بالتعيين في الجامعة المصرية التي هي جامعة القاهرة اليوم بسبب من اقتراب عميد الادب من حزب الوفد الذي منحه وزارة المعارف عام 1950 وسط حفاوة المثقفين بهذا الاجراء.

 

 ان هذا الايذاء الذي تعرض له محمد مندور في مقتبل حياته العملية يعالج تبعاته  طه حسين نفسه عندما اصبح رئيسا لجامعة الاسكندرية عند تأسيسها وهو يجمع الكوادر المهمة للعمل وكان من هؤلاء محمد مندور الذي عين مدرسا في كلية الآداب في الجامعة الوليدة.

 

توالت كتب محمد مندور، وتوالت معها مشاكله مع الضجرين من نجاحه،  وكان من تلامذته وأنصاره من شباب الكلمة يومذاك (أحمد عبد المعطي حجازي ووحيد النقاش ورجاء النقاش وفؤاد قنديل وسواهم) يحاول رد الاذى عنه ومساعدته بالقراءة له وكتابة مواده التي يمليها بعد أن ضعف بصره وقلت حيلته في أمساك القلم والتدوين،  وكان من هؤلاء آل النقاش.

 

والكاتب الكبير من مثل مندور كان لايسكت على خطأ  أو ضعف فني لاي كاتب حتى لو علت به المراتب،  من ذلك الواقعة التي يرويها المرحوم سعد الدين وهبة والصديق الراحل رجاء النقاش.

 

كان سعدالدين ضابطا في الشرطة المصرية ايامها ولكنه كان اديبا وكانت زوجته سميحة ايوب قد شكلت معه ثنائيا طيبا اصدرا سوية مجلة ثقافية تحت عنوان (الشهر) عام 19858 كتبت فيها رسالة بغداد ونشرت فيها مقالتين اولاهما عن كتاب الاستاذ محمود العبطة (القافلة) الذي سجن لاجله في نهاية الحكم الملكي،  والثاني عن كتاب بنت الشاطئ عن ابي العلاء في بغداد.

 

انقطعت السبل بيني وبين المجلةلآن سعد الدين تحول من الشرطة والاصدار الثقافي الى العمل في الكتابة للمسرح والتفرغ له حتى وفاته رحمه الله.

 

كان ما حدث لمحمد مندورعام 58 كبيرا فقد تشكل وفد ادباء الجمهورية العربية المتحدة (التي كانت تجمع مصر وسوريا) الى مؤتمرالادباء العرب المزمع عقده في الكويت،  وقد حذف اسم محمد مندور من الدعوة الرسمية، فكان أن وجهت له دولة الكويت دعوة شخصية بأسم ادارة المؤتمر تقديرا لشخصيته الثقافية المرموقة، لكن مندور (أكتشف) أنه ممنوع من  السفر، وكان متألما لهذه المعاملة اللا أنسانية،  ولكن أذا عرف السبب بطل العجب،  السبب ان مندورا هاجم رواية (طريق العودة) التي أصدرها المرحوم يوسف السباعي، وكان السباعي عقيدا في الجيش ثم عميدا ثم رئيسا للمجلس الاعلى للثقافة والفنون ثم وزيرا للثقافة زمن السادات ثم أمينا عاما للمؤتمر الاسيو-افريقي عندما أغتالته مجموعة فلسطينية  في 18 شباط 1978 وكان في الستين من عمره لذهابه الى اسرائيل مع السادات.

 

 نحن نتكلم عن اعوام 58-59 وكان السباعي اقوى رجل ثقافة سياسيا ايامها فهو الجار الملاصق لبيت الرئيس عبد الناصر وعلاقتهما اسرية،  وكان السباعي رقيق الحاشية طيب القلب لكن الحاشية هي التي اوغرت صدره على محمد مندور الذي كتب عن روايته بموضوعية مبينا ضعفها وسوء  الاداء فيها !

 

ومن عجب ان صديق مندور الاستاذ عبد الرحمن الشرقاوي هو الذي تصدى لمقالة مندور فهاجمها هجوما مقذعا شديد القسوة مدافعا عن السبا عي وأدبه،  واحزن ذلك مندور بالطبع، والظاهر أن رجال الثقافة يتصرفون احيانا مثل رجال السياسة فلهم مصالحهم  وكان الشرقاوي ايامها رجل المسرح الاول  في مصر والسباعي يعينه انتاجا على خشبة المسرح وفي طبع كتبه….. والى هنا والموقف واضح تقريبا،  لكن منع مندور من السفر بسبب هذا المقال كان شديد الألم فقد كان معولا على تلك الدعوة التي ستبيح له حضورا فاعلا في مؤتمر مرموق وسيتيح له ذلك الاهتمام بطبع ما ترجم في المسرح وما ألف من كتب في دولة الكويت.

 

هنا أخذه رجاء النقاش للأستاذ سعد الدين وهبة،  الذي كان صديقا لعبد الناصر أيضا فوعده خيرا ونفذ وعده والغي امر المنع المؤلم وسافر مندور  سعيدا !

 

كانت هذه السعادة وقتية فقدت اشتد عليه المرض وضعفت اعصابه وعينيه واشتد عليه بعض متزلفي السلطة، فرحل عن هذه الدنيا في مايس 1965 وهو بعد قادر -لو تمتع بالصحة وحسن المعاملة – ان يعطي اكثر واكثر.

 

ظلت زوجته الشاعرة الرقيقة ملك عبد العزيز تشرف على مكتبته الثرية المتنوعة المصادر والثقافات

 

وفي حادث مأساوي جرى للشاعرة في عام 1998  أذ كانت تمشي في شارع الفتح بالروضة بالقاهرة  فسقط عليها فرع شجرة ضخمة أودى بحياتها،  وكانت حارسة أمينة لمكتبته ومسودات كتبه التي لم تظهر بعد.

 

داوى اولاده  ليلى مندور ود. طارق  جراحهم واهدوا المكتبة الى اكاديمية الفنون بعد ان أخذا منها مسودات كتبه التي ظهر منها الكشكول ألذي طبعه المرحوم رجاء النقاش بأسم (تأسيس فنون السرد وتطبيقاتها) ولعل كتبا أخرى لمندور قد ظهرت-وكانت مسودات عند وفاته_- لكنها لم تصل الينا لسبب،  ولآخر !

 

 المهم أن محبة خاصة بوجه عام  تجمع الادباء في مصر الشقيقة،  وما يحدث من  ضغائن قليل بالقياس الى سواهم،  وحتى المرحوم السباعي فقد كان يستمع لمن يناقشه بهدوء لولا من يوغر الصدر،  وأنا هنا اروي واقعة شخصية لدي دليلها.

 

المعروف عن السباعي انه كان ينشر رواياته مسلسلة في مجلة (مسامرات الجيب)وغيرها تزينها لقطات ايروتيكية،  وكانت معظم كتاباته تصب في خانة العلاقة الازلية،  مما دفعني – وانا بعد في العشرين- الى الكتابة له منددا بذلك التوجه وبضرورة الالتفات الى ما هو أهم -في رأيي أيامها عام1958 – وجاءني من السباعي كتاب هو(وراء الستار) وهو مسرحية نشرها في سلسلة الكتاب الذهبي وعليه اهداء يقول لي أن اقرأالسباعي جيدا،  ولم يزد.

 

 المهم ان الحديث عن الناقد الراحل جرنا للحديث عن وقائع منها المؤلم والقليل منها غيره،  والرحمة للجميع