مؤذنو المساجد اعتادوا في الأواخر من رمضان أن يودعوه بكلمات ذات نبرات مؤسية ونغم حزين
ابن الجوزي رمضان عند الله تعالى كمثل يوسف عند يعقوب فهو أعزهم
محمّد رجب السامرّائي
اعتاد مؤذنو المساجد والجوامع في الأيام الأواخر من شهر رمضان الكريم، أنْ يودعوه بكلمات ذات نبرات مؤسية، ونغم حزين، لها وقعها على آذان السامعين، حيث يكون الضيف الكريم قد جهزّ نفسه ليودعنا بعد أن حلّ بين ظهرانينا حاملاً معه الخير والعطاء، والأجر والثواب وهو أكرم الشهور، شهر الله وشهر القرآن المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام. وقد رددّ المؤذنون من المأثور عن الوداع ــ التوحيش ــ قائلين
لا أوحشَ الله منك يا رمضان
لا أوحشَ الله منك ياشهر القرآن
لا أوحشَ الله منك ياشهر الصيام
لا أوحشَ الله منك ياشهر القيام
لا أوحشَ الله منك ياشهر الكرم والجود
لا أوحشَ الله منك ياشهر الولائم
لا أوحشَ الله منك ياشهر العزائم…
وقال الخوارزمي في معنى لا أوحش الله منك ، أي لا أذهبك الله، فتوحش أحباءك من جانبك بالفراق، ومنه قول الشاعر الأبله البغدادي
مَادَامَ جُودُ يَدَيْكَ مَوْ جُوْداً فما مَاتَ الكِرَام
لا أُوحَشَتْ دَارُ السّلامِ مِنْ ارتيَاحِكَ والسَّلام
وأشار أبو العلاء المعري إلى ذات المعنى ببيته القائل
لا أوْحَشَتْ دَارك من شَمْسِها ولا خَلا غَابُكَ مِنْ أُسْدِه
مقطوعات نثرية
كتب الكُتّاب العرب مقطوعاتً نثريّة، بيَّنوا في ثناياها بأسلوبهم وبيانهم الرشيق ألم الفراق الذي سيتركه الشهر الفضيل وهو يشد رِحاله مودعاً على أمل العودة في العام القادم، فكتب أحدهم عن تلك اللحظات الأليمة على نفوس الصائمين قائلاً يا شهر رمضان أين أرباب القيام؟ أين المجتهدون في جنح الظلام؟ أين الذين يهجرون المنام؟ وتمنوا لو كان رمضان على الدوام ذهبوا إلاَّ قليلاً منهم فعليهم السلام، كانوا قليلاً من الليليهجعون و بالأَسْحَارِ هم يستغفرون .
وكتب آخر عن لحظات الوداع لأيام التلاوة والذكر والصيام والقيام بقوله يا شهر رمضان، أين أرباب القيام، أين المجتهدون في جُنْحِ الظلام؟ أين الذين يهجرون المنام؟ ويتمنون لو كان رمضان على الدوام؟ ذهبوا إلاّ قليلاً منهم فعليهم السلام كانوا قليلاً من الليل يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون؟
وداع الشعراء
أودع الشعراء العرب في وداع شهر رمضان الكثير من القصائد الشعرية عبر العصور الأدبية المختلفة، والتي توضح اهتمامهم بهذا الشهر وما يتركه في نفوسهم من حسرة على أيامه المباركات، فقال بعض الشعراء القدامى، وهو ماكان يهتف به من مآذن المساجد، ويسمعه الصائمون في كل مكان
ياصَائِمِي رَمَضانَ فُوْزُوا بالمُنَى
وتَحَقَّقُوا نَيْلَ السَّعادةِ والغِنَى
وَثِقُوا بِوَعْدِ اللهِ إذْ فيهِ الهَنَا أوَ ليسَ هذا القَوْلُ قولَ إلهِنَا
الصومُ لي وأنا أجزي بهِ
مَنْ صَامَ نالَ الفَوزَ من رَبِّ العُلا وَبِوَجهِهِ أضْحَى عَلَيهِ مُقَبِّلا
يَامَنْ يَرُومُ تَوَسُّلاً وتَوصُّلاً صُمْ رَغْبَةً في قولِ ربٍّ قَدْ عَلا
الصومُ لي وأنا أجزي بهِ
وكتب الشاعر الأبيوردي قصيدة في مدح الوزير رشيد الدولة ابن أبي الفرج، مودعاً شهر الصيام الكريم، ذاكراً في أبياتها محاسن رمضان، وكونه ليس أول من يرحل عنه ويتركه فقال فيها
صَوْمٌ أغارَ عليهِ فِطْر كالنَجْمِ بَزَّ سَنَاهُ جَمْــر
بِنْ ياصِيَامُ فَلَمْ تَزَلْفَـرْعَاً لهُ الإفطارُ نَجْـر
ولهُ الشُّهُورُ وإنّما لكَ مِنْ جميعِ الحَوْلِ شَهْـر
ما كنتَ أوّلَ راحِلٍودَّعتَ والزَّفَراتُ جَمْــر
كالظَّعنِ ليلةَ فاحَ في جَيْبِ التَنُوفَةِ منهُ عِطْــر
بَدَأوا بأخذِ قُلُوبِنا زَاداً وقَالوا نَحْنُ سَفــر
ومَضُوا وما بِقِبَابِهِم إلاّ عَجَاْجُ الخيَلِ
سِتْـــر
وبيّن أحد الشعراء في قصيدته كيف سيكون مآلهم، عندما يودعون أيام الصيام، فهل ستقبل أعمالهم أم لا؟ فقال
أيُّ شَهْرٍ قَد تَوَلَّى يا عِبَادَ اللهِ عنّـــا
حَقَّ أن نَبْكِي عَلَيهِ بِدمَاء لو عَقِلْنَـــا
كيفَ لا نَبْكِي لِشَهرٍ مَرّض بالغَفْلَةِ عنّــا
ثُمَّ لا نَعْلَمُ إنّـــاقَـدْ قُبِلْنَاَ أو طُرِدْنَـا
ليتَ شِعْرِي مَنْ هُوَ المَحـْرُومُ والمطرود منــّا
وَمَن المَقبولُ مِمّن صَائِمٌ مِنــّا فَيَهْنـا
رمضان والصوم
حفل اسم رمضان والصوم والصيام العديد من الاهتمامات التي سطرها المصنفون العرب في مؤلفاتهم التي تركوها خلال العصور الإسلامية، لاسيما في كتب التاريخ والتراجم وفي دواوين الشعراء، وعند اللغويين والكُتّاب أصحاب البلاغة والبيان.
رمضان في اللغة
هنالك اختلاف في اسم رمضان عند علماء اللغة السمحة. فيعني الفعل رَمَضَ الحجارة، والرَمْضَاء هي الأرض الشديدة الحرارة من وهج الشمس. وقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم صلاة الأوّابين إذا رَمَضَتْ الفصال ، أي إذا أحرقت الرمضاء لِخِفَافِها فَبُورِكت من شدة الحرِّ. وتكون صلاة الأوّابين في وقت الضحى.
وشاءت المصادفات أن كان الوقت حاراً عندما أرادت العرب تسمية الشهور فسميّ الشهر ذاك بشهر رمضان. ويقال رَمَضَتْ النصل، إذا دفعته بين حجرين لِيَرُّقَ، وسميَّ رمضان لأن العرب كانوا يَرْمِضُوْنَ فيه أسلحتهم استعداداً للقتال في شهر شوال الذي يسبق الأشهر الحرم.
وقد أطلق رَمَضَانُ على شهر الصيام لأنه يَرْمِضُ الذنوب أي يحرقها أما عند الخليل بن أحمد الفراهيدي فإنه مشتق من الرمضاء وهو مطر يأتي قبل فصل الخريف.
في الصوم
اشتُق الصوم في اللغة العربية من المصدر، صامَ يصوُمُ ومن مصادره الصيام فتقول رجل صائم وصَوْمَان على الوصف بالمصدر، وهو ما يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. ويجمع الصائم على صُوّام وصِيّام وصُوَّم وصِيَّم وصَيامَى، وتدور جميعها حول الأصل، ففي قولنا صامَ الرجل، امتنع وفي قول الحق تعالى على لسان مريم في سورة مريم»26 إنّي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْمَاً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيَّا ، بمعنى امتنع، لأن المراد بالصوم بالآية المباركة هو الصمت والامتناع عن الكلام.
ابن الجوزي والشهور
إنّ لشهر الصيام طقوساً ونكهة يتذوقها المسلمون طيلة أيامه الكريمات. ولرمضان عند السلف في ماضي أيامه أثار عن فضائله وتفرده عن سائر شهور السنة كلها. فقال وكيع في تفسير قوله تعالى كُلُوا واشْربُوا هَنِيْئاً بِمَا أَسْلَفْتُم في الأيَّام الخالية . إنّها أيام الصوم تركوا فيها الأكل والشرب. وروي عن قتادة انه كان يقول مَنْ لم يغفر له في شهر رمضان فلن يغفر له في غيره .
ولبيان منزلة رمضان بين أشهر السنة والفصول نشير إلى ما كتبه الإمام ابن الجوزي في بستان الواعظين فقال مثل الشهور الاثني عشر، كمثل أولاد يعقوب، وكما أنّ يوسف أحب أولاد يعقوب إليه، كذلك رمضان أحب الشهور إلى الله وكما غفر لهم بدعوة واحدة منهم وهو يوسف كذلك يغفر الله ذنوب أحد عشر شهرا ببركة رمضان . وقال الرازي عن الشهر المبارك إنّ الله سبحانه وتعالى خصه بأعظم آيات الربوبية، وهو أنه أنزل فيه القرآن فلا يبعد أيضا أن يخصصه بنوع عظيم من آيات العبودية، وهو الصوم .
أمّا أبو بكر الورّاق فكتب في منزلة رمضان بين شهور السنة مثل رجب مثل الرياح،شعبان مثل السحاب ورمضان مثل المطر . كذلك نقرأ ما قيل بحق شهر القرآن الكريم،شهر الطاعة والغفران بأنّ رجب خُصّ بالمغفرة من الله وشعبان بالشفاعة، ورمضان بتضعيف الحسنات .
الشعراء ورمضان
يدور شهر الصوم على المسلمين عِبْرَ أيام السنة كلها فيصومه المسلمون في كل الفصول وكان الشعراء أكثر اهتماماً بنظم القصائد إذا جاء شهر رمضان في فصل الربيع، فصل البهجة والسرور، أما فصل الصيف اللاهب فيومه طويل وحرّه يفضي إلى العطش والتعب عندهم، على الرغم من أنّنا نصوم أيامه في عزّ الشتاء الماطر. وقد أنشد الشاعر السَريّ الرفّاء في طول أيام الصيام
إذا طالَ شَهرُ الصَّومِ قَصَّرتُ طُولَه
بِحَمْرَاءَ يَحكي الجُلّنارَ احمِرَارُها
يُقصِّر عُمْرَ الليلِ ــ إنْ طالَ ــ شِرْبُها
ويَعْمَلُ في عُمْرِ النَّهارِ خِمَارُها
ورسم لنا الشاعر ابن الحجاج رمضان بصورة ثانية إذا حلّ ضيفاً علينا في شهر آب اللهَّاب ــ أغسطس ــ فيقول في هذا البيت
شهرٌ أراهُ يلجَّ مَعَ مَنْ
يغتاظُ من طولِهِ ويُدْرِدِ
كذلك يقول ابن عون الكاتب في أيام الصوم عند حلولها في فصل الربيع النضر
جَاءَنا الصّومُ في الرَّبِيعِ فَهَلاّ
اختارَ رَبْعاً من سَائِرِ الأرْبَاعِ
وكأنَّ الرَّبيعَ في الصّومِ عِقْدٌ
فوقَ نَحْرٍ غَطّاهُ فَضْلُ قِنَاعِ
ثم نعود إلى شهر آب وأيامه الحارة لنتمثل ذلك في قول ابن الرومي
شَهْرُ الصّيامِ مُبَارَكٌ
ما لم يَكُنْ في شَهْرِ آب
خِفْتُ العَذَابَ فَصُمْتُهُ
فَوَقَعْتُ في نَفْسِ العَذَاب
وبيَّن الشاعر بشار بن بُرد شدة تعبه من الصوم والجهد ونحول جسمه أيام رمضان فقال
قُلْتُ لَشَهْرَ الصّيامِ انْحَلْتَ جِسْمِي
فمتى يا تُرَى طُلوعُ الهِلالِ
اجْهِدِ الآنَ كلّ جُهْدِكَ فِيَنا
سَنَرَى مَا يَكُونُ في شَوّالِ
في الفُطـــور الرمضاني
يكثر في أيام رمضان استعمال لفظ، الفطور والإفطار، ومدفع إفطار . . ومتى يحين فطور هذا اليوم وسواها الكثير. فنقول في لغتنا السمحة فطر الصائم ــ من باب نقر. افطر، أكل وشرب، والاسم الفطر، وفطّرته، وأفطرته. ورجل فَطِر، أي مفطور، وهو مصدر في الأصل ــ ونقول، افطر الصائم، حان له أن يُفْطِر، ودخل في وقت الإفطار، والفطور، ما يفطر عليه، وكذا الفطوري.
أما وقت الإفطار فيكون إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، بإخبار عدل أو عدلين، أو تيقن الغروب باجتهاد بيِّن. وإذا كان الرسول الكريم ــ صلى الله عليه وسلم ــ صائما، أمر رجلاً فأوفى على كل شيء، فإذا قال غربت الشمس افطر. وقال عليه الصلاة والسلام إذا اقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من ههنا، فقد افطر الصائم . ومن السنة النبوية الشريفة تعجيل الفطر بقوله ــ عليه الصلاة والسلام ــ لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار، وأخروا السحور . أو قوله لا تزال أمتي على سنتي، مالم يفطروا بفطرهم طلوع النجوم .
وعن أبي عطية قال دخلت أنا ومسروق إلى عائشة رضي الله عنها فقال لها مسروق، رجلان من أصحاب محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ كلاهما لا يألوان عن الخير، أحدهما يُعجِّل الإفطار، والآخر يُؤخِّر المغرب والإفطار. فقالت، من يعجل المغرب والإفطار؟ قال، عبد الله بن مسعود. فقالت، وهكذا كان رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يصنع. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل احب عبادي إليَّ أعجلهم فِطْراً . وعن أنس قال ما رأيت النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قط صلّى المغرب حتى يفطر، ولو كان على شربة ماء .
شيء عن الفطور
نجد لمائدة رمضان المبارك أهمية عند الصائمين في كل مدن الإسلام،حيث يرقب الصائم غروب الشمس وإعلان مدفع الإفطار لبدء الإفطار طيلة أيام الصوم الثلاثين. يقول الحقّ تعالى في سورة الانفطار1 ــ إذا السَّماءُ انفَطَرَت ، أي انشقت وقوله الجليل هل ترى من فطور . ففطره بمعنى شقه، وورد في الحديث الشريف أنّه عليه الصلاة والسلام قام حتى تفطرت قدماه، أي انشقتا. ويقال أيضاً تفطرت وانفطرت بمعنى واحد ومنه أخذ فطر الصائم لأنه يفتح فاه. والفطور ما يفطر عليه الصائمون قال النبي عليه الصلاة والسلام إذا أقبل الليل وأدبر النهار فقد أفطر الصائم أي دخل وقت الفطر وحان له أن يفطر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر في أيام شهر رمضان قال ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله . ودعا عليه الصلاة والسلام عند الإفطار أيام الصيام بقوله الشريف الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت. وقد حثّ النبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم المسلمين على وجوب تعجيل الإفطار أيام رمضان فعن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي المغرب،وكان إفطاره على رطبات ــ تمرــ إنْ وجدها، فإن لم يجدها فعلى حسوات من ماء أو لبن وهذا ما يفعله أغلب المسلمين في كل مكان ولنردد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم رمضاني عند الفطور حين أفطر عند الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة.
/7/2012 25 Issue 4260 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4260 التاريخ 25»7»2012
AZP07























