كلام بالقيراط ـ عريس السرد ـ حسن النوّاب
التقيتهُ لأول مرة قبل اكثر من خمس عشرة سنة في فندق فلسطين مريديان ، عندما كنت مدعوّاً لمهرجان تموز الشعري ، دخل الى غرفتي بصحبة صديقي الشاعر ماجد عدّام ، وظننتُ لأول وهلة حين طالعت وجهه المفرط بملامح الجنوب ، ان الفتى بإبتسامتهِ الأنيقة من سلالة الهنود ، لكن التحية الرقيقة التي سمعتها منه باللهجة العراقية طردت ظنوني دفعة واحدة ، ومع ذلك مازحتهُ على ما اتذكر قائلاً سمرتك كأنها حقول من الكاكاو ، جلسنا نشرب ابنة الكروم ونثرثر بشؤون الثقافة وتعززت الثقة فيما بيننا والصداقة من ذلك اللقاء ، خاصة ان حديثنا بسبب سحر ابنة الكروم شجعنا على التطرق بصراحة عن الأحوال السياسية السيئة وضنك الحياة العراقية في ذلك الوقت ، لفت نظري ان الفتى الجنوبي كان بخيلاً في حديثة وعلّلت ذلك لخجله ودماثة اخلاقه ، ولم اره بعدها مطلقا ، لكني بعد سنتين من مغادرتي البلاد رأيت في موقع ثقافي رصين صورته مع نبأ فوز روايته البكر البلد الجميل بمسابقة مجلة الصدى الأماراتية ، وبقدر فرحتي لذلك النبأ لكني دهشتُ من سرعة تألقه وحضوره اللافت بالوسط الثقافي ، ثم قرأت نصوصه الشعرية التي تحاكي واقعية شفيفة في الموقع الثقافي ذاته ، وكان صديقي الشاعر ماجد عدام اثناء مكالماتنا الهاتفية بين حين وآخر يشير بفخر واعتزاز لتفوّق صديقه الجنوبي بالتدوين السردي ، ولم تمر سنة مالم تحمل اخباراً مفرحةً ومثيرةً عن ذلك الفتى الضليع والطاعن بجنوبيته العذبة ، فلقد اختير ضمن افضل 39 كاتباً عربياً تحت سن الأربعين في مشروع بيروت 39 ، ثم رُشّحَ قبل سنتين الى ورشة الإبداع من قبل جائزة البوكر والتقى هناك في دبي بالروائية والصحفية المبدعة انعام كجه جي التي كانت مشرفة على تلك الفعالية الثقافية ، حتى ظهرت روايته فرانكنشتاين في بغداد عن دار الجمل التي ذاع صيتها في السنوات الأخيرة ومقرها في المانيا ، وقبل ان تعلن لجنة جائزة البوكر عن القائمة الطويلة بشهور ، تعرضّت روايته الى نقدٍ قاسٍ لايخلو من الضغينة ومن قبل احد الروائيين العراقيين المغتربين الذي نشر مقالته في جريدة محلية داخل العراق ، حيث اشار بوضوح ودون تردد ان رواية فرانكنشتاين في بغداد ماهي الا مسخاً من فليم امريكي بعنوان se7en” ، بينما قال آخرون انها مسروقة من رواية انكليزية تحمل العنوان نفسه للكاتبة ماري شيلي والصادرة عام 1818 ، في حين تداول البعض فيما بينهم ان فكرة الرواية مسلوبة بوقاحة من شخصية قديس يدعى ماركور كيس الذي وضعه احد الطغاة في معصرة حتى تحوّل الى أشلاء لكن الخالق جمع أشلاءه وبعثهُ مرة اخرى الى الحياة ، ومع ان جميع تلك الإتهامات الكيدية لم تصب مقتلاً من الرواية ولا من الفتى الجنوبي ، وحسب علمي ان احمد السعداوي كاتب الرواية البغدادية لم يرد على تلك الشكوك والتُهم الا بمزيد من الصمت ، إنّما ترك بطل روايته الشسمه صعلوكاً حرّاً يتسكع في دروب العاصمة وينفذ رغباته الشيطانية والإنتقامية بغريزة غامضة ومثيرة ، وردّاً على تلك الهجمة الشرسة بحق روايته جاء قرار لجنة البوكر صادماً للذين افتروا عليه ، بعد اختيارها ضمن ست روايات الى المرحلة الأخيرة من المسابقة ، فهدأت زوبعة المشككين بأصالة الرواية بل اكاد اقول ان الذهول سيطر عليهم ، ومع كل تهمة كانت توّجَهْ الى الرواية كان كاتبها السعداوي يرتقي عتبة اخرى الى سلُّم الشهرة ، ثم بادر نادي السرد في اتحاد ادباء العراق الى اقامة جلسة عن رواية السعداوي التي اثير حولها اللغط الى جنب رواية طشّاري للمبدعة الكبيرة انعام كجه جي والتي اختيرت من ضمن القائمة القصيرة ايضا ، وخمّن الأدباء الذين اشرفوا على تلك الجلسة ان فرنكنشتاين في بغداد ستخطف الأضواء ساعة اعلان النتيجة ، وهذا ماتحقق بجلاء قبل ايام ، حيث كنت اتابع تلك اللحظات الحاسمة حتى تلقيت نبأ فوز الرواية وسارعت الى نشر الخبر لمرتين على صفحتي في فيس بوك مع تهننئتي الى عريس السرد الجديد في خارطة الرواية العربية ، كانت فرحتي شاسعة حتى شعرت تلك اللحظات ان بساتين النخيل تحيط بالفتى الجنوبي وان الدمع الذي سال من عينيه انما كان دجلة والفرات ، اجل ايها الوطن الجريح فالجائزة التي قطفها السعداوي من شجرة الرواية العربية هي ارفع جائزة ادبية حصل عليها العراق طوال تأريخه الثقافي قديما وحديثا ، واذا كانت جائزة عويس الثمينة قد نالها اكثر من شاعر عراقي اضافة الى الرائي الكبير محمد خضير ، فأن جائزة البوكر للرواية تعد حدثا ابداعيا متفردا وغير مسبوق لأن الذي حصدها بجداره مازال في ريعان الشباب والصعلكة والجنون ، وبعيدا عن التهويمات والشكوك التي رافقت حصوله على البوكر العربية ، برهن السعداوي للجميع ان قلمه العراقي من الأقلام النادرة والمجبولة بطين ارض السواد والمتوغل في الجذور السومرية ، لقد كتبت على صفحتي في فيس بوك ، استقبلوا عريس السرد العربي بالجوري ودعوا الألعاب النارية تضيء سماوات البلاد ، فلقد خاب الرجاء في الإنتخابات ، لكن الأمل اتسع بقوة من خلال رواية احمد السعداوي ، وقد اغواني نبأ فوزه على رفع نخبي من قارة استراليا اليه برغم حرصي على طقوس الصلاة ؟ اجل لقد ارتكبت اثما لكنه الأثم الذي سيغفره الله مادامت فرحتي كانت لأجل العراق الذي نتمنى ان يتكرر فوزه في الأبداع مرات ومرات ،وهو قادر وجدير بذلك ، مادام هناك العشرات العشرات في وطني ممن يشبهون احمد السعداوي في جنونه وابداعه وصعلكته وعناده واصراره ، طوبى للذين يزيّنون صدر ارض السواد بالذهب ، وطوبى لقلمك السومري الذي يشبه غلال الحنطة ياعريس السرد يا سعداوي .
AZP20
HSNO























