كاطع والعراق … وجهان لعملة واحدة

كاطع والعراق … وجهان لعملة واحدة

كاطع رجل كبير في العمر، يجلس على سريره الحديدي بطريقة السجود و يداه الى داخل بطنه، متأبطا بوسادة منحنية، السكائر ضيوف دائمة مابين اصابع يده، عندما يرشف التبغ الى رئتيه تشعر وكأنه يستجمع الازمنة الغابرة ويرشقها على شكل دخان في فضاء غرفته الممتلئة بتجاعيد الجدران التي تتشابه كثيرا مع ما رسم على وجه صاحب الغرفة، كان يتصل مع الحياة عبر نافذة تطل على شارع فرعي، تتشابه كثيرا مع شباك سجن “زاويرا”، يسرح بصره عبر ممراتها بطريقة المرتقب الزاهد، هادئ مسالم لدرجة الاستسلام، لايسمع له صوت لدرجة كنت اظنه فاقد للنطق لولا لقاء يتيم جمعني معه عندما كنت في الخامسة عشر من العمر بعد ان اخذ يكشف لي عن تاريخ قبيلتي واجدادي.

انها حكاية من زقاقنا القديم، فمنذ طفولتي وانا اسمع وارى مشاجرات ابناء كاطع الخمس التي تدور قصتها على جدلية ان على الساكنين في الدار بشكل دائم عليهم ان يقوموا باعطاء حصص واسهم الاخوة الذين سوف يغادرون بيت العائلة على الرغم من ان صاحب الدار مايزال على قيد الحياة, فيما بعد عرفت ان النزاع حول سايكس بيكو بيت كاطع بدأ في زمن نظام البكر وانتقل مع حكم صدام حسين، والحديث مازال شائكا بعد ان تحول الجدال والصراع مابين الابناء بالاسلحة البيض والسود، غير ان وجهاء المنطقة دائما ما كانوا ينهون الاقتتال بشكل مؤقت، حتى بات اهالي الحي يشعرون ان هنالك شيئاً مفقوداً اذا ما مر يوم دون سماع وعيد وتهديد وصيحات عائلة كاطع.

مرت الايام وكاطع كعادته يلوذ بالصمت والسكوت عن رغبات ابنائه، والقتال على تركة الوالد ينطفئ يوما ويشتعل في يومه الاخر، دون ان تكون هنالك حلول شافية بعد ان فشلت جميع الاطراف في عقد مؤتمر للتسوية، فلم تنجح معاهدة فراساي التي تبناها كبير عشيرتهم ولم يكن هنالك بيان ختامي لمؤتمر الطائف، وعدم حسن النوايا قد اسدل الستار على جنيف بشقيه الاول والثاني، وبقي الوضع قائما على ماهو عليه.

الحرب العراقية الايرانية اسهمت في لملمة اطراف النزاع بعد ان استشهد اثنان من ابناء كاطع فيما امسى الابن الثالث فقيدا لايعرف له عنوان وخبر، فانحسر الامر ما بين الابناء الاثنين اللذان تصدرا قائمة المشهد، فيما بعد انقضت الحرب ولم تقضى حوائجهما، والترامي بالعصي والرصاص ما يزال سيد الموقف، وبعد جهد جهيد اشرف الموضوع على الانتهاء في حلول عام 2008، حينها كان كاطع قد غادر الحياة عن عمر شارف على الخامسة والتسعين، فجلس الابناء وقرروا ان تكون هنالك تسويات مرضية يقبل بها الطرفان وخصوصا ان طرفي النزاع اصبح احدهما اسلامياً متشدداً فيما كان الاخر علمانياً لدرجة التطرف، فالاختلاف بات اكبر من قضية سقف وجدران، حينها قررا ان يتنازل احدهما للاخر لقاء مبلغ متفق عليه، وبعد ان تم مراجعة مديرية التسجيل العقاري اكتشفا ان الوالد المرحوم كاطع لم ينه تحويل ملكية داره عندما اقدم على شرائه في ستينات القرن المنصرم، فبقي بأسم حائزها الاول، وبعد البحث من قبل المغلوب على امرهما للوصول الى الحائر، اكتشفا انه توفى وان هنالك معارك طاحنة مابين ابنائه العشرة على دار كاطع والذين اكتشفوا بالصدفة وبشكل متأخر ان هنالك عنواناً تائهاً لدار وضع في عهدة والدهم.

علي الكاتب – بغداد