الإنكليز مدن وحكايات
قراءة في رواية أغنيات الطريق إلى حلبجة
عبد الخالق سلطان
دهوك
رواية مزجت بنية المدن السردية برائحة التاريخ وسحر الخيال وجمالية التصوير، يمرُّ قارؤها بمدن وقرى عدة، يتقابل مع شخصيات مختلفة، يجزم انها واقعية لكنها في الاصل من صنع الكاتب، فهي شخصيات حية تنبض بالحركة والجمال، تراها مليئة بالأحاسيس، دفاقة بالحياة، تواقة الى التمسك بأهداب الزمن، مثل الإنسان الحقيقي!
رواية تزرع في نفسك حب المغامرة والسفر إلى حلبجة والمرور عبر الجبال ومشاهدات القرى التي كانت قبل قرن من الزمان ميادين لرجال ونساء، يتصارعون، يتحاربون، يتجسسون، يناضلون، يستميتون في سبيل تحقيق أهدافهم. عالَم مزج بين الخنجر والبارود، فكان للفرسان دورهم وللساسة ايضا دورهم وحتى الجنود غير الشجعان (الجبناء) ايضا دورهم!
المدن .. ما أدراك ما المدن؟ الرواية حاولت في الظاهر تجسيد فترة قصيرة من الزمن، لكنها في احداثها اختزلت ازمنة طويلة وتناولت مدنا احتضنت حضارات تعود لآلاف السنين: إسطنبول، ديار بكر، بيروت، حلب، الموصل، أربيل، كركوك، السليمانية، حلبجة. مدن متجذرة في التاريخ، تحمل في أخاديدها المئات من الأساطير والقصص التاريخية، سجلت العشرات من الملاحم والمعارك والحروب، زالت أمم سكنتها واستبدلت شعوب عاشت فيها ورحل ملوكها وشيوخها وفقراؤها ونساؤها، لكن المدن بقيت على حالها، تجاري الأيام وتتصدى للرياح والأعاصير، مدن تعرضت للهدم والحرق والسلب والنهب! لكنها ظلت شامخة وباقية الى يومنا هذا، محتفظة بذاتيتها وعبقها وجاذيتها التي تجعل الناس يضحون بأنفسهم وأموالهم وأولادهم من أجلها، زرافات ووحدانا!
الكتابة عن المدن شيقة وجذابة، تجعل الكاتب يتوغل في دهاليزها ويتشبث بأساطيرها الرومانسية وملاحمها الخيالية، ابارها التي تشفي جميع العلل! واشجار التي تحقق الامنيات! ورجال ضخام صاروا مع الزمن يقطعون مئة رأس بضربة سيف واحدة! روايات خيالية تحبسها هذه المدن في دوائرها الصغيرة ومتاهاتها الكثيرة، هذا ما يجعل الامر صعبا ومعقدا عند الكتابة عن المدن وتأريخها واشكالها الغريبة.
قديما كتب المؤرخون عن المدن، الرحالة ايضا كتبوا عنهن والجواسيس والعيون الراصدة ايضا كتبوا عن المدن، المكتبة العالمية مليئة بالكتب الخاصة بالبلدان والمدن، الغريب ان المدينة هي ذاتها لا تتغير، لكن هناك من يهدمها وهنالك من يضحي بروحه من اجلها! فأيُّ سحر وتناقض هذا الذي تحمله المدن في متونها ؟!
رواية اغنيات الطريق إلى حلبجة جسدت حياة شعوب المنطقة في مدة انتقالية صعبة، انها فترة ما قبيل الحرب العالمية الاولى، اوضاع الناس واوضاع الدولة العثمانية، حركة العيون والجواسيس الاوربية التي قدمت من الدول البريطانية والفرنسية والروسية والالمانية، وانتظارها الفرصة المناسبة للإجهاز على الرجل المريض وتقاسم تركته.
سون الجاسوس الذي أحبَّهُ الناس!
سون الجاسوس البريطاني الذي ارسل في بداية القرن العشرين الى ايران ويبقي هنالك ست سنوات، ثم اعيد الى بريطانيا وبعدها ارسل الى كردستان، لدراسة الوضع في العراق، كتب سون مذكراته ملغَّزة ومشفَّرة وأخفى الكثير كعادة الجواسيس، استطاع بدهائه ومكره أن يدخل قلب الدولة العثمانية، تحرك في جسدها بحرية، ليدرك مواطن الضعف ونقاط الموت فيه، بذكائه ومقدرته الجيدة على التكيف مع الناس ومعايشة الشعوب المختلفة عنه ثقافة ودينا وشكلا، من العرب والترك والكرد، فخرج بمجموعة من الخيوط التي عن طريقها استطاعت بريطانيا بسط سيطرتها على العراق وتنصيب سون حاكما على مدينة السليمانية بعد مرور اقل من عشر سنوات من رحلته .
رحلة سون المحفوفة بالمخاطر لم تكن موضوع الكاتب في هذه الرواية انما كانت السبيل لطرح موضوع اهم وهو مدينة حلبجة التي كانت في تلك المدة (بداية القرن العشرين) زاهرة وعامرة لها سطوتها وحكمها بين المدن، هذه المدينة التي تعرض اهلها وطيرها وجبالها ومياهها واشجارها بين ليلة وضحاها وعلى مرأىً من الانسانية الى الدمار التام والموت السريع! تراكمت الجثث بين طفل رضيع وامرأة مسنة ورجل خرج الى مزرعته، الجثث في كل مكان، الموت في كل مكان، رياح الموت ملأت السماء والارض والمياه، حتى الابار والكهوف اختنقت بالخردل المميت الذي هبط من السماء من غير ميعاد، فاكل الاخضر واليابس، اجل تناول القاص تاريخ هذه المدينة التي تستحق الوقف لها وعليها، والتي كانت في السابق محور التقاء التجار واجتماع الفرسان الشجعان.
شفرات متداخلة
الكاتب عبد الكريم الزيباري في روايته حاول التدخل في الرواية بصوت جهوري! عن طريق قارئ يكتب ملاحظاته على هامش الرواية أو يسرد كقوة فوقية عليا ما جرى بعد تلك الحوادث، في خطوة من المؤلف لمنح روايته أبعاداً مترامية واسعة تمتد إلى يومنا مستقبلا وإلى عصر الاسكندر ماضيا!
المظلة التي سار تحتها الروائي مذكرات سون، ليكشف في مسيرته مواضيع مختلفة ومتشعبة كعلاقة الأكراد بالعرب والترك، الصراع الشيعي السني، سطوة العشائر التي كانت تتحكم بمقاليد الأمور، فتسد الطرق، تحاصر المدن، تقتل، تنهب مقابل ضعف أداء الحكومة العثمانية والفساد الذي كان ينخر في مفاصلها، والذي ما زال مرافقاً لهذه المجتمعات، دور رجال الدين والأمة وإن لم يتعرض له الكاتب بشكل دقيق، الا انه لمح اليهم من خلال شخصية شيخ الاسلام، الذي كان يمثل السلطان في مكانه، ثم هنالك دور المرأة ونظرة الشعوب المختلفة اليها، هنالك من يمنحها الحرية مثل الأكراد (بحسب قول المؤلف) الى درجة انها تجلس في المجالس وتحكم بين التجار واصحاب المال كما الحال مع السيدة عديلة التي ذاع صيتها في تلك الفترة، اما قصص الحب والغرام فقد كانت شبه مفقودة في هذه الرواية(وهذه باعتقادي فجوة كان على الروائي امتلاؤها) فليس من المعقول ان سون الذي بقي في هذه الاقطار لسنوات لم يتعلق قلبه بفتاة! فالانسان ولاسيما الشباب (سون كان شابا في ذلك الوقت) منجذب بطبعه الى الحب والعاطفة، ثم هو بحاجة الى ملأ فراغه العاطفي، الكاتب تعرض بنتف قصيرة عن تعلق سون بامرأة بغدادية (خيرية) لكنه لم يرغب التعمق بإظهار هذه العلاقة، لغاية في نفسه!
جمالية الوصف تظهر عندما يبدأ الكاتب بوصف القرى الجبلية حيث استطاع أن يسافر بالقارئ الى اجواء جميلة من قرى بسيطة مبنية من الطين واللبنات، حولها المياه العذبة والاشجار الجميلة، الناس بحياتهم البسيطة وثيابهم المهلهلة يتحركون في تلك القرى اما مشيا على الاقدام او على صهوة جواد وربما على متن بغال، ثم وصف القافلة وحركة سيرها، البغال محملة بالأمتعة، الجياد عليها رجال ملثمون ومدججون بالسلاح يحرسون القافلة، ثم مهاجمة القافلة على حين غرة من اهلها وسلبها ونهبها وقتل بعض من فيها .
أبعاد نفسية
ما يلفت النظر هو البعد النفسي الذي استطاع الكاتب منحه للمتلقي، القارئ تحت عيني الكاتب في كل لحظة، لا يغيب عن باله – عدا بعض الحوارات التي كانت بحاجة إلى ذكر الأسماء ولو بشكل فني- واستطاع الروائي أن يمسك بالقارئ الى النهاية ولم يفلته، دفعُ إلى التفكير بالقصة في كثير من محطات النص الروائي، ليعيد حساباته من جديد! خاصة في نهايات الفصول، عندما يقذف بمفاجأة ليست على البال ولا على الخاطر، فيضطر القارئ الى التفكير مرة اخرى بالقصة، محاولا ربط مفرداتها وتسلسلها من جديد، هذه الشفرات تنشط فكر القارئ، اقصد هنا القارئ الحقيقي، اللماح، التواق لمعرفة الحقيقة التي يريد الروائي ايصالها اليه، لأننا نعلم ان الحديث عن واقع مرَّ عليه فقط قرن من الزمان، يستوجب بعض الالتفاف والغموض! لأن الكثير من ابناء واحفاد ذلك الواقع مازالوا على قيد الحياة والحقائق مرًة
لتوازنات
التوازنات التي اراد الكاتب الوصول اليها كانت عدة وصعبة بعض الشيء، منها التوازن بين الواقع الحقيقي الذي كتبه سون في مذكراته والواقع المتخيل الذي رسمه الكاتب في ذهنه ثم الواقع الذي يتطلبه الحاضر الآني من الكاتب، التوازن الاخر والاصعب كان بين مستوى الشخصيات التي رسمها الكاتب، الشخصيات الحقيقية وغير الحقيقية الرئيسة والثانوية ومدى تطابق وانسجام هذه الشخصيات مع البيئة التي غرست فيها، التي هي بالأصل من صنع الكاتب.
وبرأيي فقد استطاع الكاتب ان ينفذ الى اعماق شخصياته ولاسيما الحقيقية منها، لكنه لحفظ التوازنات ومتطلبات الواقع الحاضر اهمل الكثير من الجوانب، ثم انه لم يتناول الكثير من الشخصيات الباهرة في تلك المدة، ولأنه لا يقدر ان يهملها كليا فقد ذكرها بايجاز (لأسباب تتعلق بالكاتب) مثل شخصية الشيخ محمود البرزنجي، باعتقادي كانت تستحق الوقوف عليها اكثر ولاسيما تصوير ملامحه الشخصية وتجسد بعض صفاته التي جعلته ملكا في زمانه!
ثم انه حاول ان يوازن بين قوة القبائل وجبروتها وانفلاتها من قيود الحكومات وبين ما تمارسه هذه الحكومات ايا كانت، من اجل السيطرة على هذه العشائر، التي غالبا ما كانت تتقرب منهم وتكرمهم وتغدق عليهم الاموال، لتمارس عليهم سلطتها! فهم طالما كانوا عصا قوية بيد السلطات التي كانت لا تتورع في استخدامهم لتنفيذ مآرب السلطة وتحقيق غاياتها، الان حتى الحكومات الكردية والعربية ايضا بدأت تميل الى استخدام هذه الحيلة القديمة، لفرض سيطرتها وسطوتها الى الامة.
الحديث عن هذه الرواية شيء جميل وشيق بالنسبة اليً، لأنني لم ارَ رواية قد تناولت موضوع المدن الكردية بهذا الجمال وهذه العذوبة التي دفعتني الى التفكير بزيارة هذه المدينة التي كانت قبل قرن من الزمان تعج بحركة التجار وتتمتع نسوتها بحرية تامة، في الكلام، الخروج، الضحك، الفرح والاهم اتخاذ القرارات بأنفسهن ولأنفسهن، فهي بحق عمل جيد يستحق ان نهتم به لأنه يجسد جزءا جميلا من تأريخ الأكراد والمنطقة اخرجها المؤلف بحلة ادبية جميلة.























