فوق جهل الجاهلين – فيصل جاسم العايش

كلام *  كلام

فوق جهل الجاهلين – فيصل جاسم العايش

 

لم يكن العصر الجاهلي جاهلياً بالمعنى الذي حاول المؤرخون تثبيته على هذا العصر، فلقد كان القوم آنذاك اسياداً في اللغة والشعر والخطابة وكل فنون القول الشفاهي، حيث لم يكن هناك اي شكل من اشكال التدوين، بل ربما سمي العصر بهذا الاسم لندرة من كان يقرأ او يكتب فيهم، فهم جهلاء بمعرفة القراءة والكتابة، رغم ان فيهم التجار الذين كانوا يتاجرون ببضائع اليمن والشام مما يتطلب منهم، في الاقل،معرفة الحسابات المالية في احتساب عمليات البيع والشراء والتفاوض الاقتصادي، وربما كانت هذه الامية هي التي جعلت المؤرخين يطلقون تسمية العصر الجاهلي على تلك الحقبة التاريخية

والجهل ليس حكراً على العصر الجاهلي فما زال بيننا ممن هم جاهليون في تفكيرهم رغم انهم يعيشون في طوالع الالفية الثالثة وهذا الجهل يحتم الى نفور طاغ من المعرفة الخلاقة المبدعة ليرتد صاحبه الى عصور الظلام والخفافيش والغرابيب السود ولنذكر ان الفتى الذي حاول اغتيال الروائي الكبير نجيب محفوظ بطعنة بالسكين قالوا له، لماذا طعنته؟ فأجاب كافر ثم عاود القاضي سؤاله وكيف عرفت انه كافر ؟ قال من روايته اولاد حارتنا، فقال له القاضي وهل قرأتها قال :لا !، معنى هذا ان هذا الرجل قد اباح لعقله ان يكون ملكاً لاخرين دسّوا فيه سمومهم واوهموه بأنه اذا قتل هذا الروائي فأنما هو ينتصر للحق على الباطل طالما انه يكتب رواية كافرة، حتى انه لم يسالهم عن نسبة الكفر فيها او انه طلب اليهم ان يأتوه بنسخة منها لكي يقرأها، بل اكتفى بهذا الايحاء الاجرامي الذي دقوا مساميره في عقله وهو ان دفع المدية في احشاء الكاتب فكأنه ينتصر للنور على الظلام، وهو لايعي ان الظلام يحيط بقدرته على البصر، وبكافة قواه العقلية والمحيط الاجتماعي الذي نشأ فيه عقائدياً وفكرياً . الامر ذاته حصل مع قاتل المفكر فرج فودة فالجواب نفسه : لماذا قتلته يقول لأنه كافر .

– ومن اي من مؤلفاته عرفت بأنه كافر ؟

– انا لم أقرأ اي كتاب له .

– لماذا ؟

– لأني لا اقرأ ولا اكتب

اية مهانة يعيشها امثال هؤلاء الجهلة الذي عميت بصائرهم واصبحوا مطايا لافكار غريبة نشأت كما الطحالب في حياتنا الراهنة ولابد لها من اجتثاث.

بغداد