فقه التسامح.. رؤية فكرية عراقية

فقه التسامح.. رؤية فكرية عراقية

بلال عرابي

أعلنت الأمم المتحدة يوم 16 تشرين الثاني 1995 يوماً عالمياً للتسامح.وقد أصدر المفكر عبد الحسين شعبان كتاب (فقه التسامح) لشرح أبعاد التسامح عربياً و عالمياً.وقد وجدت في مطالعتي للكتاب توجها علمياً لمعرفة دور التسامح في حياتنا العربية وخاصة في الأزمة التي تعيشها سوريا والتي تتطلب وعياً بفكر التسامح لهذا الجيل و للأجيال القادمة لنحقق التعددية وقبول الآخر أساساً للعيش المشترك.

صدر الكتاب عام 2005 من العراق وهو البلد الذي عانى ولا يزال يعاني من ويلات التمزق الطائفي والعرقي والقومي وكل آلام اللاتسامح، والمؤلف شعبان حقوقي عالمي عمل طويلاً في مجال حقوق الانسان وأبدع أكثر من 50 كتاباً في قضايا الانسان المعاصر، وكان أحد المؤسسين للشبكة العربية للتسامح في 9 أيلول 2008 ومشاركاً في إعداد وثيقتها النظرية، حيث عقدت الشبكة ثلاثة مؤتمرات، وقررت منح جائزة سنوية للتسامح.

إن المتتبع للحياة الاجتماعية والسياسية في البلدان العربية من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى مصر إلى ليبيا إلى تونس إلى السودان إلى الصومال…. يدرك كم نحن بحاجة لفهم قضايا التسامح و قبول الآخر للحياة المشتركة….كم نحن بحاجة لمفهوم الدولة الحديثة ولمفهوم المواطن والمواطنة بدون استئثار أو تمييز أو تعصب…..لأن سمات الدولة الحديثة تقوم على المواطنة،  و على واجبات متبادلة تجاه الآخرين لتحقيق العيش المشترك.

يقول المؤلف شعبان ص41 أن ما دفعه لكتابة الكتاب هو التشوش إزاء مفهوم التسامح وسيادة الفكر الواحدي والسعي لعزل الآخر وعدم الاعتراف بحق الاختلاف.

وبدون التسامح والتعايش لا يمكن تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ولا يمكن طبعاً تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

بيئة التسامح

التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير،يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدغمائية والتعصب. إن التسامح يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته،وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم ،وكما أن الاختلاف من طبيعة الأشياء، فلا بد من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وقيمهم،وهذا يقود إلى الإقرار بحقهم في العيش بسلام ومن دون عنف أو تمييز لأي سبب كان،دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً….(إعلان مبادئ التسامح باريس 1995)إعلان اليونسكو يؤكد أنه من دون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، ومن دون سلام لا يمكن أن تكون هناك تنمية وديمقراطية.

يعتبر المهاتما غاندي: داعية التسامح و المقاومة اللاعنفية: كان غاندي يردد “لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته، ولكني والحالة هذه لا أجد أفضل منه”.

التعايش وغاندي

إن تسامح غاندي ودعوته للتعايش بين المسلمين والهندوس: هي سبب اغتياله؛ فقد رفض غاندي تقسيم الهند، وحث المسلمين على عدم الرحيل إلى باكستان، وحث الهندوس على التعايش مع المسلمين…لكن هذا التسامح أثار نقمة المتشددين؛ فاغتاله أحدهم عام 1948 م.واللاتسامح كان سبباً لاغتيال أنديرا غاندي، (ابنة المهاتما بالتبني؛ أصلاً ليحميها من الرافضين لزواجها من أجنبي )، و لاغتيال راجيف غاندي على يد متشددين يرفضون التسامح…

الهند مليار و 20 مليوناً، 25 إقليماً في نظام تعددي فيدرالي ديمقراطي … وهو عدد سكاني هائل لا يمكن تعايشه بدون مبادئ التسامح.

يقول المفكر شعبان ص23 ( إن  الصراع بين المسلمين والهندوس بذرته بريطانيا قبيل اضطرارها للرحيل من الهند:  بريطانيا زرعت لغماً –  قبل جلائها عن الهند- بين السكان اسمه اللاتسامح….)

تماماً كما فعلت بلجيكا في جمهورية ( رواندا ) فترة احتلالها لهذه التلال الوادعة (اسمها يعني الألف تل ):في نشر التمايز والتفرقة وتقوية أطراف على أطراف .. مما قاد بشكل دراماتيكي إلى مجازر مروعة عام 1994 في رواندا التي راح ضحيتها أكثر من 800 ألف من أهل رواندا في قتال عبثي بين قبيلتي الهوتو ، والتوتسي.

إننا ننظر حولنا في أزمة سوريا فنجد أن أزمات العالم سببها نشر البغضاء بين أهل البلد الواحد في كل بقعة يدنسها الاستعمار  –  بشكليه القديم والحديث –  حرصاً على مصالحه وتمريراً لمخططاته، في لبنان وسوريا؛ فرنسا هي من ثبت نظام الأقاليم والطوائف و التمييز فترة الانتداب من 1920- 1946 ليصبح أمراً واقعاً . واليوم كالأمس: المستفيد الأكبر مما يجري في سوريا؛ هو الكيان الصهيوني، الذي يضحك على مآسينا، و يشمت بفواجعنا،ويسر بدمار بنية البلد التحتية والفوقية… لأن في ذلك ضمان لضعفنا، وضمان لتفوقه.

تتبع شعبان في كتاب (فقه التسامح)المراحل المتعددة والمجالات المجتمعية لمبادئ التسامح وتطورها، فقد ناقش الفصل الأول من الكتاب:الواقع الراهن والتاريخي في مسألة التسامح حيث يرى المؤلف أن فكرة التسامح لها تفاعلات مع الفكرة الليبرالية والعقلانية والمدنية والعلمانية… وتمتد جذورها في مختلف الحضارات والثقافات،بما فيها الحضارة العربية الإسلامية،لكن التسامح كمنظومة متكاملة من نتاج حقبة التنوير،لا سيما في القرن الثامن عشر.

إن أحداث 11 أيلول 2001 شكلت أعمق مواجهة عالمية لتأثيرها السلبي في تراجع فكرة التسامح، بحيث انقسم العالم إلى فريقين متحاربين، إلى معسكر الشر ومعسكر الخير،كما قسمهما كل من أسامة بن لادن والرئيس جورج دبليو بوش،وهو تعميم ساذج فكرياً وسياسياً وعسكرياً….فلا يمكن اختزال مليار و 400 مليون مسلم بصفة واحدة إرهابيين أو النظر إلى المسلمين بوصفهم كتلة واحدة.

في الفصل الثاني يناقش المؤلف التسامح في الفقه الدولي المعاصر ليؤكد بأن التسامح وطلب التسامح هو الهدف الأول لإنشاء الأمم المتحدة عام 1945م، لأن الأمم أدركت أن عدم التسامح وعدم العيش سوية في سلام هو ما جلب ويلات الحرب والأحزان إلى البشرية مرتين عام 1914م ،  وعام 1939م.

وقد وردت الإشارة إلى مسألة التسامح في مواثيق الأمم المتحدة في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1973 وفي اتفاقية جريمة الفصل العنصري 1973 وفي اتفاقية حقوق الإنسان 1985 واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1979…( فقه التسامح، 65 ) وفي عام 1995 أعلنت الأمم المتحدة الاحتفال سنوياً يوم 16 تشرين الثاني يوماً عالمياً للتسامح يؤكد إعلان اليونسكو 1995(التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا،ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد) إن المرء حر في التمسك بمعتقداته وعليه القبول بأن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم. (فقه التسامح، 70 )

مبدأ التسامح يعني التعايش على نحو مختلف؛ بممارسة حق التعبير عن الرأي أو حق الاعتقاد أو حق التنظيم أو الحق في المشاركة السياسية كما يرى شعبان (ص 75 )،وهي الحقوق والحريات الأساسية بعد حق الحياة والعيش بسلام التي تطورت منذ الثورة الفرنسية 1789. ونقيض فكرة التسامح هو اللاتسامح أي التعصب والعنف ومحاولة فرض الرأي ولو بالقوة. إنك تفهم من كتاب فقه التسامح: أن قضية التسامح هي الهم الشاغل للمفكر عبد الحسين شعبان، في حله وترحاله، وهو أحد المؤسسين للشبكة العربية للتسامح، وهو أهم مشروع في أوضاع العالم العربي والإسلامي؛ حيث يسود عدم التسامح ويتعمق التمترس خلف الأقنعة الثابتة، وخندقة الحياة السياسية والاجتماعية و الفكرية، لا سيما بعد 11 أيلول 2001، ومن الواضح أن التمترس و فظاعات الماضي يبدو تاريخياً في الاحتراب الطائفي والديني؛ بسبب أن كل من يقاتل طائفياً يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة المقدسة النهائية…… مما يجعل بحث قضية التسامح حاجة ملحة ومصيرية في الوقت الحاضر؛ لذلك ناقش المؤلف قضايا التسامح في الدين المسيحي والدين الإسلامي في الفصل الثالث والرابع ليؤصل فكرة التسامح في كل من المسيحية والإسلام. يقول شعبان إن ذكر التسامح لم يرد في القرآن الكريم لكن الشريعة الإسلامية دعت إلى التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف….وكلها من صفات التسامح، وتضع كتب اللغة لفظ التساهل مرادفاً للفظ التسامح.

جذور التسامح موجودة في تاريخ العرب والمسلمين من خلال:

1- حلف الفضول قبل البعثة وقد أقره الرسول الكريم.

2- دستور المدينة أو شريعة المدينة وهي الصحيفة التي كتبها الرسول محمد(ص)،عندما جاء إلى المدينة مهاجراً وضمنها حقوق الطوائف والتكوينات التي تعيش فيها، وبخاصة أصحاب الديانة اليهودية. وتؤكد الصحيفة أن المجتمع الإسلامي الذي خاطبه الرسول الكريم كان تعددياً.

لننظر إلى هذه الصورة الحاسمة للمساواة في القرآن الكريم ” إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”( المائدة أية 69).

3. صلح الحديبة: وهو عهدة النبي في العام السادس للهجرة لنصارى نجران: يمثل اعترافاً بالآخر، واستناداً إلى مبادئ التسامح… صلح الحديبة له دلالات تاريخية نموذجاً للعلاقات بين الفرقاء والمتنازعين في البحث عن حلول سلمية وعملية.

4. العهدة العمرية: وهي عبارة عن وثيقة أصدرها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بعد معركة اليرموك التي انتصر فيها العرب المسلمين على الروم عام 15 هجرية، وهي عهدة لحفظ الحقوق من الخليفة مؤتمناً فيها نصارى وطوائف القدس على حياتهم وأمنهم وكنائسهم وأحوالهم، مخاطباً بطريركها بكل احترام وتوقير( فقه التسامح، 117 )

خصص ” شعبان”  الفصل الخامس للتسامح في خطاب التنوير العربي الإسلامي: إن أول خطاب عربي معاصر عن التسامح جاء على يد فرح أنطون(1861-1922) الذي استخدم اصطلاح (التساهل) كمرادف وحاجة للتحرر من الانغلاق والتعصب ومعاداة الآخر… وقاعدة للفصل بين السلطتين الدينية والمدنية.

أكد أنطون في روايته “الدين والعلم والمال”: (لا مدنية حقيقية ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية…) ( فقه التسامح، 136 )

أصل الداء عند عبد الرحمن الكواكبي(1849-1902)هو الاستبداد السياسي،أما دواؤه فهو بالشورى،كما أن جوهر الحكومة المستبدة هو غياب الرقابة والمحاسبة بغض النظر عن شكلها.ودعا جمال الديني الأفغاني(1838-1897) إلى الربط بين الديمقراطية السياسية والمسألة الاجتماعية،وحسب الأفغاني ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والعودة إلى الخير والتنفير من الشر.

بعد صدور كتاب الشيخ علي عبد الرزاق(الإسلام وأصول الحكم) عام 1925 حوكم وأوقف عن ممارسة القضاء؛ لأنه حاول في كتابه إقامة حد فاصل بين النبوة والممارسة السياسية. (فقه التسامح، 140 )

يختم المفكر شعبان كتاب فقه التسامح بتقديم فرضيات التسامح وهي تسع فرضيات:1 – التسامح يبدأ بالإقرار بمبدأ نسبية المعرفة الذي أخذ به سقراط وطوره فولتير.2 –  الاعتراف بفكرة الاقتراب من الحقيقة.3 – عدم العصمة.4 – احترام التنوع الثقافي والانفتاح على الآخر. 5 – الاقرار بالاختلاف بين البشر بطباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم. 6 – اتخاذ موقف إيجابي من الآخر دون التنازل عن حقوق الأنا. 7 – ضمان الدولة للعدل وعدم التمييز في التشريع وإنفاذ القانون. 8 – التسامح ضروري على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.9- التعليم من خلال المدرسة والتربية: أنجح وسيلة لقبول الاختلاف ونشر التسامح.

تضمنت الطبعة الثانية للكتاب التي صدرت عام 2011  الكثير من الملاحظات التي أخذت بالاعتبار التطورات السياسية التي نشأت بعد عام 2005، لا سيما ما عاناه العراق من ويلات الاحتلال والاقتتال والنزاع الطائفي والقومي…وقدم “شعبان” في طبعة 2011 خمس رافعات للتسامح هي:

1 – البيئة التشريعية والقانونية والمقصود قوانين رادعة لمن يخالف التسامح.

2-بيئة تعليمية أي منظومة تسامح ضمن مناهج التربية والتعليم

3 –  بيئة قضائية لتطبيق مبادئ العدالة وتحقيق المساواة. 4 – البيئة الاعلامية لنشر قيم ومبادئ التسامح.

5 – بيئة المجتمع المدني:رقيباً على ممارسات الحكومة.( مقدمة الطبعة الثانية ص 27)

مناقشة بعض آراء الكاتب والكتاب: يرى شعبان أن  القضاء على الأمية و  الجهل وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعاشية وتأمين ظروف عمل مناسبة والضمانات الصحية والاجتماعية… كفيل بنشر قيم التسامح وتهيئة الظروف للإقرار بالتنوع والتعددية وقبول حق الاختلاف،لا سيما إذا تم ذلك من خلال التربية والتعليم إضافة إلى التشريع والقوانين.(ص 25) وأرى أن ما يطرحه شعبان واضح ومهم وصحيح لكن لا يمكن أن يكون ذلك في سلة واحدة فلا بد من أولويات؛ وأعتقد أن الأولويات تكمن في التعليم: يجب أن نتوقف عن تفريق الناس بواسطة التعليم (ديانة مسيحية-ديانة إسلامية-تعليم نسوي-تعليم ذكوري، تعليم ديني مذهبي…) كل القضايا الاجتماعية يجب أن تخضع لقانون الدولة الواحد.

اليوم حتى مفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ الدكتور بدر الدين حسون يدعو إلى الغاء مادة الديانة من التعليم لنشر التسامح واستبدالها بالأخلاق. بيئة التعليم هي الأساس لمستقبل لا يفرخ عنفاً ورفضاً للآخر…إن مصطلحات الجماعات التكفيرية المتداولة اليوم من تكفير وجهاد التكفير ومحاكم شرعية…..هي مصطلحات تعلمها الطلاب في المدارس العادية وعززت في المساجد(التي تشرف عليها الدولة)في فهم أحادي متصلب متعصب لا يمكن أن يقبل التسامح.

آراء التلقين

البيئة التعليمية الحالية التي ترتكز على الحفظ والتلقين وفرض آراء المعلم: أحد أسباب ظهور أحادية التفكير….عندما يطلب من الطالب حفظ نصوص مغلقة لا يمكن مناقشتها أو التعارض معها أو حتى فهمها لأنها نصوص مقدسة،إضافة إلى طرق التدريس المتوافقة مع عدد الطلاب الهائل تجعل جدوى التعليم ناقصة، وتجعل المدرسة مرتعاً لتخريج أنصاف الأميين والمتعصبين وأعداء التسامح…..لذلك أجد شيوع التسامح لمستقبلنا يبدأ من التربية ومن المدرسة.

تناول المؤلف شعبان مختلف جوانب التسامح (دولياً وعربياً  ودينياً وسياسياً) فلماذا سماه فقه التسامح؟… بعض الكلمات ذات الرنين الديني الخالص تستخدم في مجال واحد، من ذلك استخدام تحريم العنف في أكثر من مجال في الكتاب؛والأساس تجريم العنف لأن ذلك أقرب مدنياً وقانونياً لأهداف مدنية الدولة. أعتقد أن مضادات التسامح كانت تستحق فصلاً مستقلاً؛ لأن من يتمسك بالمبادئ والحقوق قد يعتقد بأن التسامح تفريط بالمبادئ والحقوق. وأكبر مثال هو قضية فلسطين السليبة، قضية العرب المركزية، وهي أهم ما يتمسك به الرافضون للتسامح.والحقيقة أن فكرة التسامح مطلوبة دوماً، حتى في القضية الفلسطينية؛ لأن فكرة التسامح موجهة نحو التعامل مع اليهود وقبول ديانتهم ومعتقداتهم كما يؤمنون بها….فإن الرسول الكريم قبل اليهود وحفظ لهم حقوقهم بوصفهم مكوناً من مكونات المدينة المنورة، والخليفة الثاني عمر قبل وجود النصارى في القدس دون أن يعني ذلك مهادنتهما للديانة اليهودية والمسيحية؛ وإنما القضية لحفظ حقوق الأفراد بالمعتقد وحرية العبادة….وهذا هو الموقف المدني اليوم؛ فالرفض والعنف وعدم التسامح موجه – ومطلوب – نحو الكيان الصهيوني الذي اغتصب الأرض وشرد الشعب وهو أمر لا يمكن التسامح معه ؛ وإلا اقترن التسامح بالتهاون.

قضايا الربيع العربي لا يطالب الكتاب بها(الطبعة الأولى 2005) وهي خطيرة في مدلولاتها وارتباطاتها بقضية الديمقراطية:في مصر انتخبت جماعة الاخوان ديمقراطياً فسيطرت على مجلس الشعب ثم استلم أمينها رئاسة الجمهورية؛ فتشكلت في مجلس الشعب لجنة جلها من الاخوان لتعديل مناهج التعليم!  ووضع الإخوان قيوداً على السياحة! (وهو مورد مصر الأساسي) وشاع مصطلح أخونة الدولة… وهو يستدعي فهم أبعاد اللعبة الديمقراطية وشروط نجاحها؛ لقد أشار عبد الحسين شعبان إلى ذلك في مقابلة معه(الانتخابات لا تعني الديمقراطية لأن الديمقراطية منظومة متكاملة أحد قواعدها الانتخابات المهم هو:فصل السلطات واستقلال القضاء وسيادة القانون والمحاسبة والشفافية وإشاعة الحريات) وفعلاً بدون شروط نجاح الديمقراطية تصبح الديمقراطية احلال مستبد محل آخر. الشرعية لا تستمد من الديمقراطية بحد ذاتها دائماً،بل من الشعب،ومن مبادئ العقد الاجتماعي.

أي رمز ديني للدولة أو للحزب أو للجيش… يعني بأن هذه الدولة لهذا الدين دون سواه،و تفسر الرموز ضد الفئات الأخرى ….لأن المطلوب حيادية الدولة تجاه أديان أفرادها….وهو أساس مدنية الدولة الحديثة.

الفساد أكبر آليات توليد العنف واللاتسامح؛لأنه يؤدي إلى الإحساس بالظلم الذي يقع على المحرومين بوجود فئة أو جماعة تحصل على مكاسب الدولة، وتستفيد من الظلم، لتغتني على آلام  ومعاناة جماعة آخرى…

بطرح المفكر شعبان منظومة الديمقراطية والتسامح المجتمعي: يؤصل اسس الحياة السياسية للدولة العربية المعاصرة، القابلة للاستمرار والنمو..كنا نعتقد أن احتلال فلسطين هو حجر عثرة والعصا في عجلة التنمية العربية… فتبين أن عدم التوافق والصراعات العربية – العربية هي سبب تعطيل التنمية..وأصلاً هي سبب احتلال فلسطين،واستمرار الكيان الصهيوني متربعاً على الصراعات العربية…. باقتتال (الأخوة الأعداء) في العراق وفي سوريا وفي لبنان….وفي تعطيل قدرات العرب التنموية.

{أستاذ علم الاجتماع بجامعة دمشق