غرامشي خلف القضبان

المثقف العضوي

 

غرامشي خلف القضبان

 

حسين الجاف

 

بغداد

 

 

وول سوينكا.. الكاتب والمسرحي والروائي والسياسي الحاصل على جائزة نوبل عام 1986.. واحد من اعاظم مثقفي العالم عامة وافريقيا على الخصوص ونجيريا وطنه الام على وجه أخص هذا الاديب والمفكر لم يكتف بالحصول على نوبل من ملك السويد ليتمتع بمكاسبها المادية ويفتح مكتبا أنيقا فخما تديره مجموعة من السكيرتيرات الحسناوات ويستقبل فيه نخبة من أقرب أصدقائه.. وهذا ما فعله الكثيرون ممن نالوا هذه الجائزة بفعل جهدهم الخلاق وابداعهم الخارق المتميز.. وليس لكونهم من أقارب أو أخصاء فلان واعلان من ماسكي السلطة في هذا البلد أو ذاك.

 

ففي الغرب عموما وفي حواري العاملين في منح جائزة نوبل خاصة لايوجد مبدأ المحاباة او الايثار أو التهميش.. الكفاءة والابداع والتميز الخارق هما معايير القياس عموما في اختيار من يمنحونه الجائزة.. على اية فحال صاحبنا وول سوينكا.. اختلف تماما عن حال الروائي المصري الشهير الحائز هو الاخر على جائزة نوبل في الاداب منتصف الثمانينيات (نجيب محفوظ).. الذي أكتفى باستقبال نخبة من الاجيال المختلفة في مقهى (ريش) بالقاهرة ولربما تدخل في استحياء شديد أو بما يشبه الهمس في مجالسه بانتقاد استبداد السلطة في مصر أو بادانة الظواهر المختلفة في المجتمع الصري.. صحيح أنه قال بجرأة أكبر في رواياته أشياء كثيرة جدا جدا.. ومنها أنتقاد أو ازدواجية الفرد في المجتمع الشرقي المسلم في اتباعه أكثر الانظمة صراحة في ادارة شؤون بيته ومحافظته السلوكية الشديد في تقرير شؤون وشجون أهل بيته وبين انفلاته التام في لياليه الحمر مع غواني عوالم الليل ونجاحه وقوعه الذليل على أقدام غانيته.. عندما تمنعت عليه أن تستجيب لرغبته المجنونة للنوم معه على السرير الحرام.. وتمثل هذا بمنتهى الوضوح في شخصية سي السيد أو (محمد عبد الجواد ) في رواية بين القصرين.. على اية حال فالدور النضالي الهادئ الذي خاضه نجيب محفوظ وهو معلم عظيم من معالم الثقافة العربية المعاصرة.. ربما يعود الى تقدمه في السن.. وأن كان هذا ليس بالسبب المقنع جدا.. فأن الفيلسوف وعالم الرياضيات العالمي الشهير بيرتراند روسل وأحد الحاصلين على اكبر الجوائز العالمية في مضمارحقوق الانسان.. وقف هذا الفيلسوف البريطاني وعمر (92) سنة عام 1963 في وجه الانقلاب المشؤوم في (8 شباط عام 1963) في العراق وشارك في المظاهرات العامة ضد نظام الانقلابيين العفالقة الذي قتل في يوم واحد وبدم بارد اكثر من عشرة الاف عراقي..

 

وعود الى وول سوينكا.. المثقف العضوي العظيم.. الذي لم يدفعه نبله لجائزة نوبل الى الراحة والاستراحة.. والتمتع اللذين بمردوداتها المادية والحسية.. انما ضاعف حصوله على الجائزة من شعوره الثوري الحاد بأن مسؤوليته مفتوحة في مناصرة كل مظلومي الدنيا وكل ضحايا القمع والاستبداد والتفرد السلطوي بل وكل الجياع في العالم لدعم نضالهم المشروع في تحقيق ما يحلمون به من مجتمع آمن وحياة مرفهة وحرية كاملة في الرأي والمعتقد والفكر.. فألقى المحاضرات وكتب المقالات وشارك في المظاهرات ودخل في حوارات ومناظرات والتقى بالجماهير من خلال الاحتفالات العامة.. ليقول كلمة الحق في وجه الطغاة في كل وقت وكل زمن.. ولم يفت في عضده او يهبط عزمه حكم او احكام الاعدام التي صدرت عدة مرات في بلاده بحقه من المحاكم العسكرية والمدنية الذين اعتبروه عنصرا انقلابيا مشاغبا بل مشاكسا مهددا بأفكاره الثورية لاستقرار الانظمة الفردية والدكتاتورية.. كان عدواً للانظمة الدكتاتورية العسكرية التي حكمت بلاده والتي كانت تخرج من المجهول لتقفز الى السلطة وتقبض على زمام الامور لتتحكم في رقاب الناس دون شرعية أو دون مسوغ قانوني أو أخلاقي.. لقد قال سوينكا في حكام بلاده      (مالم يقله مالك في الخمر).. حتى سقطوا الواحد تلو الاخر.. فالزوال للحكام الظُلاَّم والبقاء للشعوب ابداً.

 

أما صاحب نظرية المثقف العضوي.. فهو الفيلسوف والمفكر الشيوعي الايطالي كرامشي.. الذي لخص نظرياته في كتاب هو خلاصة تجربته الفكرية والنضالية ألفه وهو وراء القضبان التي أمضى خلفها أكثر من عقدين وتتلخص فكرته بأن للمثقف مهاماً اجتماعية وتوعويه ونضالية علاوة على عمله التنويري في اكتساب الثقافة من منابعها الاصلية ومن ثم عكسها على شكل سلوك وممارسات متطابقة مع معتقده.