صورة حقيقية تقدم واقعاً منظوراً

أبواب الفردوس لناطق خلوصي

 

صورة حقيقية تقدم واقعاً منظوراً

 

مهدي شاكر العبيدي

 

[email protected]

 

 

وقفت بفعل قراءتي لهذا العمل الروائي الممتاز والذي سماه كاتبه الأستاذ ناطق خلوصي أبواب الفردوس، والموحي لأي من متداوليه أنه صورة حقيقية لواقعنا المنظور، وأن حوادثه ليست متخيلة، وأشخاصه المتناوبين أدوارَهم في صنع هذه الحوادث ليسوا وهميين أصلاً، بل إن أسماءَهم المترددة في فصولها هي المنتحلة والمصطنعة، وذلك غاية ما يمكن أن يبلغه العمل الفني المكتمل ويوفي عليه من الاِسارة والابداع وقوة التأثير في النفوس والعقول،  بحيث يدع ذويها منبهرين ومسحورين ومتسائلين في أطوائهم وسرائرهم، أحقاً تحصل مثل هذه الأمور الغرائب من الخداع والمداهنة والغدر والتدليس من أجل نوال المال وإرضاء الشهوات في حال مريع ومهول من التفريط بالقيم الرفيعة والنكول عما يجمل بالمرء أن يتحلى به من التعفف والصون ورعي الذمام، في زحام هذه المجتمعات العربية المتشدقة بعصمتها من الأرجاس والأدناس والمستطيلة على غيرها من الأمم والشعوب، بمالها من تاريخ حافل بالمفاخر والأمجاد من هدي العالمين وتدليلهم على الحضارة والعمران والحياة المستقرة والمحفوفة بما لا مزيد عليه من الصفو والوئام وعرفان الفرد بالحدود التي يتوقف عندها في توقه لطماعيته وما يرغب فيه، ــ قلت ــ بعد الاستطراد المفيض بعض الشيء ذاك.

 

 اني وقفت على نزوع السيدة المحترمة ” فطم ” زوج السيد نذير الحسيبي التاجر العراقي ومالك المحال والمخازن الممتلئة بالمعدات والأجهزة الكهربائية والالكترونية، وعُدّ من أصحاب الشركات الكبرى وقوارين المال الذين ينزل على إمرتهم، ويصدع بما يطلبون، لفيفٌ من الأجراء والمستخدمين ذكراناً وإناثاً في بلدته الواقعة شمالي بغداد أولاً، ثم ارتقت به حاله بعامل المصادفة غب تعرفه بمن يُدعى حمود الهايس وهو في المقدمة من أثرياء الخليج والذي أغراه بالانتقال بتجارته المتواضعة إلى بلد الكويت أو افتتاح فرع لها هناك على الأقل، وإيكال إدارة ما يُبقي له منها ذكراً بين معاشره وأصفيائه، وذلك إبقاءاً على صيته وسمعته، لمن يجدهم أهلاً لثقته بهم وتعويله عليهم من ذراريه وصفوة أهله، هذه السيدة المصون لم تحتشم من إغواء الفتى (هشام) ابن أخي زوجها ذاك، وصلته بنجلها الوحيد (غزوان) كونها تدني أبناء العمومة من بعضهم، وتحد من القطيعة والجفاء بين أبويهما، والحاصلين لسبب ما، ثم إن (غزوان) هذا أرجح منها عقلاً وأنفذ تفكيراً وأبعد نظراً للمستقبل وما يحتمل أن يأتي به من الصدمات والعوارض، بدليل حرصه على أن تظل صلة ولو موهونة، لا تنبّت، بين الأسرتين، بعد ما دبّ دبيب الخلاف والشقاق بين الأخوين، عمه الذي لا حد لزهده وعيفه عيشة الترف، واكتفائه بمستوى من العيش البسيط يتيحه له راتبه من الوظيفة التعليمية ويخاله كفيلاً باِعالة ولده هشام وأخوته، وما جاءته هذه القناعة إلا من ارتباطه بحزب ما جعله رجلاً متنوراً يفلسف كل شيء ويرقب ما يستجد في عالم السياسة، وبين والده المشتغل في السوق والذي تظل نفسه هافيةً لما يلبي أطماعَها، عسى أن تتخفف من جشعها وتطرّح عناءها وتخلد إلى الروح والجمام، فما يعني تماديه في إنكار حق أخيه المعلم المثقف، والمعروفة عنه مشاركته في العمل السياسي الصحيح أيام زمان، في حسبان هذا الرجل المستنير شيئاً، وانه ينظر لغصب حصته من ميراث الميتين، وكأنه من الخسارات التي تكبدها طوال حياته لمواقفه الوطنية، هذا إلى نظرته المتفائلة لكل ما يعرض له من الخطوب، وفرط إيمانه بمستقبل بلده، على ان هذا الواقع المشحون بالمفارقة، وهي أن تعجز يد القادر المستحق لما يقيم الأود، وتستمكن منه يد العاجز في غير احتياج له، يظل آخذاً بمجامع نفوس الخيرين، ولا يفيد في التعزي والسلو عنه، أي لون من التعليل والتسويغ والتبرير، مهما لُذنا بأسفارنا وكتبنا وما تحتويه من الأشعار والحِكم، وكذا تجيء هذه الرواية بمثابة إدانة للمجتمع العربي الذي اقتصر فهمه للحضارة العصرية على انها جسور وعمائر وشوارع مبلطة وقصور فخمة ونوادٍ ليلية ومراقص، وما قد تستدعي الأخيرة بطبيعة الحال إلى استرواح ٍ وتعر ٍ في البلاجات عند شواطئ الأنهار، ولم يفهموها على أنها رديف للصدق والأمانة في التعامل، ومجانبة لما يخزي ويشين من الحمق، ويدان عليه المرء من الشنأ والرذيلة، إلى ما يستلزم من الأفراد المحسوبين على وطن من الأوطان، أن يذودوا عنه ويدرأوا عوادي المغيرين، ويغدوا في تصرفهم مثالاً ناصعاً ودالاً على إحسان الأولياء والوالدِين تربية الأبناء التربية الحقة التي لا يتحيفهم منها ما يأتي من الشتم واللعن فتسوء سمعتهم .

 

فنلفي فيها نتيجة اغترار نذير الحسيبي بثروته الطائلة التي لم يَفترْ وينِ عن مضاعفتها وحرصه على زيادتها، فأغترب في الكويت وافتتح شركة لمبيعات الأدوات الكهربائية والالكترونية والتي سرعان ما استطارت شهرتها وأقبل عليها المتبضعون والمستهلكون بفضل حسن تعامل معاونيه في إدارتها معه، فَدرّت عليه بالمرابح والعوائد الطائلة من جانب، فقد هجر زوجته وعهد  لفتاه غزوان رعايةَ ابنته اليافعة التي لم تزل في بداية المراهقة وأوائل سن البلوغ، وهي مرحلة خطرة لا قبل لغزوان بمداراتها وتجنيبها عثراتها ومزالقها، و وقائها من معابثاتها الطفلية حد أن تشبهت أو أعجبت وهامت بوسامة أخيها الذي اعتاد منذ طفولتهما النومَ معها في غرفة واحدة، ويهمد كل منهما في سرير، ولزهده في مضاجعة زوجه ويقينه من توقفها عن الاِنجاب اِثر تعرضها لعملية جراحية في جهازها التناسلي، فصار كمن يؤدي عملاً مكرهاً ومقسوراً عليه حين ممارسة الجنس معها أحياًناً، لاسيما بعد أوبته من مغتربه النائي، فقد يقبل عليها أو لا يقبل ولو بالمداعبة والتلطيف، ونضتْ عنها كونها أماً لولد وبنت انتظما في دراستهما المتوسطة والاعدادية، وتقدمت في السن، فما تزال على قدر من الفتنة والجاذبية، وتروق للناظرين من المستهوين للسحر والفتون، وللحسن البارع الأخاذ والجمال البديع، فاتخذت حين تتاح لها الخلوة بغياب الزوج وانصراف الولدين لدوامهما في المدرسة، من (هشام) بديلاً لما افتقدته من غرامه وكلفه بها وصبوته اليها مستدرجه إياه ومختلقة شغفاً به، وتولهاً يمت الى أيام طفولته، وكيف كانت تحضنه وتغمره بالقبل، فيرد عليها جميلها ذاك في كبره ويغمرها بالقبل، عائفة في غمرة ذلك ما في عاتقها من لزوم مراقبة فتاتها (نسرين) ونهيها عن مقاسمة صديقاتها الفتيات الغريرات اللائي يجتزن ما تمر به من المرحلة العمرية المحفوفة باحتمال تهاويها لغير مزلقة واِسفاف وشر منكر واِثم قبيح، ومشاطرتهن في استهوائهن لما يجلبنه ويخفينه عن العيون بين طيات كتبهن المدرسية لصور يزعمنَ أنها من مقتنيات أشقائهن توافت لهم من الخارج كهدايا في المناسبات، و يسترسلن أكثر فيروين قصصاً وحكايات عن معابثات ذويهن في غرفات الليل بأن يتلصصن عليهم من وراء ثقوب الأبواب، فأي نكد وإخلال بالرعاية والعطف والحنان، قاست منه فتاتها وزهرتها اليانعة نسرين، وحالَ احتشام الولد الذي ناط به أبوه مداراة أخته جهد ما يستطيع دون تدارك ذلك وتلافيه.

 

وهناك في الكويت يرتبط بزيجة شرعية على نحو ما بامرأة فلسطينية اتهم أبوها بالتجسس على بني جلدته في المخيمات بلبنان، ويفشو أخبار تهيئهم لمداهمة مخابئ الاِسرائليين ومباغتتهم بالهجوم على أوكارهم، واكتشف أمره وانفضحت خيانته لوطنه الذي تشرد عنه ولا أمل في التشفع له ورد اعتباره، فهرب بذويه في ليل أليل وألقى مراسيه في أرض الكويت وانساب في زحام الناس، وما لبث أن عاد متشوقاً لأرضه القديمة حاسباً أن لا أحد يعرفه من الناس الذين قد يكونون نسوا ما اجترحه من مروقه وحنثه بمواطنته كما أوهم نفسه، حتى اذا فطنوا لوجوده بينهم بعد عشرين سنة تصرمت سراعاً، عانوا أثناءها من الويل ما عانوا،عجلوا للانتقام منه، أما ابنه (يوسف) مهندس الاتصالات فهرب بجلده الى الولايات المتحدة الأمريكية واكتسب جنسيتها، وصار قريباً من رجال السياسة المتصرفين بشؤون العالم، والمتحكمين بمصائر شعوبه، وامتهنت اخته ريم الشهلاوي المقيمة في الكويت اِدارة أعمال العراقي المتهافت على اجتناء أجزل نصيب من الآراب والمغانم، سواء بخصوص الجنس أو المال، وأذعن لنزوات زوجه بإيداع أمواله باسمها في البنوك كدليل لائتمانه إياها وثقته بها، في حين تخاتله هي وتطعنه في الظهر وتخونه في عفتها كأن لم يكفها إنجابها لطفلتين ويردعها عن غوايتها واستهتارها، بل تتعدى هذا التصرف الى مصارحة فتاه (غزوان) من زوجته المصون (فطم) حين وفد عليهم من العراق لأول مرة بعد تأجيله دراسته الجامعية سنة، بأمل أن يحل محل الوالد بضعة أشهر في إدارة الشركة، والذي آثر العودة لوطنه، كي يشرف على سير العمل في محاله التي تركها بعهدة شقيق زوجته (فطم) الزاهد العابد الشيخ رمضان، وركن لذمته مع أنه لا يحتاج ذلك، بعد ما خبر استدلاله بآي القرآن المجيد في غدوه ورواحه وسائر مكالماته مع مَن يسالمه ويصافيه، وصّدق ما يشاع في الأوساط عن اتسام أولاء النفر من المنصرفين للعبادة، بطهر النفوس ونقاء القلوب وترفعهم عن اغتياب الملأ ورميهم بما ليس فيهم، غير أن الأيام أرته العجائب وكشفت له ولغيره انغماسهم في الخبائث و المآثم، وأنهم لا يعفون عن الوشاية وتلفيق التهم لمعارضي السلطة، ودعوى الكفر والالحاد هي الجاهزة وعلى طرف لسان الواحد منهم، فضلاً عن انه وقف على تبينه كثرة ديونه و تبديد ثروته في جيوب معارفه، وما يدري أوان تسديدها، قلت إن زوجه في الكويت ريم الشهلاوي افتتنت بفتاه غزوان وانسحرت بروائه وطراوة عوده وشبابه الغض فتجاسرت في الاعراب عن تمنيها لو جادَ عليها مَنْ في السماء بمثل شبابه الفوار وحيويته الفياضة بعد وقت يسير من اطلالته عليها ومساكنته لها، فتزاحمت الريب والشكوك في نفسه، واكتنه السر في انصياع لولب الشركة حمدي الاسيوطي لكل ما تريده وتطلبه، معولاً على دهائه ولباقته ولفظه المعسول في فرض وجوده وقربه منها، فتصدى مستفسراً الخادمة الباكستانية التي تعيش معهم في البيت، بعد أن اختلى بها ووعدها أن لا يكشف ما تقول، وأقسمت هي الأخرى على أن تتكتم وتحتفظ بما سيدور بينهما بعد قليل من حديثه، فتوجه نحوها بسؤاله: (هل دخل أبوه غرفتها ذات يوم ؟ فابتسمت بخجل و أجابت بضع مرات، فقفى عليه بسؤاله الثاني: هل صادف أن جاء الى هذا البيت حمدي الاسيوطي في غياب أبيه ؟ ترددت صامتة، فكرر عليها السؤال بصوت ينطوي على بعض الحدة، فهزت رأسها بالإيجاب، قالت بعد لحظة صمت: ليس كثيراً بضع مرات، لكن لا أدري أين ذهبا بعد ذلك لأني عدت الى المطبخ بعد أن قمت بواجبات الضيافة، وهل تأخرا ؟ ربما أكثر من ساعة، حسناً لقد التقط طرف الخيط الذي يبحث عنه) . ذاك جانب وعينة من إجمالنا واقتضابنا لفصول هذه الحكاية الطويلة والمتشعبة و موفورة الأسماء والنعوت والكنى لكل من لعب دوره فيها وأدّاه بنصيب، ويشفق الداعي أن يسمهم بالأبطال ويضن عليهم بهذه المزية، لأن البطولة عادة ما تكون صنواً لصيقاً بالشهامة والايثار والمحمدة والمجد، وللأستاذ باسم عبد الحميد حمودي أيام مزاولته كتابة القصة القصيرة، أو اختلاقها على وجه أصح، سابقة في وصف أطوار وطبائع شاذة لعم فتاة تناهى فيها، أو استهتر لحد مارس الجنس معها أي انتهكها ونكحها، مبايناً في تصرفه هذا لكل ما ألفه بنو البشر منذ فجر الانسانية من المراسم والطقوس، فهل نسميه وأشباهه من الشخوص الماثلين أو الماثلة في رواية الأستاذ ناطق خلوصي، أبطالاً على غرار ما شابَ كتابات ناس وتعاليقهم على هوامش الأعمال الفنية ــ روائية وقصصية ــ بوصفهم نقاداً أو نقدة أو نويقدين لهم حق الوصاية والتوجيه على الأدبية العراقية والعربية، وللكاتب الأشهر توفيق الحكيم نظرة أو انطباع عن كتابة كهذه، ويزجي إفضاءه وقولته عنها بمنتهى الألم  واللذع والمرارة، أنها لا تعدو أن تكون تلخيصات للوقائع والأحداث التي تجري فيها وتدور عليها، ساهمت على أي حال في إيصالها لمن لا يملكون الصبر و المطاولة على تقري فحاوى كتاب ضخم بعض الشيء، وكان الأحجى أن يتحروا عناصر الأسلوب اللغوية الكامنة في النصوص التي يقرأون، ويعنوا بها لتزدان كتابتهم بملمح ضافٍ وغير ضافٍ، من الانشائية والابداع، بدلاً من التمادي في افتعال المآخذ و التوجيهات، من نحو: كيفية تكتب القصة، وتحتذي أصولها وقواعدها، طيبْ اكتب أنت لنا أولاً و قدّم بين أيدينا مثالاً ونموذجاّ لنفيد منه ونقفوه .!

 

ولي أن أشتط وأتجاوز ماليَ من تأهيل محدود في الجزم والقطع برأي أو ملاحظة على منجز الكاتب ناطق خلوصي، فأعده في بعض وصلاته وعند مواضع قليلة جداً ـ مجرد رواية جنسية تتضمن شيات من صنيع داريل في رباعية الأسكندية مثلاً، فليس هنا وهناك من بين كتابنا مَن يبذه  ويفوقه تفنناً و براعة في وصف مشهد التلاقي والتداني بين العشاق واحتدام الفورات الجنسية أكثر في أوصالهما، وفي التعبير عنها بالألفاظ المفصحة عن انفتاح أبواب الفراديس التي يروم دخولها والنفاذ منها الى حيث الاندماج والفناء في ذات الآخر، وذلك من قبيل اختلاء  (غزوان ) بخطيبته ( رؤى ) وهي ابنة عمه حين قصدا البستان بعد فراغهما من قضاء شغلات تتعلق بحصولهما على كتابي تأجيلهما دراستهما في كلية الهندسة الى سنة تالية، وتوديعه هو بمفرده (ام رهيف) الموظفة فيها بعدما شكرها على تسهيل موافقة العمادة عليهما، فشرائهما للمصوغات لتحلية يديها وجيدها بها كما تقتضي العادة، وليخلصْ الراوي الِمفن ويسقْ من البيان الطلي ما يكاد يباري به ويضاهي نشيد الانشاد في رقته وعذوبته، وهاكم:

 

(مّدت يدها وسحبت وسادة ووضعتها تحت رأسها، فشعرت كأنها نامت على سريرها، ولن يتمادى فيتجاوز حدود المسموح لو أغرته على القيام بذلك، أطبق شفتيه على شفتيها و شعر بذراعيها يضغطان على ظهره، ومد يده الى صدرها فاصطدمت بمشد الصدر، سمعها تهمس قريباً من إذنه: إنهضْ قليلاً).

 

(وجدها تنحني الى الأمام قليلاً حتى احتك الجزء الأسفل من جسدها بالجزء الأسفل من جسده فشبّ في داخله حريق، أرخى حَنكَه على كتفها الأيمن ثم ضغط به عليه، مَدّ يَدهُ الى صدرها وصارت أصابعه تداعب حلمتي نهديها، كل شيء في باب المسموح، واِذا تماديا فلا يصل الأمر الى حدود اللا مسموح، هذا هو قراره الصارم …..فشعر تلك اللحظة أن باباً مغايراً من أبواب الفردوس ينفتح أمامه) مثل هذا التوصيف المبهر البديع والمتوسل باللفظ الموحي بموضع الأسرار، يطالعنا في سرده لقاءاته أمَ رهيفٍ خارج دائرتها حيث تستقبله مرحبة به في بيتها، وأم رهيف هذه المترملة زوج لضابط استشهد في الحرب ذات السنوات الثماني وأخيراً قبيل وقف اِطلاق النار استنفدت أرواح كم هائل من البقية الباقية من الأجناد المقاتلين في كلا الجانبين المحتربين، وكأنها ـ بالكاد ـ أشبهت تلك الهرة التي أكلت بنيها وما شبعتْ:

 

وهذه هي عوائد الحروب العبثية التي تسفر عن العود الى المربع الأول، فلا داعيَ لافتعال الخلاف حول الحدود المعلنة بين البلدين سوى أن يفلحا في مخادعة شعبيهما أن مقاتليهم استدفعوا ما وسعهم جائحة الخطر واختراق الحدود، وما تدري من المهزوم ومن المنتصر، ولعل جهات وأوساطاً تدخلت وحسمت الأمر بينهما أن لا رابح  و لا خاسر، وما عليك بما يذيعه الاعلام المنحاز لكليهما، سوى أن يفتقد الأطفال حنان الأبوة ثم يتشردوا إن لم يجدوا من يرعاهم من بين ذراريهم، وسوى أن تترمل النسوة من وراء الغياب الأبدي للأزواج الراحلين (فدوة !) للحالمين بالمجد، والتائقين للتشبه بعناترة الأزمان، فان لم يتماسكن فسيتهاوينَ ويرتمين على عتبات من يفتنهن من الشباب لأول عهدهم بالتجربة، ويجدن فيهم عوضاُ عن الغائب الذي حنثنَ بواجب الوفاء له والإقامة على عهده، وهاكم أيضاً: رآها تنضو الروب عنها وترميه جانباً فِاذا بها ترتدي تحته قميصاً داخلياً أسود يشف من تحته سروال أبيض، كانت أصابعه  تلامس من دون عمد أجزاء من رقبتها و صدرها فيتردد في مواصلة عمله، فجأة انزلقت أصابعه بحركة غير مقصودة وصارت على صدرها،أدارت رأسها نحوه، وابتسمت فأحس بهزة غامضة تسري في جسده، حين انتهى مكثت هنيهة تتأمل ما أهداه لها، وما لبث أن استدارت نحوه وألقت ذراعيها على كتفيه، همست:

 

ما حاجتك لأن تجلب لي هدية وأنت بشخصك أروع هدية بالنسبة لي. شعر بها تقترب بجسدها من جسده فوجد باباً جديداً من أبواب الفردوس ينفتح أمامه.” وكذا انفتحت له وأمامه فراديس غيرها، تفنن الكاتب الراوي في تخير أجمل الألفاظ، وأرشق التعابير ليسحر النفوس بها ويرجع بذويها الى أيام صبواتهم .

 

   والعصارة المستقطرة من الطرق على أبواب هاتيك الفراديس واقتحامها عنوة، هي أثام في أثام، أو هي من وجه آخر على حد وصف عمه أبو (رؤى) المواظب على قراءة الأدبيات الثورية والرجوع لأصولها في تفسير كل ظاهرة ومشكلة، وهو من جيلٍ منطوٍ مالَ ذووه للمسايرة وتخلوا عن المكابرة والعناد، وداروا مع الزمان حيث دار:

 

(هذه الشهوة التافهة أساس بلاء البشرية ومحض رغبة محمومة لا تتجاوز الدقائق، قادرة على أن تهلك نفوساً، وتهدم بيوتاً، وتشرد أطفالاً، وتسيل دماءاً، حين تتمرد على العقل).

 

ونستطيع ان نعدَها رواية نعي على هذا الشعب الذي فتّ في ساعده و وهنت قواه، وترادفت عليه الكوارث والمصائب والأرزاء، بعد أن (نُفِخَ) في رأسه، وأوُهِمَ بأنه عظيم ولا عظمة عنده، ومتكاتف لكنا نلفيه اليوم مبعثر الشمل، متفرق الكلمة، أطيافُه جميعها تتنازع وتتصارع حول لا شيء، وعانى من الكبت ولجم الافمام وفرط التحفظ في القول ما عانى جراء حرصه على ديمومته ووجوده، وكان ثمن هذا الحال المؤسي تفشي الأدواء النفسية بين غالبيته، فشكا شكاة مرة من جور الزمن حتى بعد أن أطل عليه ما يسمونه بفجر التغيير .

 

 فلا مراء اِذا شاب التحلل تصرفات غالبية فتيانه وشبيبته اِذ أساءوا معني الانفتاح، وتعاموا عما لزمه آباؤهم ودرجوا عليه من الغلواء والتزمت بخصوص علائقهم العاطفية، وتحولوا فيها من الجهل والعماية الى التطرف الشديد في الاباحة والاِطلاق، وأبين برهان على ذلك أن المتقدم للخِطبة لفتاة يختارها شريكة حياته، ويقبله أهلوها، قد لا يرى وجهها الا ليلة الدخلة، كانت هذه الوضعية سائدةً في القصبات العراقية حتى عام 1955م (وهذا الحال موثق وفطنتُ له حينها ولدي شواهد عليه ممن تولوا ادارة المدارس الثانوية !) غير أن الحال انعكستْ في السنوات الأخيرة التي شهدت تجوال مبرمي عقود الزوجية في المحاكم بين الحدائق والمنتزهات والأسواق، ويقصدون الأخيرة ابتغاءاً للتبضع والتسوق.وهذا هو المسموح، ومنهم من يعدوه الى غير المسموح .

 

أجل إنها قصة نعي وتأسف على مصير الذوات الذين كدوا وكدحوا ورُشّحوا لدخول جنانٍ وساعٍ، اِذا بالدهر ينقلب عليهم فيخسروا كل شيء كما خسره نذير الحسيبي، وإليك ختام الرواية المكرس لتصوير مغادرة جيوشنا الأراضي الكويتية أذ لم تلق في طريقها وهي تنسحب غير السراب بعد أن تّوعد ساستنا العالم، وأنذروه لو تدخلَ ووصمهم بالخرق، وصحب نهاية هذه المغامرة انهزامْ (ريم الشهلاوي ) الى أمريكا مع (حوسمة) ثروة زوجها الطائلة، قبل أن تنتقل الى سوادِ ناسنا، عدواها (أي الحوسمة)، بأثني عشر عاماً، ملوية بالمصانع ومؤسسات الحكومة من مصارف ومكتبات وأثاثاث مدرسية وكل ما يدل على مكونات الدول العصرية .

 

  “هو على شفا الهاوية الآن، تضج في سمعه جلبة أصوات متداخلة: نعيق غربان سود، عواء ذئاب جائعة، هدير رعد يتفجر في سماء بعيدة، أزيز طائرة مقاتلة ودوي تفجير قريب، إنه وحيد في عري الطريق الموحش الآن.تابع ببصر منكسر سيارته تبتعد وتبتعد وتتوغل بعيداً حتى غابت تماماً وكأنها أخذت شلواً من روحه معها، فقدَ كل شيء الآن، وأصبح في مواجهة المجهول، فساورته رغبة في البكاء، بدا له أن باب فردوسه الكبير قد انغلق تماماً وخلف امتداداً من صحراء مسكونة بالسراب، فأقعى على الأرض وأغلق عينيه على عتمة الأفق ! “