صباح بطعم فيروز
أضاء الصبح بواكير نوره الأولى بعد إن ولد عسيراً بعد مخاض ليل مدلهم أدهم طال أمده كأنه دهراً لتعلو معه أعقاب (سجائري) شامخةً في (نافضة السجائر) على مكتبي الخشبي بجنب أوراقي المبعثرة وسهر طويل حاولت إن أكتب فيه قصة قصيرة ألهمت فكرتها ولم تسعفني الملكة ولو سطراً يتيماً من أحداثها . حيث تسمر قلمي بيدي صنماً فوق الورقة العذراء بلا حول ولا قوه , ساعات مررن وقلمي يعاندني كحصان بري غير مروض اجر لجامه لكن عبثاُ وبلا جدوى . وصوت أبريق الشاي فوق المدفأة النفطية يدوي في أرجاء الغرفة كاسراً ذلك الصمت المطبق الذي كاد إن يفقدني صوابي . وانأ على هذا الحال حتى على أذان الفجر معلناً يوم روتينياً أخر من أيام العمل الوظيفي الممل المقيت .طلت أولى خيوط الشمس من خلال نافذة غرفة المكتب في منزلي من بين بنايات البيوت المقابلة لمنزلي يكاد يكون بلا دفء من شدة البرد سوى من نور بلا طعم أو نكهة , في ذلك اليوم ألشتائي القارص من أيام شهر كانون الأول .
وككل يوم وبذات العجالة المعهودة بعد إن أخذت حمامي لبست ملابسي ورشفت بضع رشفات من كوب الشاي فوق طاولة الطعام في المطبخ والذي أعدته لي زوجتي التي صحت كعادتها باكراً وخرجت على عجل فحافلة الدائرة على وشك الوصول كي تقلني إلى الدائرة .
وقفت وانتظرت طويلاً في ركن الشارع لا انفك أتثاءب من شدة النعاس حتى جاء الباص أخيرا وركبت وسلمت على زملائي وجلست في مكاني بلا صوت وأرخيت رأسي للخلف فالنعاس اخذ يغلبني ولكن عبثاً و بلا جدوى فانا لم اعتد النوم في سيارة .
أدار (سعيد) سائق الدائرة المذياع فصدحت فيروز (….. يا طير يا طاير على طراف الدني ….) بصوتها الحنون الصباحي الممزوج بعبق نسيم الجبل والأرز ألبناني بنكهة فيروز الطفولية فأخذت وبلا شعور اردد كلمات الأغنية الخالدة مع فيروز وأخذت ارفع صوتي شيء فشيئاً حتى التفت إلي الجميع وهم يتبسمون لي ومن بينهم سائقنا (سعيد) الذي هو الأخر اخذ يرددها معي ويصفق بكلتا يديه تاركاً المقود يلوح بلا ربان يديره وتبعه الآخرون تباعاً الواحد تلو الأخر حتى صرنا وكأننا بمجموع أصواتنا شكلنا كورس إنشاد , وطغى صوت غنائنا على صوت فيروز الذي لم نعد نسمعه , حتى النسوة نزعن عنهن ثوب الخجل وشاركننا الغناء وبلا وعي كأننا ثملنا جميعاً . وما إن انتهت الأغنية حتى خيم السكون في الحافلة كسرته إنا بتصفيق عالي للجميع وتعالت مني ضحكه وبلا شعور دوت في أرجاء الحافلة فصفق الجميع .
أحسست ونحن نغني مجتمعين إننا أزحنا هموم الروتين الجاثم على صدورنا خمس أيام أسبوعيا . أحسست وأنا أطالع وجوه باقي الموظفين بما فيهم إنا كأن دواء سحري قد ذر علينا في هذا الصباح وكأن ابتسامات مفقودة منذ زمن بعيد قد انبثقت من بين ثنايا عبئ الحياة وهمومها . حتى إني رأيت أحدى الزميلات قد فرت من عينيها دميعات فرح أخذت تكفكفهن بمنديلها الورقي بلمح البصر خجلاً متحججة بشيء ما دخل عينها.
لكني عرفت سبب غناء الجميع الأبله اللاشعوري هذا , أنها الحياة وهمومها التي تجثم على صدور الجميع . والتي نفسنا عنها بغنائنا مجتمعين .
لماذا يا حظرة الحيـاة تفعلين بنا هكذا؟
هذا الشيب الأبيض الذي علا رؤوسنا هو منك يا دنيا . وهذه التجاعيد التي فصلت قسمات وجوهنا بسببك أنت , كفا لك بالله عليك أما اكتفيت تذبحين في داخلنا الإنسان ومشاعره وتبقين على ظلال وخيالات بلا مشاعر .
تشرقين بنا وتغربين هنا وهناك , نعد الأيام كي يأتي يوم بعده نعد بقيت الأيام.
نركض وراء القوت المر بلا جدوى إن نكتفي أو تكتفين من عذابنا أنت.
بالله عليك كفاكي يا دنيا .
حسام خوام – ديالى























