شجرة‭ ‬صنوبر‭ ‬علّمتني ما‭ ‬لم‭ ‬تعلّمه‭ ‬مدن‭ ‬كاملة- د. فاروق الدباغ

في‭ ‬إحدى‭ ‬دراسات‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬عليها‭ ‬خلال‭ ‬تأهيلي‭ ‬الأكاديمي‭ ‬لإدارة‭ ‬البلديات‭ ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬القضية‭ ‬حربًا،‭ ‬ولا‭ ‬انهيارًا‭ ‬ماليًا،‭ ‬ولا‭ ‬كارثة‭ ‬طبيعية‭. ‬كانت‭ ‬شجرة‭.‬

شجرة‭ ‬صنوبر‭ ‬واحدة‭.‬

بدت،‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬مجرد‭ ‬تفصيل‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬شارع‭ ‬رئيسي‭ ‬ومجمع‭ ‬تجاري‭ ‬ضخم‭ ‬في‭ ‬Falun‭. ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬الشجرة‭ ‬أوقفت‭ ‬المشروع‭ ‬كله‭.‬

لماذا؟‭ ‬لأن‭ ‬التخطيط‭ ‬هناك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬خطوط‭ ‬هندسية‭ ‬تُرسم‭ ‬لخدمة‭ ‬المركبات‭ ‬والأسواق‭ ‬والمقاولين‭. ‬التخطيط‭ ‬كان‭ ‬سؤالًا‭ ‬أوسع‭: ‬ماذا‭ ‬سيحدث‭ ‬للبيئة؟‭ ‬للمياه؟‭ ‬للحياة‭ ‬البرية؟‭ ‬للذاكرة‭ ‬التاريخية؟‭ ‬وللهوية‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬المدينة‭ ‬معناها؟

في‭ ‬المخطط‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬ممرات‭ ‬مائية‭ ‬لعبور‭ ‬الكائنات‭ ‬الصغيرة‭ ‬الضفادع‭ ‬والأسماك‭  ‬ومعابر‭ ‬للحيوانات‭ ‬البرية،‭ ‬وحسابات‭ ‬دقيقة‭ ‬لتأثير‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬البيئي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬رفض‭ ‬المكتب‭ ‬الثقافي‭ ‬قطع‭ ‬الشجرة،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬تعيق‭ ‬مشروعًا،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المدينة؛‭ ‬محطة‭ ‬استراحة‭ ‬لعمّال‭ ‬مناجم‭ ‬النحاس‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭.‬

ماذا‭ ‬حدث؟‭ ‬لم‭ ‬يُكسر‭ ‬الاعتراض‭. ‬لم‭ ‬تُشوَّه‭ ‬القوانين‭. ‬لم‭ ‬يُتهم‭ ‬المعترضون‭ ‬بعرقلة‭ ‬التنمية‭.‬

بل‭ ‬أُعيد‭ ‬رسم‭ ‬الطريق‭. ‬تغيّر‭ ‬مساره‭. ‬نُقل‭ ‬المشروع‭ ‬التجاري‭ ‬مئات‭ ‬الأمتار‭. ‬حُميت‭ ‬الشجرة‭ ‬بسياج‭ ‬دائري‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬نصبًا‭ ‬تاريخيًا‭. ‬وزُرعت‭ ‬عشرات‭ ‬الأشجار‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬نفسه‭ ‬تخليدًا‭ ‬لها‭. ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬المشروع‭ ‬نفسه‭ ‬حمل‭ ‬اسمها‭. ‬مجمع‭ ‬شجرة‭  ‬الصنوبر‭ ‬للتسوق‭ ‬

هنا‭ ‬فهمت‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬التخطيط‮…‬‭ ‬و”التخ‭ ‬طيط”‭.‬

التخطيط‭ ‬يبدأ‭ ‬قبل‭ ‬التنفيذ‭.‬

أما‭ ‬“التخ‭ ‬طيط”‭ ‬فيبدأ‭ ‬بعد‭ ‬الأزمة‭.‬

التخطيط‭ ‬يرى‭ ‬الإنسان‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭: ‬بيئة،‭ ‬ذاكرة،‭ ‬عمران،‭ ‬موارد،‭ ‬مستقبل‭.‬

أما‭ ‬“التخ‭ ‬طيط”‭ ‬فلا‭ ‬يرى‭ ‬إلا‭ ‬المشروع،‭ ‬والتمويل،‭ ‬والمقاول،‭ ‬والمستفيد‭.‬

التخطيط‭ ‬يسأل‭: ‬ماذا‭ ‬سنخسر‭ ‬إن‭ ‬نفذنا؟

أما‭ ‬“التخ‭ ‬طيط”‭ ‬فيسأل‭: ‬كيف‭ ‬نمرر‭ ‬التنفيذ؟

وهنا‭ ‬أتذكر‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬

حين‭ ‬تُجرف‭ ‬غابات‭ ‬المدينة،‭ ‬وتُختزل‭ ‬الاعتراضات‭ ‬البيئية‭ ‬في‭ ‬ضجيج‭ ‬ناشطين،‭ ‬وتتحول‭ ‬الأسئلة‭ ‬العمرانية‭ ‬إلى‭ ‬تبريرات‭ ‬مرتجلة،‭ ‬ندرك‭ ‬أننا‭ ‬لسنا‭ ‬أمام‭ ‬خلاف‭ ‬حول‭ ‬مشروع،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬غياب‭ ‬فلسفة‭ ‬تخطيط‭ ‬أصلًا‭.‬

لأن‭ ‬المدينة‭ ‬ليست‭ ‬إسفلتًا‭.‬

المدينة‭ ‬كائن‭ ‬حي‭.‬

توازن‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والشجر،‭ ‬بين‭ ‬الاستثمار‭ ‬والمشهد‭ ‬الطبيعي،‭ ‬بين‭ ‬الطريق‭ ‬والهوية‭.‬

وحين‭ ‬تُدار‭ ‬المدن‭ ‬بمنطق‭ ‬التصريحات‭ ‬الآنية،‭ ‬لا‭ ‬بمنطق‭ ‬الرؤية،‭ ‬يتحول‭ ‬التخطيط‭ ‬إلى‭ ‬رد‭ ‬فعل،‭ ‬لا‭ ‬فعل‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬الكارثة‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬طريق‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬غابة‭.‬

المشكلة‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬تجريف‭ ‬الغابة‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬المخطط‭.‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬تعديل‭ ‬المسار‭ ‬مستحيلًا،‭ ‬بينما‭ ‬إزالة‭ ‬الإرث‭ ‬الطبيعي‭ ‬أمر‭ ‬عادي‭.‬

حين‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الشجرة‭ ‬كعائق،‭ ‬لا‭ ‬كقيمة‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬أزمة‭ ‬هندسة‭.‬

هذه‭ ‬أزمة‭ ‬وعي‭ ‬إداري‭.‬

وأزمة‭ ‬أخلاق‭ ‬سلطة‭.‬

وأزمة‭ ‬معنى‭.‬

في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تخطط،‭ ‬تُراجع‭ ‬المشاريع‭ ‬لتتلاءم‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭.‬

في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬“التخ‭ ‬طيط”،‭ ‬تُراجع‭ ‬البيئة‭ ‬لتتلاءم‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭.‬

وهنا‭ ‬الفارق‭ ‬الحضاري‭ ‬كله‭.‬

ليس‭ ‬بين‭ ‬السويد‭ ‬والعراق‭.‬

بل‭ ‬بين‭ ‬عقل‭ ‬يرى‭ ‬المستقبل‮…‬‭ ‬وعقل‭ ‬يستهلك‭ ‬الحاضر‭.‬

ولهذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قصة‭ ‬شجرة‭ ‬الصنوبر‭ ‬قصة‭ ‬عن‭ ‬شجرة‭.‬

كانت‭ ‬درسًا‭. ‬بأن‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬شجرة‭ ‬قد‭ ‬تحمي‭ ‬أجيالًا‭.‬

والمدينة‭ ‬التي‭ ‬تقتلع‭ ‬غابة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مشروع‭ ‬عاجل‮…‬‭ ‬قد‭ ‬تقتلع‭ ‬معها‭ ‬شيئًا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬الأشجار‭.‬

قد‭ ‬تقتلع‭ ‬فكرة‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭.‬