سلاماً أيها الراحلون

سلاماً أيها الراحلون

رحلوا عنّا في غفلةٍ من الزمنِ، حلّقت أرواحهم في سماءٍ مُكتظّةٍ بالغيومِ السَّود، وفي جوٍ مُغبرّ وأتربةٍ ليست صفراء فقط، بل تحوَّل لونها إلى أسودٍ غامق، رحلوا عنّا لكنّهم كانوا حالمين بالمستقبلِ، مُتفائلين بما هو قادمٍ وآت… مّما دعآهم وحفّزهم على أن يرقصوا فرحاً وبهجة كالأُم عندما تلاعب وتُدغدغ وليدها الجديد. لا يستطيع أحدٌ أن يتعرّف على أيُّهما أشدُّ فرحةٍ من الأخر، هذه هي العلاقة الوطيدة بين الوطن وبين الّذين نذروا أرواحهم له، بين الوطن وبين من رسموا له ولشعوبهم أجمل وأحلى لوحة… هؤلاء هم الّذين يجب أن يُقال عنهم صانعو الأوطان ؟ رسموا الحياة الكريمة بكلِ ما تحمله الكلمة من معنى، من عيشٍ رغيدٍ وأحترام الإنسان وحقوقه وحُرّيته وحلموا ببناءِ دولةٍ عصريةٍ، حديثة، ينعمون بها… نعم هذه الكلمات كثيراً ما تردَّدت على لسانِ السيّاسيّين الجُدد؟! وسمعناها مراراً وتكراراً، ولكن عندما تسمعها بصوتِ هؤلاء تشعر بعفويتها وصدقها لأنّها نابعة من القلبِ، ومن اُناس ليس لديهم مصلحة في شيءٍ إلا مصلحة الوطن وعشقهُ الأبدي. ولأنّهم حالمون بكلِ شيءٍ جميلٍ، يسودهم الأمل والتّفاؤل بالمستقبلِ، أينما وجدوا وأينما حلّو فهذا هو معيارهم الحقيقيّ وهاجسهم اليومي رغم بساطتهم، رغم ظروفهم المعيشية الصّعبة، ورغم صعوبةِ الحياة ومتاعبها وهمومها وأرهاصاتها… ولكن عندما يتكلمون عن الوطنِ ومستقبله، فأنّهم يأخذونك إلى عالمٍ آخر، وآفاق ليس لها حدود… ماذا بعد: أيُّها الحالمون بالمستقبلِ، أيُّها الشُّرفاء، أيُّها الشُّهداء، أيُّها السُّعداء، ليس في دنياكم وكما كُتب على لافتاتِ نَعيكُم؟ إنّما في آخرتكم . كُتب بأن تعيشوا سُعداء في الحياةِ الأزلية. ماذا بعد… أين وطنكم ؟ الذي تحلمون به، والَّذي رسمتم لوحته الجميلة في مخيلتكم. عودوا ألينا اِسمعونا صرخاتكم الجريئة اِسمعونا آهاتكم، اِفيقونا من غيبوبتنا ومن سباتنا الطّويل. وجدّدوا فينا الحُلم والأمل والتّفاؤل… واِرغمونا. نعم، اِرغمونا على تحقيقهِ، لكي لا تذهب دماؤكم الزَّكيّة الطَّاهرة سُدى، ولكي لا تزول ذكراكم عنّا، ولا يغفل عنها أحد.

رحيم رزاق الجبوري – بغداد