سفسطة أم فلسفة ؟ – ناجح صالح

سفسطة أم فلسفة ؟ – ناجح صالح

 

نشأت السفسطة والفلسفة أول ما نشأت على أرض اليونان .

وكان السفسطائيون يجوبون الأسواق والساحات العامة لنشر مبادئهم ، وأهم ما ارتكزت عليه هذه المبادئ هي أن الحقيقة نسبية ، ومعنى ذلك أن كل انسان يرى الحقيقة بعين تختلف عن عيون الآخرين ، فالجمال نسبي والقبح نسبي والعدالة نسبية الى غير ذلك من الصفات والخصائص .

أما الفلاسفة فقد قالوا أن الحقيقة مطلقة ، ومعنى ذلك أن الجمال هو جمال بعين الجميع والقبح قبح بعين الجميع .

وقد قيل عن سقراط أنه كان سفسطائيا الا أن تلميذه افلاطون نسب الى أستاذه ما لم يقله ولا يعتقده لاسيما في كتابه ( الجمهورية ) فقلب ميزان المعادلة وغير مسيرة سقراط من سفسطائي الى فيلسوف .

وقد أطلق السفسطائيون على أنفسهم لقب حكماء بينما كان الفلاسفة محبي حكمة .

اتسمت السفسطة بواقعيتها بينما تميزت الفلسفة بالمثالية ، تكلمت الأولى عن مشاكل الناس الحقيقية بينما كانت الثانية تحلق من فوق برجها العاجي .

ومع ذلك جاء وقت استطاع فيه الفلاسفة توجيه ضرباتهم الى السفسطائيين ومحاولة تشويه صورتهم وطمس معالمهم حتى أصبحت السفسطة فيما بعد منبوذة ووجهت اليها اتهامات باطلة بأنها مجرد جدل عقيم ،اذ كلما تبادر الى أذهاننا كلمة سفسطة حسبناها لغوا فارغا .

نقول بعد هذه الخلاصة أن من يريد أن يتبع الحقيقة ألا يغمض عينيه عما يراه على أرض الواقع وعلى مسيرة المجتمع والتغيرات التي تطرأ عليه بين حين وآخر .

لقد بحثت السفسطة مسألة في غاية الأهمية ألا وهي مسألة الحقيقة وأنها نسبية وليست مطلقة ، ذلك أننا نحن البشر تختلف أفكارنا ويرى كل واحد منا بالعين التي هو يراها ، فما أراه عدلا تراه أنت ظلما ، وما أراه جميلا تراه أنت قبيحا ، وما أراه صوابا تراه أنت خطأ . فالحقيقة اذن نسبية ، اذ لا يتفق الناس جميعا على حكم واحد وبميزان واحد .. هكذا شاءت طبيعتهم وبيئتهم وأفكارهم ، انهم يختلفون وهذا الأختلاف هو منشأ الصراع الفكري ، وهو بعد ذلك صراع اجتماعي ما بين قوة وضعف ومد وجزر .

ان الأختلاف هو حقيقة واقعة في كل مجتمع من المجتمعات ، وهو بالتالي دلالة على حركة المجتمع اذ لا يمكن أن يبقى المجتمع ساكنا الى الآبد . ان ثمة عوامل تحركه منها لقاء الحضارات ومنها التطور التاريخي ، غير أن أهمها الحوافز والقدرات الفردية من خلال الصراع الاجتماعي الذي نعني به اختلاف الأفكار .

لقد لعبت السفسطة قديما دورها الحاسم في ارساء قواعد المجتمع ووقفت مع البسطاء من الناس ومع المظلومين ضد المترفين ، الا أن الفلاسفة لم يمهلوها لتكملة مسيرتها ونجحوا في الأجهاز عليها ، وهكذا أصبحت مثالية افلاطون ومنطق أرسطو في خدمة السلطات الجائرة في كل زمان ومكان .

ويذكر في هذا الصدد أن الكثير من مفكري المسلمين تأثروا بالفلاسفة اليونانيين لاسيما في العصر العباسي بعد بزوغ دور الترجمة ، وعلى هذا الأساس أطلق على الفارابي بالمعلم الثاني اشارة الى أرسطو باعتباره المعلم الأول . ولا يخفى أن فلاسفة المسلمين أعطوا المبررات للسلاطين بظلم الرعية والتجاوز على حقوقهم ، واعتبروا طاعة الرعية واجبة لهؤلاء السلاطين ولا يجوز عصيانهم وان ظلموا ، غير أن بعض هؤلاء المفكرين الأسلاميين كانوا دعاة اصلاح وأنصفوا الرعية في مظالمها ونددوا بالاستبداد واحتكموا الى العقل والأيمان معا كالغزالي مثلا ، لكن بعضهم الآخر ظل صامتا ساكتا عن قول الحقيقة ، خائفا أن يهدر دمه . لقد ثار من قبل سعيد بن المسيب على الحجاج وفضح مظالمه ، لهذا بذل نفسه رخيصة فمات شهيدا بيد جلاده الحجاج لا غير .

وباختصار نقول أن السفسطة نذير خطر على الحكام الجائرين ، بينما تكاد تكون الفلسفة عونا لهم على اقتراف المزيد من الفضائح . ان قول الحقيقة فيه مساس لمن أراد أن يرعوي ، ومن يريد أن يبقى في غيه متجاهلا مصالح العباد .

والأهم من ذلك كله أن قول الحقيقة يحتاج الى وقفة فيها شجاعة ، شجاعة فيها جرأة واقدام دون تردد .