
سجّل أنا عراقي – شيرزاد شيخاني
يتفاخر المصريون بوصف بلدهم بـ (أم الدنيا)، ويتباهون بحضارتهم الفرعونية. لكنهم ينسون بأن العراق هو مهد الحضارات، وأن السومرية سبقت حضارتهم الفرعونية. وإذا كان لهم أبو الهول وأهرام الجيزة، فلنا الثور المجنح وأسد بابل وزد عليهما الجنائن المعلقة. وإذ يفتخرون برسوم معابدهم القديمة، فنحن أول من أوجد الخط المسماري ودون أول لغة مكتوبة في تاريخ البشرية. وإذا تباهوا بمكتبة الإسكندرية، فنحن أصحاب بيت الحكمة التي أنارت عقول البشرية.. فيكفي العراق فخرا أنه أسس بنيان الحضارات المتعاقبة من السومرية الى الأكدية ثم الآشورية والبابلية، وصولا الى الحضارة الإسلامية التي اجتاحت بلاد العالم بفكرها وعلمها..عدا ذلك يفخر العراق بأنه صدر للمصريين فقه ومذهب الإمام الشافعي البغدادي، وولى عليهم صلاح الدين الأيوبي الذي صد غزاة الصليبيين وحمى عرضهم وأرضهم. وإذا كان للمصريين أن يفخروا بزعيمهم السياسي سعد زغلول ويتغنوا بأمجاده، فلنا أن نفخر بباني دولة العراق الملك فيصل الأول. وإذا ظهر بينهم سياسي محنك مثل مصطفى النحاس، فلنا أن نفخر بالباشا نوري السعيد داهية العرب جميعا. إذا إفتخروا بعميدهم للأدب العربي طه حسين وبعباس محمود العقاد، فلنا أن نفخر بعميد علم الإجتماع علي الوردي وببودلير العرب حسين مردان.. إن كان لهم أمير الشعراء أحمد شوقي، فلدينا شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري. إن كان لهم حافظ إبراهيم و إبراهيم ناجي، فلنا السياب وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة. إن كان لهم نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس، فلدينا عبدالرحمن مجيد الربيعي وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان ان كان لهم محمد حسنين هيكل ومصطفى أمين، فلنا حسن العلوي وزيد الحلي ومظهر عارف وسجاد الغازي. إن كان لهم محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي، فلنا عباس جميل ومحمد جواد أموري وكوكب حمزة. إن كانت لهم أم كلثوم ونجاة الصغيرة وعفاف راضي، فلنا سليمة الباشا مراد وزهور حسين وعفيفة أسكندر وسيتا هاكوبيان. إذا كان لهم يوسف بيك وهبي ونجيب الريحاني وأمين الهنيدي، فلنا حقي الشبلي ويوسف العاني وراسم الجميلي. إذا تفاخروا بنوبل أحمد زويل، فلنا أن نفخر بعبد الجبار المندائي عالم الفيزياء الحاصل على وسام مفتاح العلم وأحد طلاب ألبرت أنشتاين. إن كان عالم آثارهم زاهي حواس، فلنا العالم العلامة وعاشق الطين طه باقر. أنا كردي من كردستان، ولكني أتباهى وأتفاخر بالبلد الذي أنجب (الزهاوي والرصافي و أحمد سوسة ومصطفى جواد والأب أنستاس الكرملي وبهنام أبو الصوف ورشيد خيون وصالح أحمد العلي وعبدالرزاق الحسني وعمادالدين خليل وكوركيس عواد ومصطفى جواد وحميد مجول النعيمي ومهدي الحافظ وزها حديد، وآلاف غيرهم ممن ينتمون لأرض الرافدين التي عاش فيها آبائي وأجدادي. فأنا جزء من هذا البلد الذي” لو عزف على الناي راعي بالشمال، على الربابة يجاوبه راعي الجنوب”.. فكما تلهمني أشعار فائق بيكس وحاجي قادر ودلدار وعبدالله كوران، تبهجني قصيدة (مطر مطر) السياب و(أباريق مهشمة) لعبدالوهاب البياتي ويستفزني مظفر النواب بالريل وحمد . وكما تطربني مقامات علي مردان وأغاني ابراهيم خياط وعثمان علي ومرزية فريقي، تطربني مقامات القبانجي وناظم الغزالي، ويشدني صوت سعدون جابر وقحطان العطار وأنوار عبدالوهاب.. مازالت أصداء مناحات يوم العاشوراء تتردد على مسامعي حين كنت أمشي في شوارع أربيل وأستمع الى أعذب أصوات الروزخونية وهي تذاع بمكبرات الصوت على سكان المدينة. أتذكر سفرات والدتي وجيرانها الى النجف الأشرف لزيارة الإمام علي رابع الخلفاء الراشدين وحبيب رسول الله وصفيه. مازلت أذكر صديقي عبدالعزيز الأنباري الذي كنا نتخفى من إنضباط الباب النظامي لمعسكر التاجي الى حين نجد فرصة لإنشغاله كي نعبر سياج المعسكر ونذهب الى باب المعظم لشرب الروبا وأكل الرطب ثم نجلس هنيهات في مقهى البرلمان. مازال طعم السمك المسكوف لأبو حسان صاحب مطعم شارع أبو نؤاس عالقا بفمي، حين كنا نذهب إليه في أمسيات الصيف ويستقبلنا فرحا. مازلت أشم رائحة (العنبة) الهندية بمدخل شارع الرشيد من ناحية الميدان وأنا أمر من أمام محل الطرشي متوجها الى فندق أربيل قرب الحيدرخانة. مازلت أحن الى شربت الحاج زبالة والى قيمر أم أحمد بكراج النهضة وشاي العم عباس أبو فاضل. مازلت أحن الى مكتبات الباب الشرقي الجميلة لأبحث فيها عن آخر طبعة لديوان الجواهري وقصائد السياب. مازلت أتذكر أول مرة شاهدت فيها عجيبة الدنيا الثامنة ( الباص أبو الطابقين) في مفتتح السبعينات من القرن الماضي. مازلت أذكر وقفاتي بالقرب من محل إسطوانات الجقمجقاجي بنهاية شارع الرشيد لإستمع الى صوت القبانجي وسليمة مراد ومنولوجات عزيز علي. إن كان الماضي جزءا من حياة الإنسان، فقد أمضيت نصفه وأنا متعلق ببغداد تعلق السمج بالماي، والنحل بالزهر، والأم بوليدها. وإن كان مستقبلي هو جزء من أيامي فأنا لا أريد أن أمضيه إلا على أرض العراق.
فدعوني يا خفافيش الظلام أموت وأنا على أرض العراق؟.
اربيل























