سؤال الهوية الكردية فلسفياً – عبدالكريم يحيى الزيباري

 

سؤال الهوية الكردية فلسفياً – عبدالكريم يحيى الزيباري

 

كيف يرى الكرد أنفسهم؟ ما هو مصدر وعيهم بالهوية الفردية والجمعية؟ كيف ينظرون إلى الآخر المختلف؟ كيف ينظرون إلى الهويات المهيمنة التي عاشوا في كنفها؟ – الهويات المهيمنة على الهوية الكردية، سابقاً وحالياً العربية والفارسية والتركية، حالياً وبدرجات متفاوتة ومتداخلة: الهوية الأمريكية والغربية-.

لا يمكن لأيِّ مشروع سياسي أو إصلاحي أو فكري أو تنويري أو نهضوي، أنْ يتجاهل أسئلة الهوية وإشكالياتها، فالذكاء والسلوك البشريين المرتبطين بمدخلات الزمان والمكان، يعتبران جزءاً من الهوية، التي بات من الضرورة الحتمية إعادة مناقشتها باستمرار على جميع المستويات، الفردي والجماعي، النخبوي والشعبي، الثقافي والسياسي، سواء في انفتاحها على التشكيك المستمر وانعدام الثقة بالنفس المؤدي إلى الاستلاب الثقافي، أو انغلاقها بسبب اعتمادها الثقافي والسياسي والاقتصادي على هويات مهيمنة.

أول مبدأ من مبادئ أرسطو، هو مبدأ الهوية (أ = أ)، وقد ظلَّ كما هو إلى أنْ أجرى هايدغر تعديلاً بأنَّ صيغة (أ هو أ) أقرب إلى المنطق، لأنَّ صيغة المساواة تكون بين شيئين مختلفين، ومن غير المسوَّغ قولنا مساواة الشيء مع نفسهِ. كلُّ إنسانٍ هو نفسه، مطابقُ لذاتهِ، ولا يمكن أنْ يكون إنساناً آخر.

كلُّ شعبٍ أو مجتمع كذلك. لو قلنا أنَّ الدولار الأمريكي الواحد يساوي ألف دينار عراقي، لا يمكن أنْ نقول الدولار الأمريكي هو ألف دينار عراقي، يساويه وليس هو. لا يمكن للكردي أنْ يكون أو يساوي العربي أو الفارسي أو التركي أو الأمريكي، كما حاول البعض زمن صدام، وكتبوا طلبات تصحيح القومية طمعاً في قطعة الأرض أو منصبٍ أو هدية، ثمَّ عاد بعض مصححي القومية وانقلبوا كرداً متعصبين للقومية الكردية، ولا يتعصَّبُ إلا جاهل، ليغذي جهل الجهلة في الجهة المقابلة للهوية الأخرى المختلفة.

مبدأ الهوية هو الفكر والكينونة، من خلال علاقة الإنسان بذاتهِ، بكينونة وجوده، حسب قاعدة بارمنيدس التي (أكَّدت أنَّ للفكر والكينونة مكاناً ضمن “الهو” حيث يرتبط أحدهما بالآخر من خلال هذا “الهو”) . بارمنيدس في يونان القرن الخامس قبل الميلاد، ربطَ كينونة الإنسان بطريقة تفكيره، لتتشكل هويته استناداً إلى هذا التفكير، فإذا كان تفكيره أسطورياً يرفض الواقع والمنطق ويجهل العلم، سيتعرَّض للحجر كفرد، أو للاحتلال والاستغلال كشعب أو لمغريات تصحيح القومية، هل كان تفكير الشعب الكردي أسطورياً؟

تتغير أشكال التفكير حسب تعامل الذات مع حقائق الواقع، سواء بالقبول أو الرفض أو التجاهل العفوي أو العَمْدي، وتتغير الهوية تَبعاً لهذا التغير. الكوجيتو  الفوكوي المعاصر -في ميادينه الثلاثة- يرجع إلى الجينالوجيا (هناك ثلاثة ميادين ممكنة من النسابيات- الجينالوجيات-:

أولاً انطولوجيا تاريخية لذواتنا في علاقتنا مع الحقيقة، تتيح لنا أنْ نكوِّنَ أنفسنا كخالقي معرفة.

نطولوجيا تاريخية لذواتنا في علاقاتنا بميدان سلطوي حيث نكوِّن أنفسنا كذوات نؤثِّر في الآخرين.

انطولوجيا تاريخية لذواتنا مع الأخلاق تتيح لنا أنْ نكوِّن أنفسنا كذوات أخلاقية) . ونحن الذين عجزنا عن إعادة إنتاج انفسنا كذوات معرفية او مؤثرة في الاخرين او اخلاقية بحاجة إلى هذا الكوجيتو لكشف تقنيات الذات مقابل السلطة:

أنا أبحث عن الحقيقة، أنا أنتجُ المعرفة.

هذا الإنتاج فعل تواصلي.

أنا متعالق مع سلطة، أنا أملك سلطة.

ممارسة السلطة فعل تواصلي.

أنا متعالق مع الأخلاق بمقايضة الفعل مع العقل،

ممارسة الأخلاق فعل تواصلي.

ربما افتقدت الهوية الكردية، في مراحل نموها، إلى بعض جوانب الفعل التواصلي!

****

هايدغر، الفلسفة والهوية والذات، ترجمة د. محمد مزيان، منشورات ضِفاف، الجزائر، 2015 ص31.

الكوجيتو مصطلح ديكارت: أنا أفكر أنا موجود.

أوبير دريفوس وبول رابينوف- ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية- ترجمة جورج أبي صالح- مركز الإنماء القومي- ص208- 209.