زمان جديد ـ جدّل الطائفية ـ حسام كصاي
هناك جدلاً دائراً حول الأصول الحقيقية لمسألة الطائفية, وابعادها وتجلياتها كافة فمنهم من يعيدها الى أصل الدين ويرى بأنه هو سبب كافٍ لتنامي ثمرة الطائفية في حقل حياة المجتمع, .. ويرون إن النظرية الطائفية ما قامت لولا وجود او تدخل الدين في الحياة العامة, .. وهناك من ييعيدها الى السياسية ويعرج على ان السياسة هي السبب الرئيس لقيام الطائفية, الذي اخذ منحنى تدريجي في مفاصل المجتمع, .. ومازال السجال حول هذا المفهوم مفتوحاً في خضم تنامي دور الطائفية بشكل جلي, _ كالعدوى التي تصيب جسد المجتمعات العربية تحديداً _ بعد زخم التمغيرات الدولية بدءاً من وصول نظام الملالي في ايران عبر ولاية الفقيه مروراً بالغزو السوفيتي لأفغانستان الى احتلال بغداد, .. وانتهاءاً بقيام ثورات الربيع العربي التي تحولت فيما بعد الى ثورات ربيع إسلامي اصولي راديكالي متشدد, كلها عوامل عززت جبهة الطائفية ودافعت عن نموذجها ونظامها السياسي في المنطقة العربية عن طريق ظاهرة الإسلام السياسي .
لكن رغم بروز ذلك الإسلام بفقه النظرية السياسية _ لا الدينية _ يبقى القول الأشد نجاعة بأن الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وأنها تشكل سوقا موازية، أي سوداء للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة, ولا علاقة لها في الواقع بتعدد الطوائف أو الديانات، إذ من الممكن تماما أن يكون المجتمع متعدد الطوائف الدينية أو الأثنية من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو سيطرة الطائفية على الحياة السياسية، .. وبالتالي يتم تقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون الذي تمثله, وبالوقت ذاته نحن لا نبرئ ساحة الدين من تهمة الطائفية لكننا لا نتهم الدين ذاته بما هو الإسلام الحقيقي والرسّولي المبكر, وبما هو روح التسامح والأخوة والاعتدال, بل نتهم ذلك الدين الذي يكفر هذا ويخون ذاك, ويفتري على الناس ويُلبس المُدنس ثوب المقدس, ويتحايل عليه ليجعل منه وسيلة لا غاية, فنحاول هنا ان نفكك تلك الجزيئيات عن طريق نسبية الأمور لا بتعميمها أو اطلاقها, وهي مشكلة كبيرة بالنسبة للعقل العربي الذي ينظر الى الحياة بعين القرون الوسطى, برفضة للحداثة التي لا تتحايل او تتجاوز على قيم الدين ورمزيته في نفوس ومشاعر المجتمع, .. وبهذا فهم يعممون الامور دوما, لا بنسبية, وينظرون الى الدين من باب انه وسيلة وليس غاية
وبالعودة الى المجتمع المحلي الوطني العراقي _ بما هو جزء من منظومة المجتمع العربي _ الذي تمزق طائفياً عرقياً ومذهبياً بين جذوة الدين وجذوة السياسة, فالمقدس والديني تحول الى وسيلة يُستقل للوصول الى غاية ت دنيئة ألا وهي غاية الحكم والسلطة والنفوذ والمال, اي ركب موجة الدين لابتغاء السياسة, وحينئذ تحولت الشعائر الدينية والطقوس والتقاليد الى ساحة يتصارع وينبري فيها السياسيون للبروز بمظهر المُرّيد والمَحسّوب, بهيبة رجل الدين الوقور والذليل, الذي يلعب دوراً مؤثراً على العقلية المحلية» القبلية»الطائفية.. بل وأكثر تحولت الشعائر الدينية الى ساحة اعلامية يظهر فيه الساسة والمتسلطون على انهم حماة الطائفة والمدافعين عن كرامتها, من اجل البقاء في الحكومة دورة برلمانية جديدة _ بالنسبة للبرلمانيين الحاليين _ او الوصول للحكم _ بالنسبة للمرشحين الجدد _ فلم يعد الإيمان محله القلب بل اصبح محل الإيمان هو المظهر والشكل والواجهة وهذا هو مأزق الدين ومازق الإسلام ومازق العرب اليوم, .. فالطائفية أصبحت مُقّدسة في مجتمعنا اليوم, من ينتقدها كأنما يسب العنب الأسود فيُرجم ويُقتل ويستباح دمه, ويُكفر ويُخرج من الملة, وتحولت خطب الجمعة في كلا المراجع الى منبر لأثارة النعرات الطائفية ومنصة لأطلاق التهم إزاء الأخر, الكل يتشدق بطائفيته إزاء الكل, مرابحة ومتاجرة علنية, بل اصبحت الطائفية المزاد الذي يساوم به الدين والإيمان بصورة علنية مفتوحة بأقل الكلف والعطاءات
فالقول الحق ان الطائفية عندنا ليس صنع في العراق بل هي made in foraigen) اي هي صنع في الخارج العراقي والعربي بصورة ادق هي _ صناعة جوارية واقليمية ودولية وعالمية _ بدليل إن غالبية العراق الدينية السكانية هو الإسلام بغض النظر عن عصبياته ومذاهبة الثانوية, وغالبية السكان العرقية هي العرب مع احترام حقوق الأكراد والتركمان وغيرهم, رغم إننا لا نؤمن بأن الخارج لا يمكنه زعزعه الداخل لولا وجود من يهيأ له الأرضية والمناخ الكافي ليتحكم بمصير الأمة او الشعب, لكن هذا الداخل يجب ألا يُحسب على طائفة فطائفة الطائفي والمذهبي والمتعصب والمتطرف هي الإرهاب والقتل والإجرام, وليس السُنة والشّيعة إلا طائفتين تعايشتا في رحاب الإسلام واختلفتا لأجل ضخ الدماء الجديدة في شريان هذا الدين ليبقى حي موصول الى الأجيال القادمة حتى يأذن الله بأمره.
أذن فالطائفية ليست ناجمة من قوة الإيمان بل هي ناتجة عن ضعف الإيمان, والسياسية لا صلة لها بالأخلاق والإيمان, .. والدين هو الخلق القويم والإيمان العظيم, .. ومن هنا تكون السياسة هي سبب الطائفية في العراق, لكن السبب الأخطر هو تمازج الدين بالسياسة الذي انتج لنا طائفية مُقدّسة لا يجوز نقدها او تعريتها او تفكيك خطابها او وضعها على المحك بالوقت الذي يتطلب منا كمواطنيين ان نلجم تلك الطائفية ونئد فكرها العبثي لنؤسس دولة مواطنة حقيقية يتساوى فيها الأسود والأبيض على حدٍ سواء, .. فالعراق وطن الجميع, وليس وطن الطائفة او الفرقة الناجية او الفئة الضآلة بل هو وطن السواسية بين الناس, لا يمكن ان يُجر لحزب او طائفة.
اذن فالخلاف الطائفي في النهاية هو خلاف سياسي لا ديني .. وقد يكون خلاف سياسي مرتبط بالدين, لأن جذر الطائفية, وأس مشكلة الصراع السني _ الشيعي هي السلطة والحكم وليس عمر وعلي, كما هي ليس القرآن والإسلام.
وان الطائفة والمذهب ليسا مشكلة تواجهه المجتمع إلا إذا اُريد لهما ان تكون مشكلة, وهو ما حصل لها فعلاً بعراق ما بعد الاحتلال الأمريكي مطلع العام 2003, ونحن هنا في نقدنا للطائفية وتفكيك خطابها لا نريد إلغاء دورها ومكانتها بقدر ما نريد منها ان تكون حصنا منيعا ضد التدخل في شؤونا الداخلية, .. وان تكن الخميرة التي تصنع هُوية وطنية يتمثل إليها الجميع, .. وان تكون الطائفة حمامة سلام وغصن زيتون للطائفة الأخرى كي يعيش السلم الأهلي والتعايش وبناء اللحمة الوطنية بين الجميع.
فليس المطلوب أن يتحرر المجتمع المدني من عصبياته أو تضامناته الطبيعية المتعددة، الدينية أو المذهبية أو الأثنية التي تعكس واقع الحال، خاصة في مجتمعات تقليدية، أو خارجة حديثا من التقاليد، وإنما أن تتحرر النخبة السياسية من تماهياتها الجزئية لتتمكن من تجسيد مثال الوطنية وأن تحرر معها الدولة ومؤسساتها من احتمال ارتهانها للعصبيات الخاصة، حتى تتحول بفضل سياساتها الوطنية إلى دولة أمة، أي دولة مواطنيها, وليس دولة احزاب او جماعات متشددة.
AZP20























