رعـد فاضل شاعر الإشكاليّات والقـلق

رعـد فاضل شاعر الإشكاليّات والقـلق
حراك سرابي بين مديات القصيدة
بيداء حكمت
التّواصل مع العالم في زمن مربك ومُحيّر ومجهول يدفعنا دائماً إلى الرّصد والبحث والكشف عن أسرار هذا الزمن. وذلك يقودنا إلى التأمّل والتفكير لاستكشاف عوالم وفتح مغاليق وتأسيس نظرية أو تجربة جديدة ومختلفة تجاه هذا العالم، فكانت الحداثة التي قادت العالم إلى رحلات استكشافية للبحث والتّخطي والتجاوز، وإلى تأسيس جديد قائم على الاختلاف ليشهد تحوّلاتٍ إبداعية ًوجماليّة بركانيّة النّزعة على جميع الصّعد، فطالت الحداثة الجسد الشعريّ قلباً وقالباً في الشكل وارتياد آفاق جمالية جديدة، وفي توظيفٍ للتاريخ والأسطورة والرّمز والتراث، توظيفاً جديداً، وفتح الأجناس الأدبية على بعضها، فاستوعبت قصيدة النثر هذا البناء الشعريّ الجديد كلّه. هذا في رأيي كان ولا يزال حاضرَ الكتابة الشعريّة ومستقبلَها، وهذا ما سعى ويسعى إليه الشاعر رعـد فاضل عبر تجربته الثّرة المُميزة في قصيدة النثر ، وذلك ما يتكشّف عن رؤية واضحة لعمق هذه التجربة، مؤسِّساً عالمه الشعريّ شكلاً ورؤى ومناخاً، راسماً الملامح المستقبلية لقصيدة النثر بعامة، ولقصيدته بخاصة.
العوم مع منجز الشاعر رعـد فاضل وحده لا يكفي ذلك أنك تظلّ بحاجة إلى الغوص في أعماق نصّه الشعريّ. وأنت تغوص ستكتشف وتفكّك وتعيد وتبني عمارته الشّعرية من جديد مرّات عديدة، وكأنك كاتب وبانٍ آخر للنّص، فضلاً على ما يتفتّح أمامك من آفاق دلالية جديدة وعميقة، ابتداءً من المفردة المتجاوزة لقاموسها المتداول عبر قاموس شعريّ شخصيّ إلى حدّ بعيد، بلغة مركّزة مشذّبة مُمعنة في الإيحاء والتوليد، وضاجّة بالدّلالة، حتى المعنى بمجمله العام. رعـد فاضل يجتهد في صنع، أو اجتراح لغة داخل اللغة الشّعرية نفسها، وذلك ما يعدّه الناقد د. محمد صابر عبيد، من مزايا لغة القصيدة الرائية التي يتميّز رعد فاضل في كتابتها لغة خادعة ومتموّجة ذات حراك سرابيّ شفّاف غير واضح 1 .
بعد الغوص يأخذنا الشاعر ليحلّق بنا في فضاء مخيّلة مُتفلسِفة، وهنا تكمن واحدة من أهمّ مزايا منجزه الشعريّ، أعني فلسفة رؤيته الشخصيّة للأشياء والعالم، لا كما يراها الآخرون من خلال راهنيّتها، بل كما يراها هو نفسه عبر ما ستكون عليه، لا وفقاً لِما هي عليه .
قارئ خاصّ
يتراءى لي أنّ الشاعر رعـد فاضل حين يكتب نصّه الشعريّ هنالك قارئ خاصّ مفترض في مخيلته، يدفعه دائماً إلى افتراض هذا القارئ بالمستوى الفكريّ والمعرفيّ الذي يتمتّع الشاعر به، فيكون بذلك مفتاحاً أو عتبة للدخول إلى فضاء نصّه الشعريّ، وخاصة نصوصه الطويلة.
نراه في أغلب نصوصه يميل بقوّة إلى طرح أسئلة تشعّ فكراً وفلسفة و جنوناً مُلطَّفاً كما يعبّر هو نفسه، أسئلة حتى أجوبتها تظلّ، في معظمها، قابلة ًللتساؤل والتأويل. تلك الأسئلة التي يطرحها بإيحائية وإشاريّة عاليتين، فهو لا يشرح ولا يفسّر ولا يُسمّي
الإستفهام افتراض وتعليقٌ. ذلك أنّه لا يزالُ نوعاً من الأملِ أملٍ ما. الإستفهام بالنسبة إليّ نوعٌ من السّلطة المُتجدِّدة، نوعٌ من أنّي لا أزالُ مُخيَّراً 2 . يقول ملارميه تسمية الأشياء تُذهِب ثلث أرباع متعة النّص .
رعـد فاضل يلحّ على قارئه بأن يشاركه التفكير بعمق في كلّ ما يطرحه بأسلوب في منتهى السريَّة والإلغاز، فهو لا يحبّ أن يضع نصه الشعريّ على مائدة جاهزة، بل يعدّها هو وقارئه الخلاّق .. فالقارئ بعبارة أخرى خلاّق آخر.. 3 ، وبعامّة لا يزال قارئ رعد فاضل متأخّراً عن التفاعل، تفاعلاً خلاّقاً، مع شعره.
الاختلاف
رعـد فاضل شاعر متفرّد وضع على حركة الشعر العراقيّ بصمته الشخصيّة، يغذّيها دائماً بالتّميز والاختلاف والبحث الدؤوب عن آفاق جماليّة وإنسانية جديدة مدعّمة برؤيا تنظيرية ونقدية وهذه ميزة أخرى تضاف إلى ميزاته الشعرية والفكرية، من هنا هو يرفض تأطير نصّه الشعري، مطلاً من شرفته على بحار من الرؤيا والتأمّل، فجاءت نصوصه زاخرة بهذه الآفاق الواسعة والرّؤى المتنوّعة، فعمّق فكرة الإرتقاء بالذّائقة من خلال تكثيفه للصورة الشعريّة والعناية بها إلى أبعد الحدود، تلك العناية التي تفتقر إليها أغلب نصوص غيره، ويعدّ هذا العنصر من أشدّ عناصر النص الشعريّ تعبيراً عن الرؤيا الشعريّة..، لأنّ الشّعر صياغة وضربٌ من النّسج، وجنسٌ من التّصوير 4 .
الصورة الشعرية المكثفة عند رعد فاضل بعلاقاتها الدّلالية المترابطة بجسور خفيّة تبدو للقارئ، لأول وهلة أو قراءة، وكأنّ أجزاء النصّ مبعثرة، لتمتّع هذا النّص بنوع من التّشظّي المقصود الذي يسهم بتوسيع دلالات النصّ وتعميقها، مما يبعث على الدّهشة والإثارة وتأجيج اللذّة في أعماق القارئ النصّ نظام من العلاقات المتشابكة تفضي كلّها إلى إرباك المُسلَّمات التلقائيّة فيها بين المقروء والقارئ 5 ، وأرى أنّ افتقار النص الشعريّ إلى هذا العنصر يصيبه بالانكشاف والسّطحية والابتذال.
من خلال علاقتي المتواصلة مع الشاعر بحكم العمل الوظيفيّ والصّداقة النبيلة، أجده يعيش كلّه في حالة من القلق والحيرة والتّجلي حين ينشغل بكتابة عمل شعريّ جديد، أو يفكّر فيه، فهو يبحث ويتقصّى ويحفر ويُنقِّب عن مناخ آخر يختلف عن مناخ العمل الشعريّ الذي سبقه، يلائم روحه وقلقه الشعريين والفكريين، قبل هذا الاشتغال وأثناءه، كي يضع لمسات جديدة أخرى على حركته الشعرية، إذ إنّ رعـداً يرفض وضع نصّ فوق نصّ، فهو يؤمن إيماناً كبيراً بالرأي البارتيّ نصّ فوق نصّ لا يضيء شيئاً البتّة 6 .
وبوصفنا شعراء ودارسين بخاصة، ومتذوّقين بعامة للشعر، حين نقرأ منجز رعـد فاضل نجدنا في كلّ كتاب شعريّ جديد له أمام تجربة أخرى متفرّدة، وأمام أفق آخر أكثر تفرّداً. النص الشعريّ الخالد لا يسير بخطّ واحد، ولا يتحرّك ضمن فضاء واحد، فتقدّمنا معه عبر الدّهاء حتى وقوعنا في شبكة المحنة وضعنا أمام تساؤلات ورموز ما إنّ نفكّ رموزها ونقترح لها أجوبة فإذا بنا أمام دوّامة أخرى من التساؤلات والرموز تبدو كفلك يدور بنا ومن حولنا. رعـد فاضل شاعر ماهر وبارع في تفعيل طاقة المخيّلة لخلق فضاءات أرحب للتعبير عن عمق تجربته، فهو دائماً يبتكر ويتجاوز ويتخطّى نحو التّنوع والاختلاف كلّ ما هو مكتوب لن يصبح عملاً أدبياً إلاّ حين يَسعهُ أن يتنوّع 7 .
الفكر والرؤيا
كأنّ الغموض اتّهام يوجّه إلى نصوص رعـد فاضل . ترى ما الغموض المقصود هنا؟. أهو يكمن في إشكالية فهم النص على مستوى طبيعة الفكر والرؤيا، أم في البناء المغاير الجديد للعبارة الشعريّة، أم في استخدامه للغة مُلغَّمة من خلال أسلوب مغاير لا ينتج إلاّ علاقات خفيّة؟. وأسأل أيضاً هل البحث والتّقصي والتنقيب والاستكشاف والاستشراف غموض بهذا المعنى؟. رعـد فاضل يخلق نوعاً من الإرباك والدهشة والإثارة والقلق لدى قارئه، وهذا ما يسمّى غموضاً على ما يبدو . ردّاً على ذلك أقول ما كان الشعر يوماً أداة توصيل ساذجة لبثّ طاقات وجدانيّة تعبيرية بطريقة صريحة. الشعر الذي يخلو من الفاعليّة والإثارة والحيرة والإلغاز والدّهشة لا مصير له إلاّ الزّوال. أنا مع النّص الصعب على الفهم، ولكن غير العصيّ على الفهم، وهذا ما يمكن أن يُسمّى بالغموض الشّفاف المُيسَّر نصّ يثير قارئه، يربكه، يؤرّقه، ويُلزمه بقراءة عميقة أتساءل؛ لماذا يُتَساءل دائماً حول الكتابة والكاتب، ولا يُتساءل حول القراءة ؟ 8 ، وأيضاً القراءة العميقة للقصيدة هي قصيدة ثانية 9 . الشعر له حمولته المعرفيّة ثقافة وفلسفة ًعبر كل مرحلة مرّ بها، وعبر كلّ تجربة، وإزاء كلّ نظرية طالته، حتى صار هذا الذي هو عليه، ولتضع علامة فارقة على هذه الحمولة عليك أن ترتقي إلى مستوى حسّاسيتها العالية. رعـد فاضل يتمتع بحسّاسية حادّة إزاء كلّ أفق جماليّ جديد على صعيدي الشكل والمضمون، حتى صار له كيان شعري خاصّ به، يصعب أحياناً أن يتعامل معه قارئ دون عدّة ثقافيّة قريبة من مستوى هذا الكيان فإذا كان ثمّة شكوى قرائيّة من صعوبة التناول في القصيدة الرائيّة بوصفها قصيدة إشكالية..، فإنّ الأمر يعود إلى طبيعة مستوى حسّاسية الدّوال المكوّنة والمُسهِمة في إرساء دعائم التجربة في النصّ على مستوى أسلوبيّة البناء والتشكيل والرؤيا والرؤية، وكذلك على مستوى العلاقة التنوعيّة مع منطقة القراءة والتّلقّي 10 . باختصار رعد فاضل وفقاً للتعبير النّيتشويّ، تجربة خَرْق واختراق.
التعامل مع التراث اتخذ أشكالاً وأنماطاً مختلفة في النتاجات الأدبية المعاصرة وكأنه اكتشاف آخر له مدلولاته ورموزه وحركاته..، لا بوصفه ذاكـرة كما هو شائع خطأً.
من الشعـراء الذين تفاعلوا مع التراث بوصفه حراكاً إبداعياً لا وديعة أو عهدة… 11 . أضفى بشعره على التّراث دلالات تعبيرية نابعة من إحساسه الداخليّ بقيمة هذا الحراك، وتحويلها إلى طريقة تعبير جديدة ليثبت، على ما يبدو، حيويّة التراث، فهضمه له هضم المُتفاعل المتجاوز، لأنّ منطق التراث عند رعـد فاضل هو منطق الحياة نفسها التراث ليحيا لا بدّ أن يظلّ كنز َمعرفة، قابلاً دائماً للاكتشاف والتّواصل 12 ، فاشتغل في معظم نصوصه على شخصيات تراثية متحرّكة رسخ عبرها مفهوم الحداثة العربية وتجذيريها كالجرجانيّ والقرطاجنيّ والتوحيدي، والحلاج، وامرئ القيس، وأبي تمّام….، كما عكس المكان لا بوصفه مكاناً جغرافيّاً، وإنما بوصفه مكاناً شعرياً بيئة ً وطفولة وتاريخَ مدينة ووطن؛ كالفيصلية، وشارع الرشيد، والبتّاوين، وساحة الميدان، وساعة القشلة….، فضلاً على عنايته الخاصة بتراث العراق القديم، إذ إنّ جلّ نصوصه السرديّة الطويلة تركّزت في العديد من مشاهد الحضارات السومريّة والآشورية والبابليّة.
/6/2012 Issue 4236 – Date 27 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4236 التاريخ 27»6»2012
AZP09