دور النخب العسكرية في العراق
عماد علو
مدخل
شكلت النخب العسكرية الجماعة الاستراتيجية الأولى فى العراق منذ ظهور الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 . حيث أصبح الجيش مكوناً اساسيا” فى بناء السلطة وفى بناء المجتمع فى آن واحد. ولقد ذهب إيفرز إلى أن السبق الزمنى للجماعة الستراتيجية يؤدى إلى أن تحتل هذه الجماعة مكانة أكبر من الجماعة التى يتأخر ظهورها الزمني (أحمد زايد ، النخب الاجتماعية ، الناشر مركز البحوث العربية والإفريقية ، القاهرة: 2005 ، ص35) . لذلك فان تطور ونمو المؤسسة العسكرية العراقية تزامن بل وتناظر مع نمو وتطور مؤسسات الدولة العراقية الفتية الامر الذي جعلها العمود الفقري للدولة العراقية بمختلف مراحل تطورها حتى أصبحت مؤسسة كبيرة واسعة وشاملة ، جمعت و وحدت تحت لوائها كل العراقيين بمختلف قومياتهم ومذاهبهم من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب فكانت بحق رمزا لوحدة الدولة العراقية ووحدة شعبها. ولذلك فان المؤسسة العسكرية العراقية كانت دائما” في موقع التأثير والتأثر بالأحداث السياسية الداخلية والاقليمية والدولية وكان لها دور فاعل في مختلف المراحل التي شهدها العراق ، وهو ما سنحاول تسليط الضوء عليه .
النخب العسكرية العراقية
احتلت النخبة العسكرية العراقية ، مكانة مركزية في العراق ، منذ أن قررت بريطانيا اثر ثورة العشرين الخالدة في (30/6/1920) ، تشكيل حكومة عراقية وتنصيب فيصل ابن الحسين ملكاً على العراق وإقامة ما سمي بالحكم الوطني ، مستعينة بمجموعة من النخب العسكرية العراقية (ينظر ، جعفر عباس حميدي (د.) ، التطورات السياسية في العراق 1941- 1953، النجف الأشرف، مطبعة النعمان، 1975 ، ص 286 ــ 287) الذين خدموا في الجيش العثماني وتلقوا تعليمهم ومعارفهم في ارقى المؤسسات الدراسية والتدريبية العثمانية والغربية ، وكان لهم دور بارز في الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين التي قادها الشريف علي بن الحسين! وكان عددهم 62 ضابطاً وكان في مقدمتهم نوري السعيد ، وجميل المدفعي ، و علي جودت الأيوبي، وياسين الهاشمي ،محمد أمين زكي ، وأمين العمري ، وجعفر العسكري ، بكر صدقي ، ورشيد عالي الكيلاني ، وعبد المحسن السعدون ، وعلي خالد حجازي ، وتوفيق السويدي وشاكر الوادي، ومصطفى العمري ،الذين تداولوا على السلطة طيلة الحكم الملكي. من هنا شكلت النخب العسكرية الجماعة الاستراتيجية الأولى فى العراق منذ ظهور الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 . حيث أصبح الجيش مكوناً اساسيا” فى بناء السلطة وفى بناء المجتمع فى آن واحد . ولقد ذهب إيفرز إلى أن السبق الزمنى للجماعة الاستراتيجية يؤدى إلى أن تحتل هذه الجماعة مكانة أكبر من الجماعة التى يتأخر ظهورها الزمنى(أحمد زايد، الدولة فى العالم الثالث: الرؤية السوسيولوجية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1986). لذلك يمكننا القول أن تطور ونمو المؤسسة العسكرية العراقية مع نمو وتطور مؤسسات الدولة العراقية الفتية جعلها العمود الفقري للدولة العراقية بمختلف مراحل تطورها حتى أصبحت مؤسسة كبيرة واسعة وشاملة لمختلف الصنوف والخدمات والاختصاصات العلمية والفنية والقانونية والطبية وخبرة تدريبية و قتالية كبيرة ، جمعت و وحدت تحت لوائها كل العراقيين بمختلف قومياتهم ومذاهبهم من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب فكانت بحق رمزا لوحدة الدولة العراقية ووحدة شعبها حيث قاتل العراقيون بمختلف مكوناتهم العرقية والدينية والمذهبية ، في صفوف الجيش العراقي دفاعا” عن العراق ومن أجل أمنه وعزته واستقراره .
دخول الجيش العراقي عالم السياسة.
حضي الجيش العراقي باهتمام من لدن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيسه في العام 1921 باعتباره الذراع الضاربة للمؤسسة الحكومية العراقية ورمز قوتها وهيبتها ، بالإضافة الى الخلفية العسكرية لقادة العراق ورموز حكومته الفتية ، فكان سرعان ما وجدت المؤسسة العسكرية العراقية الفتية نفسها معنية بشكل مباشر بعكس وتنفيذ سياسات الحكومة العراقية لجهة فرض نفسها و سلطتها في الداخل العراقي خصوصا” بعد أن استخدمت الحكومات العراقية (المدنية) الجيش العراقي في مواجهة الاضطرابات وحركات التمرد التي كانت تندلع في مختلف مناطق العراق من جنوبه الى شماله ومن شرقه الى غربه ، لذلك وجدت النخبة العسكرية العراقية نفسها في وقت مبكر في خضم الحياة السياسية خلال السنوات (1936 ــ 1941) ، بعد ان استخدم الجيش لاول مرة كسلاح سياسي في أحداث الاثوريين في سميل ، بقيادة بكر صدقي 1933 ثم في المراحل اللاحقة كان للجيش العراقي بالإضافة الى قوات الاحتلال البريطاني دور في قمع ثورات العشائر في الفرات الأوسط وثورة الأكراد في كردستان ،والأيزيدية في سنجار(سعاد خيري ، من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة ، بغداد ، مطبعة الأديب ، 1974 ، ص 201) . ومع تنامي سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق قبل عام 1958 ، فأن المشاعر القوية التي كانت تجيش في أعماق الناس كانت تجيش أيضاً في أعماق الجيش ، لذلك فقد مال العسكريون الى ان يعكسوا هموم المجتمع وتطلعاته، ومن ذلك المنطلق نجد ان اعضاء النخبة العسكرية هم اكثر فئات المجتمع التساقاً وتعاطفاً مع هموم المجتمع في تطلعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية(عزيز الحاج ، مع الأعوام، صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق بين (1958 ــ 1969)، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1981 ، ص 35 ؛الثورة (صحيفة)، بغداد ، العدد 65 ، 8 / 1 / 1959 ) .
كما برز الدور السياسي للنخب العسكرية العراقية اثر حركة رشيد عالي الكيلاني 1941 الذي استعان بالعقداء الأربعة قادة الجيش وهم كل من صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ، وكامل شبيب، ومحمود سلمان ، حيث جرى إقصاء الوصي عبد الإله وتعيين الشريف شرف بدلاً عنه وتشكيل حكومة برئاسة رشيد عالي الكيلاني ، التي اعلنت الحرب على بريطانيا وطالبتها بالخروج من العراق.
الانقلابات العسكرية
وكان لتصاعد ونمو قدرات المؤسسة العسكرية العراقية دور كبير في تشجيع العديد من قادته للبحث عن موقعاً متقدما” في مراكز الحكم في البلاد ، وكان باكورة تلك النشاطات الانقلاب الذي قاده الفريق بكر صدقي في 27 تشرين الأول 1936 بالاتفاق مع الإصلاحيين الذين كان على رأسهم حكمت سليمان الذي تولى رئاسة الوزارة بعد نجاح الانقلاب وإسقاط حكومة ياسين الهاشمي ، وتشكيل الوزارة بأغلبية من الإصلاحيين. الأمر الذي اثار مخاوف بريطانيا من تحول الجيش وقدراته لمقارعة النفوذ والهيمنة البريطانية على مقدرات العراق ، فكان أن دبرت المخابرات البريطانية عملية لاغتيال ابرز النخب العسكرية العراقية الفريق بكر صدقي في الموصل وتحريك بعض قطعات الجيش في الموصل وبغداد لإجبار حكومة الاصلاحيين برئاسة حكمت سليمان على الاستقالة.
ومن الجدير بالذكر أن للتغيرات السياسية في عموم الوطن العربي والمنطقة بالإضافة الى الوضع الدولي آنذاك ، كان لها أثرها في تحفيز عدد من ضباط الجيش العراقي للسعي إلى إسقاط النظام الملكي بالاتفاق مع عدد من التنظيمات الحزبية العراقية ، واستطاعت تلك المنظمات أن توحد جهودها في اللجنة العليا للضباط الأحرار بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم والقيام بانقلاب 14 تموز 1958 الذي أسقط النظام الملكي(علي ناصر علوان الوائلي ، عبد السلام عارف ودوره السياسي والعسكري حتى عام 1966 ، رسالة ماجستير (غير منشورة) ، المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية، الجامعة المستنصرية، 2005، ص33؛ وزارة الدفاع، محاكمات المحكمة العسكرية العليا الخاصة، ج5 ، ص379) ، وأعلن الجمهورية بالتعاون والتنسيق مع جبهة الاتحاد الوطني وأنهت الوجود البريطاني في العراق .
وقد شهد نهاية الحكم الملكي في 14 تموز 1958 تبوء النخب العسكرية العراقية مقاليد السلطة وصناعة القرار الفعلية وبذلك اضحت هذه النخب هي الجماعة الستراتيجية الرئيسية ورمزا” لقوة السلطة وهيبتها في الدولة العراقية حتى أن بقية النخب السياسية والاقتصادية كانت تسعى الى الصاق نفسها بالمؤسسة العسكرية ومنح رموزها الرتب والشارات العسكرية وارتداء الملابس العسكرية للايحاء بانتمائهم الى النخبة الاستراتيجية الاساسية وهي النخبة العسكرية . الا أن الصراع بين النخب العسكرية والنخب السياسية من اركان جبهة الاتحاد الوطني انعكس سلبا” على تماسك المؤسسة العسكرية وهيمنتها على مقاليد الامور في البلاد ، التي شهدت عدد من الانقلابات العسكرية عكست مستويات الصراع بين النخب السياسية والعسكرية على مراكز القوة والسلطة في البلد .
ومن ابرز هذه الانقلابات والصراعات هو ما تمثل بالصراع على السلطة بين عبد الكريم قاسم و عبد السلام عارف الشخص الثاني في قيادة الانقلاب ، ثم كانت محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل(محمود الدرة ، ثورة الموصل القومية 1959 . فصل في تاريخ العراق المعاصر ، بغداد ، مكتبة اليقظة العربية ، 1987) ، ثم انقلاب 8 شباط 1963 واعدام الزعيم عبد الكريم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف مكانه الا أن الاخير سرعان ما قاد انقلابا” آخر في 13 تشرين الثاني 1963ضد حلفائه البعثيين الذين أتوا به على قمة السلطة . وبعد مقتل عبد السلام عارف في حادث سقوط طائرة جنوب العراق، تولى أخوه عبد الرحمن عارف السلطة بدعم وإسناد من الجناح العسكري المهيمن على السلطة في البلاد من أتباع عبد السلام عارف . وقد تخللت فترة حكم عبد الرحمن عارف بالضعف عدة محاولات انقلابية عسكرية كان ابرزها محاولة أحد العسكريين وهو عارف عبد الرزاق الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء ولكنها باءت بالفشل ايضا”.
وفي 17تموز 1968 ، قام حزب البعث (المنحل) بانقلاب عسكري بالتعاون مع مجموعة عسكرية اخرى بزعامة عبد الرزاق النايف مدير الاستخبارات العسكرية وابراهيم عبد الرحمن الداود قائد القوات العراقية في الاردن ، وسعدون غيدان آمر لواء الحرس الجمهوري حيث أطيح بحكم عبد الرحمن عارف.
الا أن البعثيين لم يكونوا مرتاحين للشراكة مع النخب العسكرية ، فبادروا إلى تنفيذ انقلاب ثانٍ في 30 تموز 1968 ، واستولوا على السلطة الكاملة في البلاد وتمكنوا من تحييد الدور المؤثر للنخبة العسكرية العراقية في مراكز السلطة والنفوذ وصناعة القرار . خصوصا” بعد اغتيال الفريق حردان التكريتي و اقصاء الفريق صالح مهدي عماش أولا” ومن ثم المهيب احمد حسن البكر رئيس الجمهورية في عام 1979 حيث تمكنت النخبة السياسية ( وجلها من المدنيين ) ، ممثلة بقيادة حزب البعث وعلى رأسها صدام حسين من السيطرة التامة على مقاليد الحكم والسلطة ومراكز صنع القرار في الدولة واقصاء النخب العسكرية منها ، رغم ارتداء صدام حسين وقيادة حزب البعث للملابس والرتب والشارات العسكرية ، الا أن واقع الحال وحقيقة الامر أن المؤسسة العسكرية ونخبها العسكرية كانت مغيبة عن مراكز النفوذ وسلطة صنع القرار في الدولة .
وقامت هذه النخبة السياسية بزج الجيش بحروب عبثية منذ العام 1980، حيث أشغلت النخب العسكرية بالدفاع عن الوطن ، وأضعفت دورها ، بارباك تماسكها ، نتيجة تشكيل عدة جيوش ذات قيادات منفصلة ترتبط بالرئيس صدام حسين مباشرة مثل (الحرس الجمهوري ، الجيش الشعبي ، جيش القدس ، فدائي صدام ). كما أن مستويات تدريب واعداد الضباط انخفضت وتدنت بشكل كبير انعكس على المستوى العلمي والثقافي والسياسي للضباط ، فعلى سبيل المثال أن كلية الاركان العراقية ، التي تستوعب (150) ضابط ، قبلت في أحد دوراتها اثناء الحرب العراقية الايرانية (1000) ضابط ، واختزلت الدراسة فيها الىسنة بدل سنتين ، بدعوى تعويض النقص في ضباط الركن ، الامر الذي أدى الى انحسار الافق الثقافي والعلمي وحتى المهني لضباط الركن الذين يعدون من النخب في الجيش العراقي .
لقد حمل اعضاء النخبة العسكرية في العراق وجهات نظر سياسية مختلفة كانوا يسعون الى وضعها موضع التنفيذ ، وان كانوا لا ينبغي التغافل عن توقهم الواضح الى السلطة ، الذي يجمع بينهم جميعاً وبدون استثناء ، فهم يعتبرون انفسهم مثقفين حملة رسالة عقائدية ، وهم لا يختلفون في كل ذلك عن أية جماعة اخرى من المثقفين أو السياسيين(خليل إبراهيم حسين ، العراق في مذكرات دبلوماسين بريطانيين ، بغداد ، بيت الحكمة ، 2003 ، ص 155 ) .
دور النخبة العسكرية العراقية بعد 2003
ان حل الجيش العراقي و انهاء دور النخبة العسكرية العراقية ، كان واحدا” من الاهداف والحلقة الابرز في سلسلة من الاجراءات التي اتخذتها الادارة الامريكية بغية اضعاف وتدمير العراق منذ العام 1990 تمهيدا” لاحتلاله لاحقا” في العام 2003 . وفي مرحلة مبكرة من التخطيط لهذا الاحتلال ، قامت مراكز دراسات أميركية بمناقشة وضع الجيش العراقي، وكيفية التعامل مع البطالة التي يولّدها قرار بحله، أعطى مؤشرا عن وجود أفكار مطروحة بهذا الاتجاه لحل الجيش (وفيق السامرائي ، هل خضع بريمر للكرد وحل الجيش العراقي؟ ، جريدة الشرق الاوسط ـ العدد 11130 ، بتاريخ 19 مايو 2009 ) . كما أن بريمر لم يكن مخولا” باتخاذ مثل هذا القرار الذي حُسب عليه، لولا وجود دراسات وقرارات أعلى ! وبما أن الأميركيين كانوا عازمين على بقاء طويل الأمد، فقد اعتبروا وجود جيش عراقي كبير مجهز بأسلحة ثقيلة، مخاطرة كبيرة على أمن قواتهم. وما يعزز هذا التفسير حرصهم على أن تكون تجهيزات الجيش الجديد خفيفة التسليح، بما لا يعرّض أمن قوة الضربة المدرعة للتهديد.
الدور السياسي للمؤسسة العسكرية العراقية
في مطلع كانون الثاني 2004 تأسست وزارة الدفاع العراقية الجديدة من نخب عسكرية عراقية من الجيش السابق الذي حل بامر من سلطات الاحتلال الامريكي . الا أن النخبة السياسية التي جاءت الى الحكم في اعقاب الاحتلال الامريكي للعراق في 2003، كانت ترى في المؤسسة العسكرية العراقية ونخبها ولاء” للنظام السابق ، ولهذا لم تكن متحمسة في البداية لأعادة الحياة لهذه المؤسسة بالشكل الذي كانت عليه من القدرة على الفعل المؤثر في ما سمي بالعملية السياسية . لذلك أقرت في الدستور العراقي الجديد لعام 2005 ، بإبعاد النخب العسكرية عن السياسة وحصر واجباتها بالدفاع عن العراق من التهديدات الخارجية . الا أنها عادت بسرعة و استخدمت المؤسسة العسكرية وخصوصا” الجيش و منذ تشكيله في العام 2003 ، لأغراض حفظ الامن الداخلي في المحافظات والمدن العراقية ومواجهة ميليشيات حزبية مسلحة وجماعات مسلحة اخرى فضلا” عن التصدي لعناصر الارهاب التي استهدفت الشعب العراقي وبنيته التحتية ، وتكليفه بواجبات مداهمة مقرات حزبية لقوى سياسية ومكاتب قنوات تلفزيونية ، والتصدي لتظاهرات واحتجاجات شعبية في عدد من مدن العراق بضمنها العاصمة بغداد ! بدعوى أن أجهزة الشرطة والامن الداخلي مخترقة من قبل العناصر المعادية للعملية السياسية ! الامر الذي انعكس بشكل واضح على شكل تسليحه وتدريبه وعلى مكانته ودوره الاجتماعي ، وهو ما جعله يقترب في ادائه الى أداء قوات الشرطة والامن الداخلي منه الى جيش نظامي ، وقد أقر عدد من كبار قادته بعدم جاهزيته للقيام بالمهمة التي اسس من اجلها وأقرها الدستور وهي الدفاع عن الوطن حتى العام 2020(عماد علو (د) ، جاهزية القوات العراقية ، جريدة الزمان طبعة العراق ، بتاريخ 21/8/2009 ).
وفي هذا يقول ( انتوني كوردسمان) بكتابه عن القوات الامنية العراقية واستراتيجية النجاح لعام 2007″ ان الجيش العراقي لم يتمكن ان يصبح جيشا وطنيا حتى الان ، بل مازالت العوامل الطائفية تلعب لعبتها به حيث ان الجيش ما زال يعاني من مشاكل الطائفية والقومية . وفي نفس هذا السياق وضع العقيد الامريكي (جون ماكغراث) دراسته قدمها الى مؤسسة دراسات القتال الامريكية عام 2007 ، حول نظام معركة القوات العراقية المسلحة عام 2007 ( حيث كانت تضم 10 فرق في حينها) مبينا فيها بعض المعلومات عن تلك القوات بما فيها تركيبها الاثني والطائفي وعليه يتضح ان الجيش العراقي الجديد لم يبنى على اسس وقواعد سليمه من المهنية والحرفية ، حيث ان اغلب من انخرط به كان يعطي الأولوية لولائه لحزبه وطائفته وعرقه ، الأمر الذي أدى الى أن يكون هذا الجيش في المراحل الاولى من تشكيله اقرب إلى الميليشيا منه إلى جيش نظامي صارم في ضبطه وانضباطه وهيكليته( نظام معركته) ووضوح عقيدته العسكرية وقواعد القتال (أنظر عطوان ، خضر عباس ، النظام السياسي في العراق بين الاصلاح والشرعية ، ص28) . وهذا الامر يمكن تفسيره أيضا” بان ما كان يحدث للنسيج الاجتماعي العراقي من فرقة وتمزق بسبب سياسات الاحتلال الامريكي والصراع بين القوى والتيارات السياسية الطائفية قد انتقل بشكل أو بآخر الى المؤسسة العسكرية وجـــهاز الشرطة والامن.
و في الوقت الذي تدعي فيه قوى سياسية مهمة في العملية السياسية بان الحكومة العراقية تستخدم القوات المسلحة استخداما” سياسيا” لأغراض توجيه العملية السياسية لصالحها وان هناك خروقات دستورية كبيرة فيما يتعلق بتشكيل قيادات عسكرية معينة واسلوب استخدامها وتكليفها بواجباتها . فانه يمكن القول بان المؤسسة العسكرية العراقية عادت لتلعب الدور الاساسي والمؤثر في حماية والدفاع عن مراكز السلطة والنفوذ في الدولة والتي استحوذت عليها المجموعتين السياسية والدينية بعد 2003 ، وبذلك فان هذا الدور الي تقوم به المؤسسة العسكرية سيؤمن ويهيء البيئة السياسية المناسبة ، لصعود النخب العسكرية مرة اخرى الى مراكز السلطة والنفوذ وصنع القرار في الدولة العراقية رغم التحديدات التي وضعها الدستور العراقي على الدور السياسي والاجتماعي للنخب العسكرية .
أن ضعف وقلة خبرة وتنظيم المجموعتين السياسية والدينية ، اللتان استلمتا زمام الامور بعد 2003 ، قد يتيح للمؤسسة العسكرية اعادة بناء قوتها التقليدية أمام المؤسسات الأخرى ، ويظل الضبط العسكري والتنظيم الجيد والانسجام ضمن المؤسسة العسكرية أكثر قوة من أى جماعة أخرى …























