
خصخصة التّعليم .. لماذا ؟ – مشتاق الجليحاويّ
أهمّ مفصل حياتيّ في أي بلد هو التّعليم؛ فبالتّعليم يعرف الإنسان ما له وما عليه، به يعرف ماضيه وبه يستشرف مستقبله،
أول من خطّ أول حرف هم العراقيّون الأوائل الّذين عاشوا على هذه الأرض، العراقيّون السومريّون هم أول من خطّ الألواح الطّينيّة وبخطوطهم المسماريّة البدائيّة، كرسوا فيها العلم والمعرفة والإبداع والعقل البشريّ فأضحوا منارًا لكلّ الأمم وقدوة لكلّ مقتدٍ بها لكلّ من أراد العلم والمعرفة،
فأبدعوا وأخرجوا عصارة إبداعهم ونتيجة تلاقح التّجربة والعقل فأنتج هذه الثّروة الّتي لا زلنا اليوم ندين لهم بها القراءة والكتابة ومختلف العلوم الّتي ذللت الصّعاب وأزاحتها، كما أنهم أولوا اهتماماً بالغاً بالعلوم الرّياضيّة فقد وجدت ألواحاً بالخط المسماريّ كشفت عن مدى العلم في ذلك العصر فقد توصلوا إلى وصف الأشكال الهندسيّة كالمثلث والمربع والدّائرة وأوجدوا جداول خاصة لعمليات الجمع والضّرب والقسمة ومعادلات جبريّة أخرى حيث أظهرت الألواح البابليّة مدى اهتمامهم بعلم الرّياضيّات حيث كانوا ملمّين بالجذور التّربيعيّة والتّكعيبيّة التّي صاغوها بشكل معادلات هندسيّة، كما واستخدموا النّظام السّتينيّ في حساباتهم، وأيضاً برعوا في دراسة الفلك حيث اعتمدوا على القمر في حساباتهم وقد أنشأوا مراصداً فلكية ومن ضمنها الأبراج العالية التّي تبدأ كبيرة ومن ثمّ تصغر هذه كلما زاد الإرتفاع وقد أهتم الملك نبوخذ نصّر بذلك والملك نبو نصر، كذلك كان لهم اهتمام بالغ في الجانب الزّراعيّ فطوروا طرق الزّراعة والرّي وإنشاء السّواقي واستخدام طرق خزن متطورة للبذور ومحاولة استخدام مخلفات الحيوانات كأسمدة عضوية، وهم بذلك أحدثوا طفرة نوعيّة تخدم البشريّة، يقول الفيلسوف والمؤرخ الأمريكيّ ديورانت: “إننا نستطيع أن نقول أن تطور الكتابة هو الّذي كان يخلق الحضارة خلقاً؛ لأن الكتابة هيئت وسيلة تسجيل المعرفة ونقلها كما كانت وسيلة لازدهار العلم وازدهار الأدب وانتشار السّلام والنّظام بين القبائل المتنافرة لكنها متصلة على تنافرها؛ لأن استخدام لغة واحدة أخضعها جميعاً لدولة واحدة وبداية ظهور الكتابة هو الحد الّذي يعين التّاريخ، وإن نشوء الكتابة السّومريّة وتطورها أعظم ما للسّومريّين من فضل على الحضارة العالميّة”
سياسات ممنهجة
منذ زمن ليس ببعيد أتجه هذا البلد بالتعليم إلى ما لا يحمد وهو الخصخصة فبعد السّياسات الممنهجة لتدمير التّعليم وتدميره وطمس معالمه، وكان أولها هو تحويل المدارس إلى دوام وثنائيّ وثلاثيّ ورباعيّ، إضافة إلى شحّة في كثير من الكوادر التّدرسيّة في مدرسة ووجود فائض في مدرسة أخرى وخصوصاً في القرى والأرياف والمناطق النائيّة، وكذلك ندرة بعض الإختصاصات وترك التّلاميذ دون مدرس أو معلم، أيضاً ما فرض من قانون دخيلة على القانون التّربويّ العراقيّ والّتي من أبرزها عدم ضرب التلميذ أو الطّالب وعدم توبيخه، وفي ذات الوقت تطالب الإدارات المدرسيّة بنسب نجاح يسميها مشرّعو هكذا قرارات وقوانين بالنّتائج المقبولة، وبالتّالي فتح الباب على مصراعيه للتّهاون في محاسبة الطّالب والتّلميذ وإتخاذ إجراءات روتينيّة، مما ينعكس سلباً على المسيرة العلميّة ويعدّ استهدافاً لرصانتها وكسر هيبتها، وأيضاً ما يحسب على تدمير التّعليم هو ترك المدارس وفي مناطق كثيرة دون صيانة أو تجديد وكثير منها آيلة للسّقوط على رؤوس مرتاديها، إضافة إلى شحّة أعداد المدارس مقارنة بالنّمو السّكانيّ الكبير للبلد والّذي تبلغ نسبته 2.5 بالمئة أي زيادة ميـــــلون شخص سنويّاً بحسب تقرير سابق لوزارة التّخطيط العراقيّة، وما يضاف إلى العوامل السّايقة هو إنعدام فرص الإستفادة من الشّهادة الدّراسيّة، فأغلب من يدرس ويسلك مسلك العلم هو الحصول على فرص عمل تليق به وترســـــيه على برّ العيش الكريم سواء كانـــــــــت تلك الفرصة في القطّاع العامّ أو الخاصّ، وهذه النّقطة الأبرز الّتي أُلغيت من قاموس العراق،
هناك خطط ممنهجة ومعدّة في استهداف التّعليم، وتحويله من القطّاع العامّ إلى القطّاع الخاصّ بما سبق من إجراءات وقرارات وفتح مدارس خاصّة تتوافر فيها البيئة الدّارسيّة الجيّدة من بنى ومسلتزمات وتوافر كادر تدريسيّ واهتمام كبير بالطّلاب أو التّلاميذ من ناحية التّعامل ووجود خطوط نقل من وإلى المنازل، وكذلك من ناحية الأمان والتّدقيق، وكذلك نسب نجاح شبه مؤكدة، كلّ ذلك شجّع الأهل قبل أبنائهم على اختيار المدارس الأهليّة وترك الحكوميّة، هذا الأمر لا يشمل المدارس فحسب، بل حتى الكليّات والمعاهد والّتي تمنح النّجاح دون رقيب أو حسيب، وبالتّالي فإنّا سنصو يوماً أمام جيل متخرج لكنه غير متعلم وتلك صامّة، يحمل شهادة ولا يحمل علماً،
يجب أن تكون هناك وقفة جادة لمنع إستمرار هكذا مهزلة أو منع استفحالها وأن تصبح ظاهرة ولات حين مندم وذلك أضعف الإيمان، يجب أن نستشعر المسؤولية جميعاً ونتحسس الخطر المحدق بالتّعليم ونستشرف النّتائج المحتملة جراء ذلك، ونتخذ ردة فعل تتناسب وحجم ذلك الخطر المحدق؛ كون التّعليم عصب أي بلد وكما يذكر عن هتلر أبان الحرب العالميّة وصله خبر بأنّ الفساد استشرى بكلّ مفاصل الدًولة فسألهم قائلاً: هل دخل الفساد الى التّعليم والقضاء؟ فأجابوه: كلا، فقال: إذن نحنُ بخير،
ويجب أن يكون الدّور الأكبر للدّولة وذلك بفرض شروط صارمة على من يفتح مدارساً أو كليات أهليّة والّتي أهمها الرّصانة العلميّة، وتحديد نسبة الأرباح؛ لئلا تتحول إلى مؤسسات ربحيّة بحتة هدفها جني المال فقط، وتقييد إعداد تلك المؤسسات وفق دراسات تخطيطيّة منتظمة، وكذلك مراقبتها مراقبة شديدة من خلال الزّيارات التّفقديّة الدّوريّة وفرض غرامات الرّدهيّة علاوة على الضرائب العامّة، وكذلك إخضاع من ينجح منها إلى امتحانات على غرار امتحانات معادلة الشّهادات من خارج البلد، أو إخضاع تلك المؤسسات إلى امتحانات موحدة وبذلك ضمان الجودة والكفاءة العلميّة.
حفظ اللّه العراق وأهله.























