
نبض القلم
خارطة طريق مهمة – طالب سعدون
قبل إعلان تحرير الموصل رسميا بمدة ليست بالقصيرة ، بدأ الحديث عن ( مرحلة ما بعد داعش ) ، وطرح افكار ورؤى لوضع ) العراق الجديد ( بعد هذه المرحلة العصيبة. وهذا الحديث المبكر أعطى تصورا لدى المراقب بان نهاية داعش أمر محسوم عسكريا ، وهو ما تحقق فعلا ، وينبغي الاستعداد للمرحلة اللاحقة. ولكن على حد ما يظهر من أخبار ونشاطات وفعاليات لا يتعدى الحديث عن () مرحلة ما بعد داعش ) عن مؤتمرات ولقاءات وتصريحات وعبارات جميلة لم تثمر الى الان عن نتائج يمكن أن تكون خارطة طريق سياسية ، ومنهاج عمل توضع له أليات ، وتتخذ بشأنه قرارات للتنفيذ ، ليمنع تكرار تجربة داعش باي مسمى ـ ويداوي جروحها العميقة ، ويتجاوز أثارها المادية والفكرية بسرعة ، ويعيد ما خربته في النفوس ، وعلى الارض معا. ولا شك ان داعش صفحة من الصفحات الخطيرة المدمرة التي اعقبت صفحة الاحتلال الامريكي المباشر لتكمل في دمارها تلك الصفحة اللعينة .. فكيف تُغلق هذه الصفحة نهائيا والى الأبد ، والاستفادة من تجربتها المرة …؟.. لا يختلف إثنان على قيمة الانتصار العسكري على داعش وطردها من أراض كثيرة تمكنت من الوصول اليها ، تمثل الموصل راس الرمح فيها ..ولكن رغم اهمية هذا الانتصار الكبيرة على الارض ، وفي المعنويات الشعبية ، لن يكون كافيا لوحده لغلق هذه الصفحة الى الابد ، إن لم يكن هناك عمل سياسي مواز له ، ورؤية وفعل وطنيين لاعادة الاعمار بسرعة، وفي مقدمتها اعمار النفوس ثم الاعمار المادي. وفي مقدمة هذا العمل معالجة اخطاء المرحلة السابقة .. ومنها التخلص من المحاصصة ، والطائفية السياسية والخطاب الطائفي الذي لم يغادره البعض الى الأن ، خاصة وان العراق على إعتاب انتخابات برلمانية ، يمكن أن توفر الاجواء الملائمة للشحن الطائفي ، والعزف على النظرة الذاتية الضيقة ، والفساد الذي تحول الى ثقافة باعتراف السياسيين أنفسهم وغياب مفهوم المواطنة ، وشيوع مفاهيم لم يألفها العراقي ، مثل المكون والطائفة والقومية والاقلية والاغلبية وغيرها من المفاهيم التي أدت الى تراجع مفهوم الشعب الذي لم يعد يعني شيئا عند البعض ، مقابل تلك المفاهيم الضيقة التي يمكن أن تؤمن حصة مناسبة من الحكم والسلطة باسم المكون مثلا لهذا او ذاك ، ومناصب لشخصيات محسوبة عليه ، او تصدر الواجهة السياسية والعامة في البلاد … وعادة ما تكون الانتخابات مناخا مناسبا وفرصة لارتفاع الاصوات عند البعض للحديث باسم المكون ، وقد تصعد النبرة الذاتية فتصل عند البعض الى المطالبة بالاقليم ، أوتصل الى حد الانفصال ، بحجة الدستور الذي يتضمن ملاحظات كثيرة ومآخذ خطيرة … ورغم الحديث عن عراق جديد ، لكن لا يزال العمل بالمحاصصة ، بدل المواطنة ، وفي توزيع المناصب دون مراعاة للنزاهة والاخلاص والكفاءة ،، ويستخدم البعض الطائفة والمكون وسيلة للكسب السياسي ، كما لا تزال مفردة الفساد من بين اكثر الكلمات الغريبة الشائعة ، تتردد على الاسماع ، دون علاج شاف يستأصل هذا الداء الخطير .. ويبدو أن عدم ظهور رؤية واضحة تناسب المرحلة الجديدة وتتجاوز الحالة السابقة دفع المرجعية الدينية الى طرح رؤيتها في خطبة الجمعة الماضية للشيخ عبد المهدي الكربلائي، شخصت فيها الواقع بدقة ، ورسمت ملامح المستقبل ، وتصلح أن تكون الاساس لخارطة طريق وطنية للمرحلة اللاحقة … ولأهميتها يمكن مناقشىتها في مؤتمر وطني عام ، وعلى مستوى الاعلام والفكر ، لكي ينضج منها مشروع وطني يتجاوز اخطاء الماضي ، ويرسم الطريق لمرحلة يفترض ان تكون مختلفة جذريا عما سبقها .. وتتلخص تلك الافكار في محاور أساسية منها ( نبذ العنف والقهر والشحن الطائفي ، لانها تؤدّي الى مزيد من سفك الدماء وتدمير البلاد، وتكون مدخلاً واسعاً لمزيدٍ من التدخّلات الإقليميّة والدوليّة ، وبالتالي لن يكون هناك طرف رابح فيها ، بل سيخسر الجميع ويخسر معهم العراق) ، ودعوة ( من هم في مواقع السلطة والحكم ) الى العمل بمبدأ ( أن جميع المواطنين من مختلف المكوّنات القوميّة والدينيّة والمذهبيّة متساوون في الحقوق والواجبات، ولا ميزة لأحد على آخر إلّا بما يقرّره القانون.. وان تطبيق هذا المبدأ بصرامة تامّة كفيلٌ بحلّ كثير من المشاكل واستعادة الثقة المفقودة لدى البعض بالحكومة ومؤسّساتها ) …والتأكيد على اهمية ( مكافحة الفساد الإداري والمالي وتجاوز المحاصصات الطائفيّة والفئويّة والحزبيّة واعتماد مبدأ الكفاءة والنزاهة في تسنّم المواقع والمناصب ) ، وتعد تلك المبادىء ( ضرورة وطنيّة قصوى، ولا فرصة أمام العراق للنهوض من كبوته مع استمرار الفساد بمستوياته الحاليّة ، واعتماد مبدأ المحاصصة المقيتة في إدارة الدولة ) ، وعدم اعـــــــتماد مبدأ العدالة في العائد المادي بما يناسب الدور والجهد المبـــــــــذول فقد تم مثلا ( تخصيص رواتب وامتيازات لاناس لم يتحملوا من الاذى والمعاناة في سبيل وطنهم بمقدار يسير مما تحمله المضحون من الشهداء والجرحى والمعوقين ، وعوائلهم الكريمة ).. افكار جميلة ، ورؤى واقعية واضحة تصلح ان تكون خارطة طريق ( لعراق ما بعد داعش ) .. تعيد الحياة لمفهوم المواطنة وتضمن مغادرة المفاهيم الغريبة التي كانت عنوانا للمرحلة السابقة وتسببت في كوارث كثيرة .. أفكار يمكن أن تكون بديلا لمفاهيم ضيقة ثبت بالتجربة أنها لم تبن وطنا ، ولم تحقق الرفاهية للشعب ..وحان آوان مغادرتها …
{ { { {
كلام مفيد :
بعض المنعطفات قاسية ، لكنها إجبارية لمواصلة الطريق ( حكمة بليغة )
{ { { {

















