حنين قروي

حنين قروي

كراتٌ رماديّة ، وأُخرى بلونِ الخريف ، وثمة كرياتٍ صغيراتٍ بلونِ الحلمِ تمتدُّ على شكلِ نقاطٍ في الأفقِ اللامتناهي حتى تكاد لا ترى آخرُ كرةٍ صغْيرةٍ إذْ بدت وكأنّها نقطة بيضاء في قلبِ تلكَ القرية الصّغيرة النائية التي نغفو على ضفتي نهرٍ صغير حفرهُ أبناء القرية الطّيبون والتي لم يبقَ في ذاكرتهِ منها الّا القليل ، فلا يكاد يفارق مسمعه صوت ذلك الرّجل القروي البدين ذو البحّةِ الفراتيّة المحبّبة ، أمّا بيوتات الطين المنتشرة هنا وهناك أضحت و كأنّها أطلال دارسة نُحتت في ذاكرتهِ بأزميلِ نحّات متمرّس … ولم يبقَ من ليلها سوى صدى الفوانيس المعلّقة على جدارن البيوتات القديمة لتضيء درب مَن يأتي مسامراً الى بيت الحاج (طعمة) … مَن يدري ما الذي تُخَبِّئهُ الأيّام بين دفتي سفينتها التي تجري في عباب بحرٍ شاسعٍ كأمتدادِ الزّمن الذي فصل بينه وبين هؤلاء الصِّبيَة الصّغار الذين كان يقضي جلَّ نهاره معهم منذ صراح أوّل ديكٍ ، حتى العودة مع إختفاءِ قرص الشّمس بينَ التّلال المرتفعة … وكلَّما غربلَ ذاكرته تتراءى أمامه تلك المرأة الممتلئة الجسد بثيابها السّوداء و التي تبدو كأنّها كرة تتحرج وراءه كلّما همَّ الى سرقة لعبة حفيدتها المصنوعة من قماشٍ بسيط محشو بالصوف ، فيرميها خوفاً من ضربٍ مبرحٍ سيناله جسده الطريّ من كفِّ والدهِ حينما يتسرب إليه الخبر … يشدّهُ الى تلك القرية أهلُها و بساطة الحياة فيها ، فكلُّ مَن في القريةِ تمتدُّ عروقه مع إمتداد عروق الشّجر المتشابك ، يستنشقُ منها رائحة التّراب الممتزج بالماء و الخضرة مع هبوب النّسمات الغربيَّة ..

مضت سنوات على نزوحه الى المدينة مع و الدته و أخوته ، كان حينها لم يتعدَّ سنته السابعة بعد ، منذ ذلك الوقت لم تغره العمارات الشّاهقة ، ولا إزدحام السّيارات … ولا حتى الحسناوات ذوات القوام المغري ، فـ(الخالة أم غايب) التي فارقها في القرية أجمل منهنَّ بكثير … أما منظر جارته (أم نجم) و هي تقوم بحلبِ بقرتها صباحَ كلِّ يوم لا يكاد يختفي من مخيلته ، فطعم زبدتها الرّيفيّة مازال عالقا على لسانه حتى الآن ، ولا تبارح (منقلة) النّار وجبات السّمك المشويّ الذي يصطاده العم (غالب) من النهر المحاذي لقريتهم ، فتشمل المائدة كلَّ أبناء القرية … و البيت الطينيّ الذي قضى فيه سنوات طفولته بمثابة برج أسطوريّ يحنُّ إليه كلَّما غرقَ في دوَّامةٍ من التفكير ، أو حين وقوعه في مطب من مطبّات الحياة المتشعّبة ، و (شياه) الحاج (كامل) التي ترعى منذ الغبش حتى المغيب أروع من أرقى أنواع السيّارات التي شاهدها في المدينه ، أمّا (هورناتها) المقزّزة فهي لا تعادل – في نظ ره – ثغاة شاة واحدة … و المعجّنات المصنوعة في أفخر الأفران لا تساوي شيئاً إزاء رغيف خبز صنعته أُمّه في (التنّور الطينيّ) … وَ كلَّما توغَّلَ أكثر في شريط ذاكرته ، يكادُ يتسلَّقُ تلك الكرات الرّماديَّة متدحرجاً معها حتى يصل الى النّقطةِ البيضاء في قلبِ تلك القرية النّائية .

جبار هادي الطائي  –  الديوانية