
حب الوطن عبادة – احمد عباس الذهبي
عدت إلى أرض الوطن.. أنظر من شباك الطائرة إلى أول ضوء.. نحن الآن فوق سماء العراق. تتدفق الشرايين بالدماء.. تتدفق العيون بالدموع.. حب الوطن عبادة.. ليست العبادة فقط فى الصلاة.. ليست فى زيارة بيت الله الحرام وحده.. هذه المعانى ينبغى أن يعرفها الإرهابيون.. الوطن ليس مسجداً.. مسجد وكنيسة ومعبد..
.حب الوطن ……….
ولقد ثبت في الحديث الصحيح-: أن النبي – صلى الله عليه واله وسلم – كان يقول في الرقية: ((باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا))؛ رواه البخاري ومسلم.
والشفاء في شم المحبوب، ومن ألوان الدواء لقاءُ المحبِّ محبوبَه أو أثرًا من آثاره؛ ألم يُشفَ يعقوبُ ويعود إليه بصره عندما ألقَوْا عليه قميصَ يوسفَ؟!
قال الجاحظ: “كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه”.
إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، وتزوَّج فيها، فيها ذكرياتٌ لا تُنسى، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، فيها الآباء والأجداد.
قال الغزالي: “والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص”.
.حب الوطن يظهر في احترام أنظمته وقوانينه، وفي التشبث بكل ما يؤدي إلى وحدته وقوته، حب الوطن يظهر في على منشآته ومنجزاته، وفي الاهتمام بنظافته وجماله، حب الوطن يظهر في إخلاص العامل في مصنعه..
تعزيز حب التعاون مع أجهزة الدولة على الخير والصلاح، مع التأكيد على الابتعاد عن كل ما يخالف الأنظمة من سلوكيات غير وطنية، ومفاسد إدارية ومالية ومقارعتها والسعي للقضاء عليها.
أنه الوطن الشامخ المعطاء السمح، الذي يحضننا جميعا، بدفئه، وحنانه، وحبه، ونعيمه، وخيراته. الوطن الذي نتنفس هواءه، ونتغذى من أرضه وبحاره، ونلتحف سماءه وأجواءه، الوطن الذي يتغلغل حبه لاإراديا في أحشائنا، وسويداء قلوبنا تغلغلا. الوطن الذي نحمله بين ضلوعنا وفي أعماق أفئدتنا، حيثما حللنا وارتحلنا. الوطن الذي ينهشنا الحنين الحارق إليه، وتقتلنا الغربة القاتلة بعيدا عنه، كلما شاءت لنا أقدارنا، أن نبتعد عنه أو نرحل أو نغترب، مكرهين مرغمين، أو حتى راغبين مخيرين.
الوطن الذي مهما قست تقلبات السياسة ومكرها، وخبث رجالها وأنانيتهم، نظل نعشقه ونرغبه حد العبادة، الوطن الذي مهما حاولتِ السياسة والساسة أن يوقعوا بيننا وبينه، ويُفسدوا مودتنا وعشقنا وتعلقنا الكبير به، يزداد هيامنا وتمسكنا به، ووفاءنا وتفانينا في خدمته. الوطن المعطاء، الذي برغم النهب والفساد والتسلط الذي قد يطال كنوزه وخيراته، يظل يُعطي بسخاء، ويُجزل في العطاء، ولا يُبدي غلظة أو قسوة أو جفاء. يظل يمنح ويمنح، ويغدق بلا كلل أو ملل أو رياء.
قد لا نغفر للساسة زلاتهم وأعطابهم، قد نغضب ونثور في وجوههم، وقد نتمرد ونشق عصا الطاعة عنهم، ولكننا نظل متشبثين بالوطن، مولعين بحبه وعشقه. لا لشيء سوى لأننا نعلم أنه أكبر من هؤلاء التافهين، وأشمخ من هؤلاء العابرين، الذي يصرون عبثا على قتل هذا الحب الكبير فينا.
لأننا نعلم أنه باق، وأنهم زائلون راحلون. أحبك بجنون وطني، أعشقك حد العبادة وطني، أنا العاشق وأنت المعشوق، أنا المحب وأنت المحبوب، أنا المتيم، وأنت الحبيب.
فما أكبرك وأشمخك يا وطني، وما أصغر وأتفه .اعدائك

















