تـيه الدواعش فـي بـلاد المراعش – معن عبد القادر آل زكريا

تـيه الدواعش فـي بـلاد المراعش  – معن عبد القادر آل زكريا

روى لنا أبو مِحْجَـلْ السفنداري عن أبي عَلْقَـمَة وهو رجلٌ من أهل السواد في العراق …

قال : حدثني أعرابي عن أبيه عن جدّه من أهل (الهاترا) في صحراء غرب الموصل عن جدٌ لجدّي يُدعى مريوب بن أبي صفاقة … قال قال: كان حُجامة (أحد أجدادُنا) قد حضر معركة صفيّن وله صاحبٌ يُدعى (جُزاعة) من بني كلب … ظلّ يُقاتلُ مع المُتقاتلين لا يلوي على صوب ولا يجنحُ إلى حامل لواءٍ أو لابس درعٍ لحرب , حتى أصبح عليه الصباح بعد إحدى المعارك المُرّة والتي دامت نهارين وثلاث ليالٍ طوال , ففطن إلى نفسه و تملق إلى قلبه واستنفر خواطره في أن ينكفيء عن هذه الحرب ,فانشق عن حضيرته وصار خارجياً هارباً من أهله وعشيره في البطحاء لائذاً بالصحراء وقد هرسته أطواز العجاجة وطحنته شحطات اللجاجة يطلب لنفسه مأوىً يستريح في ظله من عناء ظُلمة الحياة التي سوّدت له وجهه ويعملُ على تجديد دعوته وتنبيز نهجه … وقد خلف جزاعة ملثمة , وهذا خلف بهلول العاكب ,و ولدُهُ سحنون الذي خلف بُرتُقة الهارث . أمّا الهارث فقد خلف جنفان المحتدي , وهذا وُلدَ له ثلاثة من البنين (نمائر وبشائر و قراطُب) . ومن نمائر هذا جاء حلزة وجُزاعة الثاني … وهذا الأخير كان قد سمع عن جدّه الخامس جُزاعة الأول وتمعّن في سيرته في تمرده على بني قومه في معركة صفين , فأراد أن يجدّد الدعوة ويُلحق الآخرين بالأولين ويدعو لدعوةٍ تشققت أوصالها و سئمت رماحها من كثرة الكرّ والفرّ بدون لُزوم حاجة ولا صحيح أرومات نتاجا …

 فلما صار بين الفيافي والقفار لقي عُرباناً من أهل اليمن من أنسال التائهين في تشتت أصحاب سدّ مأرب ومن قبائل ضروس يعدون بثلاثين رجلاً لا صنعة لهم غير صيد الغربان وأكل الشمقمق والتلاعب بالبريص والجندب والهرول والحبارى وكلب الماي . كذا فمن صنعتهم صيد القمل الأسود وسلقه فوق حجرٍ على رمال الصحراء الكاوية ومن ثمّ لحسه والتلذذ بغليه بنقيع سلقة الخبازة خضراء اللون وتجفيفه من بعدُ .. لأكله على رواح .

فظلّ جُزاعة هذا يحاور الأعراب الثلاثين في دينهم ومآل مذهبهم بعد الذي حصل في صفوف المسلمين , حتى تمكن من إقناعهم بدعوته والتحبب لإرادته في الثلاثةٍ من الأشهُر الحُرُم , فصاروا جميعاً في معيته يعتدُ بهم رجالاً في دعوة خارجة عن الصف المُتلاحم بالقتال . فلمّا تسيّد عليهم كبرت الصنعة في رأسه , فطاش سهمه وتهافت الناس إلى سماع أخباره وتفصال  حكايته حتى وصلت قصر خلافة بني أمية ليغدو مطلوب الإسم والجسم للجند وللشرطة والعُسُس …

اصقاع الهند

وبقي على هذه الحال سبع سنين عراضاً طوالا , إرتحل خلالها إلى بلاد حلب والشام والميمونة وتونس وبلاد فارس حتى وصل به المطاف إلى أصقاع بلاد الهند والسند يدعو الجمع حول مأربه ويُصارخ في سبيل عمرته وعترته ويمنعُ باللسان الذرب عن أفول دهره وخيبة دعوته… فما إلتفت اليه أحد , وبقي على الثلاثين نفراً من أهل اليمن من الأتباع , بهم يكدُ وبهم يسدُ وبهم يشق القاعْ…  يُكملُ أبو مِحْجَـلْ قصّ روايته قائلاً :

فلمّا بلغ العُمرُ أرذلُهُ (بجُزاعة الثاني) هذا وهو لمّا يزل يستنظرُ زوال الحال وانتقال الدعوة إلى ابواب السلطة و آفاق المنال ولم تتفتق عن الأمر الرُؤية , فقد أنقضت ظهره فكرة قيام الدولة وأجزعته عن نوال المطامح والمطارح فتكأكأت في رأسه كل سموم الصحراء وعتوّها وحلوها ومرّها , فصار يحور و يدور و الجسدُ منه يذوي والعمرُ يمضي والعافية تخور والجمع من حوله يقضّون مضاجع بعضهم كالبعران لا تجد قدامها ما تسد به رموقها وتوسدُ مكامن الجوع من بطونها فهي في حالة هيجان وميجان …

فمضت الأيام ثقالا والليالي حُبالى حتى ذهب عنه البصر وعتمت في وجهه دروب الحذر فلحقه الجُذام , وفي يومٍ فحيحٍ أصبح عليه الصباح لم  يجد  معدته تفلح في هضم طعام ولا أعصاب تشد ظهر هُمام ,فأمست مخارم جلده ومنافذها وسداداتها بلون الفلفل الأحمر الهندي , ثم تحولت الى سواد ومن بعدُ غُثاثاتٍ غُثاثات مثل أرياش قطاة حرقتها قيوظ الشمس فكنستها الرياح على الأرض جربا كعصفٍ مأكول , فتركه صحبُهُ يطوي في البراري مثل كلبٍ مَسْعورْ …

أما من معه من الأتباع , فقد لحق بالتابع الأول مرض (البُهاق ), ولحق بالثاني حتى العاشر  مرض (الرُهاق) , وآخرون أصابتهم رعشة ( الحَيْصَ بَيْصْ) ينكبّون على وجوههم ويسجُدون ويعلَوْنَ حتى يَـقْـعَـوْنْ على الأرض صرعى … ثم تزهقُ أرواحهم في ساعات … وآخرون صاروا بمرض( القولونج) و سواهم (بالفالج) وتالي الثلاثين لحقهم مرض الخيل (الصانجي) .

رأس العوراء

فلما اكتمل حيضُ السنوات الثلاث بعد السبع , جاءت أخبار الثلاثين من الخوارج والزُندُق والبُهدُج والبُندُق والزنج والكنج قد ماتت واندرست والسنتهم قد قطنت وحُلوقهم قد قُدّت … فحمد الله أهل بغداد والموصل والكوفة والبصرة على نعمائه , فصاح المُنادي في الناس أنّ ربّ العزة قد أذلّ الدجالين والأفاقين والنصّابين والدهريين وكُلّ من إتبع مذهب (رأس العوراء من الهلاّسين )… لقد حصدتهم حقانية عدالة الحياة بالفتنة والحنترة وضربتهم بالقابش واللابش , وطحنتهم بالفاشش والناشش … حتى ضجت الناس من بعد هلاكهم بالدعاء والتأييد …آمين …آمين … لعنة الله عليهم أجمعين إلى يوم الدين , هم ومن تبعهم وعمل بفتاواهم وأكل من مأكلهم ومن حمل متاعهم من الأنعام …

 وجاء يومٌ خرجت فيه (الخاصة) من أهل بغداد (والعامة) من الأغراب ممن يباتون في كرخاناتها وينزلون في نزلها , يسمُرون  لياليهم ويقضون نهاراتهم على سبعة عظام رقابهم نوم العوافي وبيوتهم مشرعة على مصاريعها تصطفق بين الداخلين والخارجين أرجل المخفوف والحافي . أمّا النساء فقد خلعن الحجاب , ونمن وهنّ يحلمن بالأمن والحرية في الغدو وفي الإياب , التي قد تأتي من تحت صُوّارة الباب . وقام الصبية واليافعون بتبع سباق كلاب الصيد من السلاقي وهي تتبارى و تتناجى , و كبّر الشباب والرجال من على أسطُح المنائر, وهللّوا و طنشّوا وابتهجوا وشربوا منقوع الزنجبيل والعصائر  في الأسواق وفي المقاهي وفي الحارّات وأكلوا الفراخ المشتت والفطائر المُهلفت , فسهلت الحالة الإقتصادية في بيعٍ وشراءٍ دورية وارتاحت مهنة التجارة وانتشر التطبب بالإبرة والقطّارة . وبعد أن هدأت العامة قام الأهلون وارسلوا أولادهم إلى المدارس وتركوا روحة الملالي والتقاعس , يتسلون بألعاب الهُلامة وحفظوا أهزوجة العيش والسلامة , وصاروا يمزحون بها ويرمونها على كل من يلاقونه من أصحاب اللحى الثعلبية والعمائم المندلاوية …

يركضون وراءهم … ويصيحون ملاّ طيش … ملاّ طرطبيش

ملعون طشطش خرزي

أش حدّو اليأخذ ولدي

منبوش الصفحة داعش … ملعون الصبحة داعش

قتلك اللّه داعش … شعلك الله داعش

قيق … قيق … منجنيق

أمك تأكل السويق …. أبوك يلهم اللويق …

هيه … هيه … هيه …

كنا عدكم … أو جينا …

من مجموعة مُقامات أبي الحياوي في وصف أبن الواوي . منقولة بتصرف عن كتاب ( يوم أكلنا الأزبري … فوق ديوان البحتري ) . الكتاب صدر في العصر العباسي الثاني وآخر طبعة له في مطبعة بولاق في مصر القاهرة في حارة الجمالية . أمّا النسخة المنقولة عن أصل المخطوطة , فقد خطّها يراع الكاتب عبيد أبن أبي زبيد الجمّال في طنجة في المغرب سنة 1223 للهجرة الموافق لسنة 1788  للميلاد .