تجسيد الفاروق على الشاشة
أكرم عبدالرزاق المشهداني
يثور اليوم خلاف شديد الآن في كل الساحات الدينية والإجتماعية، بل والقضائية حول عرض مسلسل الفاروق عمر خلال شهر رمضان المبارك، على الشاشات ، والذي كتبه وليد سيف وأخرجه المخرج حاتم علي. ففي الكويت اقام محام دعوى قضائية لمنع المسلسل مستنداً لفتوى قديمة للشيخ الطبطباني التي ترفض تناول الصحابة في الدراما، أما في مصر فرفع محام آخر دعوى قضائية أمام مجلس الدولة لوقف عرض المسلسل، لعدم المساس بهيبة الصحابة والنيل من قدسيتهم. بينما عارض مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فكرة إنتاج أو عرض المسلسل بحجة أنه سيتعرض للنقد والتجريح، وطالب من يريد نشر السيرة أن يؤلف كتاباً.
على شبكة الفيسبوك إنقسم الجمهور مابين مجموعة أتخذت عنوان حملة أنا مع عرض مسلسل الفاروق عمر ومجموعة أخرى معارضة. المؤيدون لعرض المسلسل يتسائلون لماذا لم تقم مثل هذه الحملة حينما عرضت إيران مسلسلي يوسف و عيسى عليهما السلام، رغم أنهما أنبياء، وأن المسلسلين تضمنا تحريفا واضحا لنصوص ثابتة في القرآن الكريم، كما لم تعترض أي مرجعية على المسلسلات الإباحية من تركية وغيرها، في حين أن هذا المسلسل قد تمت مراجعته من قبل 7 من أكابر علماء الأمة، وتدعو حملة أنا مع الفاروق إلى مشاهدة المسلسل ومن ثم التعليق عليه. الحملة تذكرنا بالحملة التي أقيمت رمضان الماضي ضد عرض مسلسل الحسن والحسين، بنفس الذرائع والحجج، لكن كل من شاهد المسلسل أحس بقيمته التاريخية والعلمية لأنه يعرض القصة كما وردت في المراجع المنصفة، وبالتالي فإنه فنّدَ الروايات المختلقة التي تطعن في بعض الصحابة والخلفاء. ونتذكر كيف أن مجلس النواب العراقي عاف كل هموم العراق ومشاكله وركز على معضلة عرض مسلسل الحسن والحسين وأصدر قراره الثوري رقم 1 بمنع عرضه، والدوافع معلومة طبعاً، ليس بينها حُرمة تجسيد الصحابة وآل البيت، فالتشابيه التقليدية السنوية تتضمن تجسيداً للأئمة العظام علي والحسين والحسن وغيرهم ولم يعترض أحد على تلك التشابيه.
مفتي الديار السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ قام مؤخرا بتوجيه رسالة إلي تلك الفضائيات، مفادها أن يتقوا الله والأ ينفقوا أموالهم في الباطل، لأن هذا خطأ وجريمة .. الدعوى المقامة في مصر أمام القضاء المصري بذريعة عدم النيل من قدسية الصحابة، يرد عليها قسم من علماء الدين الآخرين أنه لا قدسية في الإسلام ، وكما قال الإمام مالك رحمة الله عليه كل يؤخذ ويرد عليه، إلا صاحب هذا القبر وأشار إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، لهذا تبقى الدعوة هزلية خاصة وأن المسلسل يتعرض لسيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكلنا يعرف من عمر. أما فتوى الشيخ الطبطبائي الكويتية فإن علماء يردون عليها بأنها لا تستند إلى اي مرجع علمي إلا فتوى قديمة للأزهر في عصر مضى ورحل، فتتنافى مع مرونة الإسلام وصلاحيته لكل العصور، حيث صارت المادة المصورة دراما كانت أو سينما من أهم وسائل المعرفة، وتساعد على إنتشار الافكار ووصولها لمختلف الناس والشعوب خاصة بعد دبلجة المسلسل لأكثر من لغة وبالتالي يحجر علماء الإسلام على من يعرض دينهم الحقيقي على غيره من الشعوب، ويرفضون أن تساهم الدراما في تحسين صورة الدين الذي اساء إليه حاملوه لدرجة إرتباطه بالإرهاب في الغرب، حيث لم يقصر صناع الدراما وعرضوا السيناريو على 7 علماء كبار، يتصدرهم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، ليخرج في أحسن صوره.
كما قيل بأن أكثر من 20 عالماً ومفتياً من كبار علماء المسلمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي أفتوا بجواز تجسيد احفاد الرسول والعشرة المبشرينبالجنة والصحابة منهم الشيوخ د يوسف القرضاوي، وسلمان العودة، وعبدالوهاب الطريري، وسعود بن عبدالله الفنيسان، وعبدالله الطريقي وعبدالعزيز بن عبدالفتاح، ووهبة الزحيلي، وعجيل النشمي، والشريف حسن الحسيني، وعبدالله بن الشيخ المحفوظ، ومفتي الديار المصرية السابق نصر فريد واصل، وقيس المبارك، وخالد بن عبدالله المصلح، وصالح بن محمد السلطان، وهاني عبدالله الجبير والدكتور اكرم العمري من العراق، وهم بذلك أفتوا بجواز عرض مسلسل عمر بن الخطاب مثلما أجازوا عرض مسلسل الحسن والحسين العام الماضي. بينما الفضائيات العربية تتهافت على شراء حقوق بث مسلسل الفاروق عمر ، جاء في الأخبار أن مسلسل الفاروق عمر سوف يشاهده خلال رمضان نحو ثلث مسلمي الارض ، حيث تمت دبلجته الى الاندونيسية ليشاهده200 مليون اندونيسي، وتمت دبلجته للتركية ليشاهده 100 مليون ناطق بالتركية، اضافة الى300 مليون عربي، وهناك مساع لدبلجته للاوردو والروسية، وبذلك سيحقق أعلى رقم مشاهدةعالمياً في وقت تحاول ايران واتباعها التصدي للمسلسل بدوافع طائفية موروثة، لانهم لحد الآن يحتفون بلؤلؤة الفيروزي قاتل عمر ويتبركون بقبره الذيصار مزاراً في ايران ، وهم يشجعون الحملة المعارضة للمسلسل ليس لذات منطلقات مفتى السعودية ولا حجج من أقاموا الدعاوى، بل إن كل ما يهمهم أن لايظهر عمر أمام أتباعهم بغي الصورة التي ربوهم عليها منذ قرون.
الضجة المثارة بدأت بعد عرض الأفلام الدعائية للمسلسل في تلفزيون قطر ومحطة ‘إم. بي. سي ، رغم أنه تم الإعلان عن إنتاجه قبل أكثر من عام ونصف وانقسم المسلمون إلى فرقتين.. أولى رافضة تماماً للفكرة من أساسها، وفرقة ثانية مؤيدة.
الفرقة المؤيدة لعرض المسلسل طرحت رؤيتها بهدوء ولم تدخل في نقاشات كثيرة، بينما الفرقة الرافضة التي ترفض المسلسل جملة وتفصيلاً، فهي حرمت العمل، وأوصله البعض منهم إلى درجة الجريمة، بل وتعمق بعض رموز تلك الفرقة إلى تفسيق وتبديع وزندقة من يؤيدون العمل، وأغلظت في القول ضد مؤيدي إنتاج المسلسل..
أحد المؤيدين قال في ديننا وعقيدتنا، الأنبياء لهم وضع خاص وقدسية لا يجب أن تُمس. أما الصحابة الكرام رغم مرتبتهم العظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين، فهم لم يصلوا إلى مرتبة الأنبياء، بل ظلوا بشراً لهم مكانتهم واحترامهم عندنا .. والنقاش الدائر الآن حول مسلسل الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، وتحديداً حول مسألة تجسيد بعض الصحابة الكرام العظام كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فهو أمر خلافي، يحكمه الإجتهاد المبني على المصلحة.
رحمك الله يا أبا حفص.. فقد أشغلت الناس حياً وميتاً وها أنت شاغل الناس، بين محب لك يريد أن يخلد أفعالك وإنجازاتك على شاشات الفضائيات ليراها الملايين، وبين محب لك لكنه يريد أن ينزهك عن التشبيه لأنه ليس هناك بين البشر من يستحق أن يكون نسختك ، وهناك طرف ثالث يمارس التقية فهو يبغضك في قرارة قلبه لكنه يصطف مع المعارضين لغايات في أنفسهم لأنهم لايريدون أن تعرف الأجيال الجديدة من هو عمر وماهي خصاله وأمجاده وأفضاله على الأمة أقول أن المسألة إجتهادية لايوجد فيها نص قاطع من كتاب أو سنة، يقضي بتحريم تجسيد الصحابة عبر التمثيل أو حتى الرسم، وهذا ما أدى إلى الخلاف ووجود أكثر من رأي حول مسألة جديدة، كالتمثيل السينمائي تحديداً، حيث لم يكن مثل هذا الفن حاضراً أو له وجود وقت نزول القرآن وفي حياة خير البشر عليه أفضل الصلاة والسلام، وعليه فالمسألة اجتهادية إذن، وطالما الأمر كذلك، فلا يجوز لي أن أجبر الآخرين على اتباع الرأي الذي أميل إليه وأعتنقه، وأعتقد صوابه.. هكذا الأمر في الفقه أو كما يقول الفقهاء.. والمسلسل يقع ضمن الأمور المختلف عليها بين العلماء، وتتجدد بين حين وآخر.
أعتقد أن مسلسل الفاروق هو الآخر بعد مسلسل الحسن والحسين، ضحية لخلافات بل صراعات بين رموز دينية إسلامية، إن صح وجاز لنا التعبير، وصار المسلسل ميداناً لذاك الصراع الدائر منذ فترة ليست بالقصيرة في أوساط وميادين إعلامية عديدة بين تلك الرموز. مسلسل الفاروق، أجازه علماء كثيرون فيما لم يجزه آخرون إعترضوا عليه. هذا له رأيه وذاك بالمثل. لكن المهم أن العمل من الناحية الفنية ضخم جداً وتكلفته عالية، لكن مع ذلك أرى أنه جزء يسير من إظهار الصورة العظيمة لرجل عظيم كالفاروق عمر رضي الله عنه، وأجد الأجيال بحاجة إلى أن تستشعر وترى عظماءها في أعمال فنية راقية عظيمة، مستثمرين التقنيات الحديثة والتكنولوجيا في تعزيز ذلك، ومنها تقنيات التمثيل أو فن السينما بشكل عام، وليس البقاء في صومعة الكتب والمحاضرات، فإن خدمة الإسلام العظيم لا تقتصر على الكتب أو المحاضرات أو ندوات هنا وهناك فحسب، بل تتنوع وتتوسع تلك الخدمات والإسهامات مع تقدم العصر وتقنياته. ولاشك أن مجالاً مؤثراً كالسينما بإمكانياته التأثيرية الهائلة في الإنسان المعاصر، مسلماً وغير مسلم بشكل عميق، إن استطعنا استثماره بالشكل الصحيح ووظفناه في خدمة نشر وتعزيز هذا الدين.
إن أجيالنا الصاعدة بحاجة إلى أن ترى أجدادها العظماء على شاشات التقنيات الحديثة، ذات التأثير الواضح، وأعتقد جازماً أن وجود أسماء بارزة في اللجنة التي أجازت المسلسل نصاً وتاريخاً وفقهاً، كالشيخين القرضاوي وسلمان العودة كأبرز اسمين مثيرين للجدال، والخلاف والنقاش في السنوات العشر الأخيرة، هو أحد أسباب هذا الخلاف أو الصراع على المسلسل ..
لقد خسرنا الكثير في استخدام السينما وفنونها للدعوة الى الاسلام، حتى جاء فيلم الرسالة، برغم كل آراء المعارضين له، إلا أنه أسهم في دخول الآلاف إلى دين الإسلام ممن شاهدوه وتأثروا به، وما زلنا بحاجة إلى المزيد لتعريف العالم وأبنائنا كذلك بأمجاد أجدادنا العظام ليس بالكلمات والمقالات والكتب التي ماعادت اليوم مؤثرة مثل تأثير السينما والدراما التلفازية. هذا الخلاف لن ينتهي بين يوم وليلة بل سيبقى، لأن مثل هذا الخلاف سيتجدد وسيتكرر بين الحين والحين حول موضوعات كثيرة خلافية لا وجود لنصوص قاطعة صريحة فيها.. وسيتكرر هذا الخلاف أيضاً طالما بقيت العقلية الإقصائية موجودة بيننا، وبقيت الآفاق قصيرة لا ترى سوى نفسها وتهمش الآخرين.. إن تحريم الفن، وإقفال باب التعامل معه، يخالف قاعدة أن الأصل في كل شئ الإباحة ، إلا ما كان حراماً بنص صريح، ونحن دوماً أمة الإسلام بحاجة إلى المبادرة والبحث عن الجديد، واستثمار التكنولوجيا في كل المجالات، ويجب أن في خلافاتنا، وتكون آفاقنا بعيدة، وصدورنا فسيحة، ونحترم المخالف ولا نجبره على رأي لا يتفق معه، حينها فقط لن نجد مثل هذه الضجة حول مسلسل تلفازي، أو عمل فني واحد، وكأنَّ قضايا الأمة وهمومها إنتهت وحُلّتْ ولم يبق لدينا من هموم ومشاكل سوى مسلسل تلفازي إسمه الحسن والحسين أو اسمه عمر..أو أبوبكر، أو عمر بن عبدالعزيز…
دعونا نحيي شهر رمضان المبارك، وندعو الله أن يبلغنا إياه، ويبارك لنا فيه.. وبعد إنتهاء رمضان، يمكن أن نعود من جديد لبحث وتقييم المسلسل في نجاحاته واخفاقاته.
/7/2012 Issue 4249 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4249 التاريخ 12»7»2012
AZP07























