تبادل التخوين في العراق

تبادل التخوين في العراق
عـــادل البيــــــاتي
لا أعتقدُ ولو للحظة واحدة، بأن هناك عراقياً شريفاً غيوراً على وطنه، لا يُحبّ أن يرى بلده العراق حراً معافى يتمتع بالرخاء والأمان والحكم الرشيد، ويعود مُهجَّروه إلى بيوتهم وأعمالهم، وينعم أهله بثرواته، وتعود الخدمات بأحسن مما كانت عليه في أي وقت مضى، وأن يُحكم العراق وفق ديمقراطية التداول السلمي للسلطة، وأن تزول كل مظاهر الشحناء والتوتر الطائفي، وأن يمارس جميع العراقيين طقوسهم وعباداتهم وعاداتهم بحرية وأمان بلا خوف من متفجرات، وأن يسود البلادَ العدلُ فلا يخشى مواطن آمن في داره من دهم عشوائي أو إعتقال تعسفي.. أو قتل على الهوية.
لكن الذي يجري كل يوم في العراق الجديد غير ذلك تماماً..
فالعملية السياسية العرجاء المليئة بالألغام التي صنعها المحتل الأمريكي والإيراني، على أسس المحاصصة الطائفية، أوجدت بطانة سياسية مخترقة، ودفعت إلى الواجهة عناصر ووجوه كالحة لاشأن لها بالهَمّ الوطني.. فإنتشر الفساد الإداري، وتردَّت بل إنعدمت الخدمات، وتحوَّل شعب العراق إلى أفقر شعوب العالم والمنطقة رغم أنه يعيش على أرض تمتلك كنزاً من الموارد المعدنية والبترولية.. فصار يحق ان يوصف بأنه أفقر شعب على أغنى بلد .
وهاهم اليوم، سياسيو العملية السياسية العرجاء يتبادلون الاتهامات والتخوين بينما البلد يشتعل بالأعمال الإرهابية والتفجيرات.. ويسقط العشرات بل المئات قتلى وجرحى كل يوم في أنحاء العراق.. جرّاء أعمال تفجيرات عبثية تخلط الأوراق بحيث تضيع هوية الفاعل والمستفيد.
تراشق متبادل بكل أنواع الاتهامات والتخوين والعمالة للأطراف الإقليمية.. ذاك يتهم الآخر بالولاء لأجندات إيران والآخر يتهم الآخر بأنه ينفذ أجندات إقليمية عربية.. ودستورهم المشوه صار وبالاً عليهم، بعد أن كانوا يقاتلون من أجله صار اليوم مصدر المشاكل للجميع.
وبينما دخان التفجيرات الأسود يتصاعد في سماء بغداد والمحافظات، وأشلاء الضحايا تتناثر كل يوم.. ويسبح الأبرياء بدمائهم وتحولت الشوارع إلى برك بل سواقي جارية من دم الضحايا.. وكأنما قدر العراقيين أن يدفعوا ضريبة السلطة المفروضة عليهم.. سلطة يفترض أنها تخدمهم، لكنها منشغلة بالصراع مع المنافسين من أجل التشبث بالسلطة بأي ثمن.. ولو على حساب أمن الناس. لقد بلغ عدد التفجيرات الأخيرة التي بلغ عددها في يوم واحد 42 تفجيراً، شمل معظم المحافظات العراقية، راح ضحيتها المئات من القلى والجرحى، وكلٌ يتهم الطرف الآخر بالمسؤولية.
السياسيون في العراق اليوم يخوضون ماراثون سحب الثقة من نوري المالكي رئيس الوزراء عقاباً على سوء أداء الحكومة وعدم تقديمها ومنشغلون بجمع التواقيع وتقديمها إلى الرئيس جلال الطالباني ليمارس سلطاته الدستورية في سحب الثقة من المالكي، بسبب فشله في وقف انتشار الفساد الاداري وتردي الخدمات، وقالوا ان التواقيع بلغت الـ 160، لكن الدستور اشترط اغلبية النصف زائداً واحد، أي بنقص عشرة أصوات عن النصاب القانوني، ثم أعلن الطالباني أنه لن يستمر في مشروع سحب الثقة، لعدم جدواه، وفجأة يغادر الطالباني العراق المشتعل ليجري عملية جراحية في ألمانيا، وهذه طريقته كلما ساءت الأمور في البلاد.
نوري المالكي المتشبث بكرسي السلطة باي ثمن، ويسعى لتكريس ولاية ثالثة، يتهم معارضيه بانهم يريدون زعزعة الامن والاستقرار الذي حققته حكومته بفضل إدلرته الحكيمة، بينما في الطرف الآخر اياد علاوي والبرزاني ومقتدى الصدر يعزون السبب الى خطة المالكي لتشويه سمعتهم. وبصرف النظر عن الجاني في هذه الجرائم المنكرة، فان جميع هؤلاء يتحملون مسؤولية إهدار الدم العراقي، فضلاً عن التهديدات المتبادلة حول كشف ملفات السرقة والفساد المالي والاداري التي يمتلكها كل طرف ضد الاخر. وهذا يعني وباعترافهم بأن لا أحد من رموز وقادة العملية السياسية بريء من جميع هذه التهم.
إن شخصنة جميع مشكلات العراق، وتصوير أن حلها يكمن في تغيير شخص رئيس الحكومة، هو طامة كبرى، وقصور في فهم ماجرى ويجري، فالعملية السياسية ونظام تكوينها والدستور الذي تم اعتماده لها، وحرص مختلف الأطراف على التمسك بقواعد اللعبة الطائفية الجديدة التي صنعها بول بريمر وقاسمي سليماني، فحتى لو تم اسقاط المالكي فلن يستطيع البديل مهما كان اسمه أن يتمرد على قواعد لعبة العملية السياسية الخبيثة، لأنه سيصطدم بقواعد المحاصصة العرقية والطائفية، والدستور المهلهل المليء بالألغام، والذي تم تصميمه من اجل تدمير العراق دولة ومجتمع، ودعك من المواد التي تضمنها والشبيهة بمواد الدساتير الراقية في البلدان الديمقراطية. فبدل ان يؤكد الدستور على وحدة العراق، فان المادة 118 تسمح بتقسيم العراق الى 18 دويلة على عدد محافظاته وليس الى ثلاث دول في الشمال والوسط والجنوب. ناهيك عن المادة الاولى في الدستور الذي جعلت من دولة العراق الموحدة دولة فيدرالية. وبدل ان يكون ولاء العراقي للوطن سمح وفق نظام المحاصصة ان يكون الولاء للطائفة او العرق او الدين. وبدل التأكيد على عروبة العراق، نزع هوية العراق العربية.
الحالة المزرية التي وصلت اليها العملية السياسية، والسقوط السياسي والاخلاقي لمتزعميها، والدمار والخراب الشامل الذي عم البلاد بسببها، والفواحش والجرائم التي ارتكبت بحق الناس، والعجز في تقديم الخدمات والامن، وحالة الاستياء التي عمت الشعب العراقي ضد هذه العملية واصحابها، تؤكدها أرقام وزارة التخطيط من أن عدد الذين يقعون تحت خط الفقر في العراق اليوم يبلغ 7 ملايين نسمة أي بنسبة 23 من الشعب العراقي، وأن 57 من السكان ممن هم في سن العمل هم خارج دائرة النشاط الاقتصادي. ناهيك عن توسع رقعة التصحر وجفاف الانهار، وتردي الأحوال العامة في بلد ميزانيته السنوية جاوزت المائة مليار دولار، لم يستفد منها العراقيون شيئاً.
/6/2012 Issue 4236 – Date 27 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4236 التاريخ 27»6»2012
AZP07