بين جيل وجيل – ناجح صالح

بين جيل وجيل – ناجح صالح

 

كان عالم الزقاق هو العالم الذي يضم بين دفتيه أبناء ذلك الجيل .. عالم جميل في طفولته وصباه ورجولته وحتى شيخوخته .

رضعوا معا حليب الطهارة والألفة والحب، في لهو بريء تتخلله مشاجرات لساعات ثم يعود الوئام

رابطا أبديا لا يفرقهم عن بعضهم بعضا .

في عالم الزقاق ذاك كانت بيوتهم من الطين غير أنهم مستأنسون بها، لا يتأففون من قر الشتاء ولا قيظ الصيف .. تعلو وجوههم الأبتسامات، قانعون بما يتوفر لهم من طعام وما يرتدونه من ملبس .

بسطاء من غير تكليف، متواضعون من غير تصنع .

يوقرون كبارهم ويحنون على صغارهم . أقوياء في أجسادهم، كبار في نفوسهم. يحتويهم الزقاق كأنهم أبناء أسرة واحدة .. اخوة في السراء والضراء، غرست في أعماقهم قيم وأعراف ورثوها من آباء وأجداد .

ورغم أن الفقر رسم طابعه على حياتهم الا أنه لم يخذلهم ولم يهزم ارادتهم، غير أن ما يمكن قوله أن أغلب شباب ذلك الجيل تحدى المستحيل ليحقق المعجزات ثم لينال شهادة العلم بتفوق.

الآباء أميون غير أن كثيرا من الأبناء متعلمون، كانوا في صراع مع الوقت ليحققوا أحلامهم، الأحلام التي كانت تؤرقهم لكنهم قطفوا ثمارها في أخر الشوط .. فيا له من جيل قادر على الأيفاء بتعهداته.

ومضت عقود من الزمن ليأتي جيل جديد يرى الرؤية المغايرة، أرغمته الأقدار لأن تطيح بأحلامه، فأفرز متناقضات في أسلوب حياته، بين فقر وغنى وشقاء وسعادة.

فتحوا أعينهم أولا في وسط من المتطلبات تفي بالتمني والأرتياح من مسكن ومأكل وسلع كمالية بعيدا عن الأزقة والحواري . لقد نقلهم الآباء الى زخم المدينة وهوسها وضجيجها، غير أنهم لم يعتادوا على مجابهة المواقف الصعبة فظلوا ينتظرون من الآخرين انتشالهم من المآزق التي يقعون بها.

أصابهم غرور ثم احباط، ولم تكن الألفة تشدهم الى بعض ولا المودة، في داخلهم عواء وصراخ وخوف بفعل الأجواء السياسية المضطربة فزادتهم هموما على هموم، ولم يعودوا قادرين على تحمل الأعباء الثقيلة التي تكسر كاهلهم، لينشب صراع في داخلهم كالبركان ما يلبث أن يتبدد بعدئذ.

كيف يتسنى لمثل هذا الجيل أن يفهم واقعه وهو يرى بأم عينيه ما آل اليه الوطن من حروب متتالية أفقدت فيه الجمال والنضارة والبهاء مع رحيل الأعداد الهائلة من أقرانهم الذين شيعهم الموت، انها جراح ظلت تنزف لسنين دون أن يكون ثمة أمل في شفاء، فيالها من محنة مظلمة ظل صداها يساور النفوس ردحا من الزمن غير قصير،ويا له من جيل كان يحلم بالأماني لتفاجئه الخيبة تلو الخيبة.

كركوك