بناء الثقة وإعمار النفوس قبل إعمار المدن – سامي الزبيدي

بناء الثقة وإعمار النفوس قبل إعمار المدن     – سامي الزبيدي

كانت من أهم الأسباب الرئيسية لاحتلال الموصل والمحافظات الأخرى من داعش هو التعامل اللامهني واللامسؤول واللاانساني والطائفي أحياناً من قبل قادة وآمري تشكيلات ووحدات الجيش والشرطة العاملة في تلك المحافظات والذي أصبح نهجاً لمنتسبي تلك التشكيلات والوحدات تمارسه يومياً على مرأى ومسمع المسؤولين الحكوميين يضاف الى ذلك فرض الإتاوات واستحصال مبالغ كبيرة من قبل قادة تلك القوات وآمريها من التجار والمقاولين وأصحاب الشركات والميسورين من أهالي تلك المحافظات وإرسال جزء من هذه المبالغ العالية الى قيادات عسكرية وأمنية وسياسية في بغداد فانشغلت القيادات والتشكيلات وقادتها ومنتسبيها بهذه الأمور وأهملت واجباتها الأساسية في حفظ الأمن وحماية المواطنين وحماية المدن وشكل الفساد وسوء الإدارة وسوء القيادة وشراء المناصب القيادية بمبالغ كبيرة من قبل ضباط غير كفوئين وغير مهنيين وغير نزيهين إضافةً الى انتشار ظاهرة الفضائيين في الوحدات والتشكيلات أسباباً مهمة أخرى  لجريمة احتلال الموصل فمن بين ألفي مقاتل في اللواء لا يلتحق منهم بالواجيب إلا مئتين فقط والباقين مسجلين في سجلات الرواتب حيث تذهب رواتبهم الى القادة والآمرين كما أدى ارتفاع وتيرة الشد الطائفي والممارسات الطائفية والقمع والاعتقالات بحق أبناء الموصل والمحافظات حداً لا يطاق حتى باتت تسمية القوات العسكرية والأمنية باسم رئيس الوزراء السابق لإيغالها بالممارسات الطائفية والفساد وابتعادها عن مهنيتها وحياديتها وواجباتها الأساسية , كل هذه الأمور مجتمعة يضاف إليها ضعف القيادات العسكرية والأمنية العليا وقلة كفاءتها وخبرتها وانشغالها هي الأخرى بالفساد وعدم متابعتها لما يجري في الموصل وعدم اتخاذ الإجراءات الصحيحة للدفاع عن الموصل والمدن الأخرى ووضع الخطط الكفوءة والمحكمة للدفاع عنها وإجراء الممارسات العملية على هذه الخطط  لمعرفة الثغرات والجوانب السلبية فيها وإدخال التعديلات اللازمة  عليها  والاهم من ذلك خيانة بعض السياسيين والمسؤولين التنفيذيين لوطنهم وشعبهم  وتعريضهم أمن الوطن وسيادته الى مخاطر كبيرة لجهلهم بأمور القيادة والإدارة فساهمت هذه الأسباب كلها في نكبة الموصل وسقوطها خلال ساعات بيد مئات من الدواعش مسلحين بأسلحة خفية ومتوسطة بعد أن فر قادة القوات والتشكيلات والقلة من المقاتلين المتواجدين على الأرض تاركين مواضعهم وأسلحتهم ومعداتهم وآلياتهم لتغنمها داعش ولترتكب أفضع الجرائم وتسبب أكبر المآسي والكوارث لأبناء شعبنا من مختلف القوميات والأديان والطوائف وتدمر مدينة الموصل وارثها الحضاري والتاريخي ومن ثم والمدن الأخرى التي احتلها لاحقاً.

 معارك ضارية

 والآن وبعد معارك ضارية وبطولات لا توصف وتضحيات كبيرة لقواتنا العسكرية والأمنية وتضحيات أبناء شعبنا كذلك تمكن أبطال جيشنا الباسل والقوات الأخرى من تحرير الموصل في واحدة من أكبر واعقد وأنجح معارك المدن في التاريخ الحديث وقبلها حرروا صلاح الدين والرمادي والفلوجة , ولكي يُستثمر هذا النصر سياسياً وأمنياً وعسكرياً واجتماعياً يجب تجاوز كل سلبيات الماضي وكل الأسباب التي أدت الى سقوط الموصل خصوصاً الممارسات الطائفية والتضييق على المواطنين واعتقالهم بتهم كيدية وعدم احترامهم واحترام حرياتهم الشخصية والحريات العامة وفرض اموال عليهم واستحصال المبالغ الكبيرة من التجار والميسورين لإرضاء قيادات عسكرية وسياسية عليا فاسدة ويجب البدء بصفحة جديدة وبروحية جديدة روحية التسامح وبناء الثقة التي بذرت بذرتها الأولى قواتنا المقاتلة عند تحريرها الأحياء السكنية وتعزيز هذه الثقة وبناء النفوس المنهكة والمحطمة والمدمرة قبل بناء المدينة حيث فقد أبناء الحدباء أعزة عليهم من ذويهم وأبنائهم ونسائهم وأطفالهم وفقدوا جزءاً مهماً من ارث مدينتهم ورموزاً عديدة من تاريخها وحضارتها كما فقدوا ممتلكاتهم ومنازلهم ووسائل عيشهم ورزقهم , فان ما يحتاجه أبناء نينوى والمحافظات الأخرى اليوم كسب ودهم  ورفع معنوياتهم وتعزيز ثقتهم بالأجهزة الأمنية وبالقيادة السياسية وطمأنتهم على مستقبلهم ومستقبل مدينتهم ويجب أولاً وقبل كل شيء البدء بإنهاء معاناة النازحين منهم وتوفير سكن مناسب لمن فقد سكنه وتوفير الخدمات الأساسية لهم وإعادة رواتب الموظفين والمتقاعدين منهم وتوزيع مساعدات مالية واغاثية عاجلة عليهم ومن ثم وضع خطة شاملة وسريعة لأعمار المدينة وإعادة الحياة لها ولأهلها بالاستفادة من إمكانيات الدولة ووزاراتها ومؤسساتها والاستفادة من المساعدات العاجلة  التي قدمتها دول عدة ومنظمات دولية لأعمار المدينة ويجب ألا يُسمح أن تشوب عملية الأعمار سواء أعمار النفوس أو أعمار المدينة المزايدات السياسية والفساد وأن يستغل بعض ضعفاء النفوس من السياسيين الانتصار الكبير لقواتنا المسلحة في الموصل لأغراض سياسية وغايات انتخابية كما يجب ألا يُسمح للفاسدين والفاشلين ومن تسبب في نكبة الموصل ومأساة أهلها بان يكونوا طرفاً في عملية الأعمار والبناء وإعادة الثقة لأنهم لازالوا في نظر أهل الموصل والعراقيين جميعا رمزاً للخيانة والهزيمة والسفالة والنذالة والطائفية ولان كل المآسي والكوارث والخسائر البشرية بين العسكريين والمدنيين والخسائر المادية الكبيرة كانت بسببهم وبسبب خيانتهم  وخيانة قادتهم العسكريين والأمنيين الفاسدين والفاشلين وبسبب فشلهم في إدارة الملف الأمني والعسكري والسياسي للبلد .