اليهود المصريون صحفهم ومجلاتهم 1877- 1950
دراسة المحتوى بقصد كشف النوايا
مهدي شاكر العبيدي
كثيرة هي الدراسات والمباحث المعدة من لدن كتاب مصريين ومشتغلين بالصحافة ومنقطعين لتقصي الحقائق الخافية والبواعث الكامنة وراء صدور الجرائد والمجلات في بلاد النيل وإضفاء ما يحسن أن تتجمل به من هذا الطابع الفني والجمالية المغرية بتداولها ورواجها بين عموم الجمهور ، ككتاب ” عمالقة الصحافة” لنقيب الصحافة المصرية حافظ محمود وذلك قبل سنوات وغيره ، مما عني بتقديم فكرة إجمالية عن كفاح روادها فضلاً عن التنويه بسابقتهم وتبريزهم في الجانب الأدبي وحرصهم على متانة لغتهم وطواعيتها في الوقت ذاته لإربتهم وحاجتهم ، فيعينهم ذلك في توضيح آرائهم ومعانيهم موحين لمتابعيهم من القراء العرب في كل مكان بأن المهنة الصحفية غدت جديرة بأن يقبل عليها ويحاول مراسها من يأنس في نفسه الاستعداد والرغبة في امتهانها وجني لوازم عيشه منها ، إذ يلتقي التأهيل الأدبي بهذه الخصيصة من المرانة وتحاشي الحمل على النفس وأخذها بالرهق والتعنت ، أو خلافهما من التزام وتوخي التعبير الصحيح والتأدية السليمة والإبانة عن مختلف وجوه النظر والرأي بشكل مقبول ، فذلك ما يكفل لفنون الأعمال والمنجزات الصحفية ما يلزم لها أن تنطبع به من الرصانة وامكانية القبول بها والتسليم بصحتها ، وأنها صنو للحقيقة وابتغاء المصلحة العامة ، وهما في واقع الحال بمثابة لباب العمل الصحفي بعيداً عن المين والانتحال والاختلاق والكذب . إن ما وقع في يدي إبان السنين الخوالي من هاته المطبوعات والرسائل تطرق في فصوله مثلاً لشرح حال الأخوين مصطفى وعلي أمين وقصة كفاحهما الموصول لتأسيس دار أخبار اليوم وآخر ساعة والكتيبات التي تصدر عنها من آن لآن لأعلام الرأي والتفكير والثقافة ، أو تمضي في سرد انقطاع الكاتب محمد زكي عبد القادر لتحرير مجلة الفصول مستهوناً في ذلك ملكاته الأدبية ، أو تتقصى سيرة حياة السيدة روز اليوسف اللبنانية الأصل وتحولها من التمثيل وألفة الوسط الفني إلى مزاولة الصحافة السياسية والأدبية ، جاعلةً وكدها معارضة الحاكمين الباطشين أثناء زوغانهم عن الحق وتشبثهم بالباطل واقترافهم من الأوزار والأفعال الشائنة مما لا يليق بالرجل الكريم أن يتورط فيه وينجّر إليه ، وإنما يستدعي ذلك الهيئة الاجتماعية التي يحكم باسمها أن تتوجه نحوه بالتنبيه والنصح فإن لم يجديا ويدركا فعلهما في كبح جماحه وردعه مما هو فيه من العنفوان والبطش بمناوئيه ، فلا مناص من الاجتراء على سلطته أو جعل ذلك مشروعاً مؤجلاً ويمهد له بالتدريج بأن ينبري جمهور الوعاة والعارفون بتردي الأوضاع المعيشية وسوء الحال ما يؤول إلى تحشيد الاجماع الشعبي فينزعون ثقتهم به منه ، وقديماً قيل إذا الشعب استطاع أن يقول ويعلن سخطه على حاكميه الجائرين والمفسدين جهاراً ، فمعنى ذلك أن سلطتهم لا محالة تزول في قريب الزمن أو بعيده ، ولم تحتو تلك الآثار والكتب على ما يفصل في مداومة رعيل من أبناء الطائفة الموسوية أو اليهودية التي هي أحد مكونات الشعب المصري وتتمتع طوال الحقب الماضية بكامل حقوقها وحرياتها سواء في مزاولة عباداتها وشعائرها الدينية أو في التوظف وانخراط فتيتها في مدارس الحكومة ، وبالتالي فلعلها تحيا في أسعد حال ومستوى من العيش الرافه الرغيد ، بعد هيمنتهم على أمور التجارة والاقتصاد وتمرسهم بالأعمال الزراعية والصناعية بقدر ، وقد يكون ذلك بقصد أو بدونه أو يعزى لكلفهم بالعمل وعزوفهم عن البطالة والخمول فضلاً عما جبلوا عليه من الذكاء والمثابرة والنشاط ، قلت لم تعن هذه الصفحات بإقبال مثقفي اليهود على امتهان الصحافة وتبني نخبة منهم لقضية توطين يهود العالم في فلسطين واحتضانهم لوعد بلفور في استحواذهم على سائر بقاعها ومرابع الديار المقدسة ، وتعهد لهم بالنيابة عن حكومة بلاده ، بأنه متى تسنح الظروف وتتهيأ الفرص فلسوف تعمل بريطانية بما وسعها من جهد لإيجاد وتوطيد كان لهم في فلسطين وافتعال دعوى تفيد بأنها ارض اجدادهم وأسلافهم القدامى ، فلا بد من أن يعودوا إليها ويشيدوا دولة ولو على حساب تشرد أهلها وهيمنهم على وجوههم ، ولا من يغيثهم وينجدهم ، فعليهم ان يوقفوا جهودهم لرعي هذا الوعد والتمهيد لجعله أمراً واقعاً أمام أنظار العالم حتى يعترفوا لهم به ويقروا بشرعيته ، وأن لا يبالوا بمن يعترض عليهم من الجنس البشري ممن يخالونهم أقلية من سكنتها الأصليين العريقين وقديمي العهد بها ، إذا حبذوا لأبناء جلدتهم المنتشرين في أنحاء متباعدة من هذه المسكونة بأن يهاجروا منها وينزحوا صوب فلسطين ليتضاعفوا وتتزايد أعدادهم ويباشروا شراء الأراضي ويشيدوا مدنهم بالتدريج بيتا بيتاً ويشقوا الطرقات والشوارع وتتبعها مؤسسات ودوائر خدمية وتؤول هذه الجهود جمعاء، وتكلل بعالم زاه ومزدهر بالحضارة ، ومعنى ذلك ودلالته انهم إذا انصاعوا لهذه الدعوى وتبين لهم أن بريطانيا إذا خرجت من الحرب العظمى منتصرة فقد تعينهم على تحقيق حلمهم الذهبي هذا بمالها من اقتدار وسطوة ومشيئة نافذة في المتسيدين بكثير من الدول القوية والضعيفة ، فيعني ذلك أنهم تكشفوا عن جبلات وأطباع وسلائق هي في منتهى الحطة والتدني والخلق الوضيع وما يلابس هذه الأوصاف ويتصل بها من الكنود والعقوق ، وإنكار آلاء البلاد التي أنجبتهم وتربوا فيها وعلى أرضها عاشوا وتحتوي قبور ذويهم وأسلافهم منذ أبعد الآزال أي منذ فجر الديانات السماوية وعهد الناس بالتعبد واهتدائهم إلى أصول الأكوان وسر الوجود ، وقد لا تتأى هذه المواصفات الجارحة ليصمهم بها ويدمغهم أو يسهو عنها بيان الكاتب البليغ ، لكن الأوجع أن تستطيل أقلام هذا النفر على حرمات الأهالي وتنتهك ذمارهم ولا تكترث بسخطهم عما يجري هناك من تسلط وعدوان ومصادرة لممتلكات العرب الذين خدعوا ببريق المال لشدة حاجتهم له بغية إنفاقه في وجوه أخرى فتنازلوا لهم عنها ، إلى أن تنبهوا على ما حلَّ بهم ونزل بساحهم من بأساء وضيم بعد فوات الأوان ، والأوجع أكثر أن تمثل هذه المهازل وتبلغ ذروتها من المجاهرة والمكابرة والتحدي وادعائهم أحقيتهم بفلسطين على مشهد من الساسة المصريين وذوي الشأن وغضهم الطرف عنها كأن ليس من حولهم ما يخل بالسلامة العامة .
ذلك جماع ما كرست لتحريه جهدها الباحثة المصرية سهام نصار يوم تقدمت ببحثها الرصين والمهم هذا إلى كلية الإعلام بجامعة القاهرة لنيل درجة الماجستير في موضوع صحافة اليهود العربية في مصر ، وقد انتهت منه عام 1978م ، حيث نوقش في يناير 1979م ، وأزمعت على طباعته ونشره بين الجمهرة الغفيرة من الملأ بقصد لفت أنظارهم وأبصارهم الملوية كشحاً عما كان يبيت لتكدير وجودهم وحياتهم من الأحابيل والدسائس ، وشرعت بإجراء بعض التعديلات الطفيفة عليه وفي بعض فصوله من حيث تنسيقها وترتيبها وتضمينها شروحاً وافية محيطة بأوضاع اليهود السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر ، كما هي عادة سائر الأكاديميين في انتهاجها واختلاق المسوغات الكثر لذلك لوعنّ لبالهم الادلال بثمرات جهدهم للناس مطبوعاً وأن يجيء ضافياً ومطولاً بعض الشيء ، وقد تولت عنه دار العربي للنشر بالقاهرة دون النص على سنة طباعته ، واستهل بمقدمة موجزة كتبها الدكتور خليل صابات استاذ الصحافة المتفرغ بكلية الإعلام أثنى فيها على ما تميزت به الدارسة من صفات المهل والأناة والتؤدة وتوخي الدقة في استخلاص النتائج والأحكام في غير تأثر بما هو شائع ومألوف ومتفشٍ في الحياة اليومية من مقولات وآراء مجانبة للعقل والمنطق ، وملتزمة بالعاطفة والهوى الشخصي ، وتنأى عن الموضوعية والضمير العلمي مسافات ، وأتى في القسم الثاني منها على فرط اهتمامها بفضح غفالة ذوي الشأن من الساسة المتعاقبين على تولي الزمام في البلاد وعن سعي اليهود الحثيث في التمهيد لإنجاح مشروعهم الصهيوني كمحصلة لا محيص منها بالتالي بعد تذكير أرباب العقول والقابليات الأدبية منهم من المنخرطين في صحافتهم ، وتنبيههم بني جلدتهم على زعمهم بأن أسلافهم الغابرين كابدوا من الاستبعاد والقهر طوال تاريخهم على يد المتعسفين من طغاة البشرية ما لا مندوحة من الانعتاق والتخلص منه نهائياً وبما وسعهم واللياذ بأرض الميعاد ، دون أن تبتدر ولا سلطة واحدة على مر السنين تصَدّر فيها المسؤولية غير رعيل وطني غيران على ضمان الأمن والسلم الأهلي بين المواطنين ، لكنه نكص عن أولى ما تستدعيه ذمته من ردع هذه الأعمال الخرقاء وتأديب ذويها وصرفهم عنها .
في الصفحتين 159و160 ، تدرج المؤلفة قائمة بالصحف والمجلات التي أصدرها يهود مصريون بدءاً من عام 1877م حتى عام 1950م ، تحلى كثير منهم بالختل والتضليل والخداع والمداهنة والتمويه على الجمهور العام بتمرير ما يبغيه من أفكار ومقاصد ، وينتويه من آراب وأهداف ، من قبيل جعل غالبيته توقن بأن اليهود كأهل كتاب هم أصفياء النفوس وأنقياء الضمائر ، يسعون بين الناس المنسابين هم في غمارهم ، في سبيل نفعهم وانعاش حياتهم وتنقيتها من الأوضار والخسائس والدنايا ، وبالنسبة للمجتمع الوسيع فهم بناة الحضارة والحراص على إعلاء مجد الوطن وإحياء تراثه الخالد ، ولا يهمني سوى أن أذكر منها ثلاثاً هي أحفلها نشاطاً وأشدها تحمساً وأوفرها إسهاماً في اغواء عامة اليهود المصريين بالنزوح على مراحل وبشكل دفعات عن بلاد النيل والتوجه صوب الديار المقدسة للمشاركة في تشييد البنى والمنشآت في المدن الفلسطينية التي استحوذوا عليها بالشراء من سكنتها بعد أن عاث فيها الخراب والتداعي بمر السنوات ، والمساهمة كذلك في التصدي لمقاتلة من يأنسون من جانبه اعتراضاً أو يتوهمونه ساخطاً يفترسه الندم على تنازله لهم عن مواطنته ، هذه الألوكات والدوريات هي : اسرائيل ، الصادرة عام 1929م لصاحبها ألبرت موصيري وتصدر تارة على انها صوت الطائفة الاسرائيلية بمصر أو تحررها زوجه المدعوة ماتليدا موصيري، والشمس ، المجازة عام 1934م لصاحبها ومحررها سعد يعقوب مالكي ، والتسعيرة لصاحبها البرت مزراحي وتاريخ صدورها عام 1944م ، وبقية الصحف تلتقي معها على المدى القريب والبعيد ، من الاتفاق على تكلل المساعي بالوصول للهدف الأسمى من تشييد وطن قومي ينقذهم من الشتات والتبعثر في أرباض الدول يُصب عليهم الهول والخسف أو يسكتون على مضض جراء فنون الازدهاء والاحتقار على يد من انفار من الناس أساءوا فهمهم فيرمونهم بالطماعية والربا الفاحش كم يخالون ويتوهمون ، وقد تفنن أولاء الأرباب الثلاثة في شحذ لاعجات نفوس بسطاء اليهود وتأريث طوياتهم بالحرد والمجافاة والغضب وكراهية الإنسانية العفة عن التجلبب بمثل هذه الدنيات والخسائس ، وأوقفوا كل ما لهم من امكانية واستعداد لتزويق القول بالباطل وفبركته وتنميقه وتحليته على أنه صادع بالحق المبين والذريعة المقبولة في نفس الوقت الذي مدوا فيه حبالاً نحو رجالات مصر وساستها المتنفذين ، وحظوا بعطف العرش الأبوي على أنهم متخلون عن نحائزهم العرقية والدينية ، وسط اعضاء الجميع عن إحسانهم المداورة وتذبذبهم علانية ، يوماً مع الوفد ويوماً يصطفون بجانب أخصامه ومعارضيه ، وتارة يهيجون الشعب بمقالاتهم النارية على التخلص من النفوذ البريطاني ، وتارةً يؤثرون مهاودته حتى لا تتمادى عساكره الفارضة انتدابها على فلسطين في اتخاذ مواقف منحازة لصالح العرب في صراعهم وتقاطعهم معهم ، علماً أن الانكليز هم الذين منوهم بهذا المأمل ، وما أدري أهي لعبة بين الانكليز والصهاينة تقصر عن إدراك مراميها وغاياتها الأفهام والعقول ، أم هو لغز يرتد عن تفسيره أذكياء بني الإنسان ؟ ويبلغون من الاجتراء والتوقح حداً بجريدة شمس في عددها الصادر ليوم 21/ 7/ 1944 ، أن تنشر : اليهود بحاجة إلى وطن ، والوطن بحاجة إليهم ، فليتحدوا ليكونوا قوة واحدة يفهمون بها العالم أجمع أنهم عازمون على أخذ حقهم بالكامل في الحياة بأيديهم ” ونحن نقيم التظاهرات الاستنكارية في كل رجأ من أرجائنا وناحية من نواحينا ، وشعراؤنا يتبارون في قصائدهم حول أي منها أدرك سؤله وأبلغ سمع العالم بمضمونها المصوغ والمحبوك بقوالب هي غاية ما يسمو إليه الوجدان من البداعة والأسر والتأثير حتى في الجمادات ، بل إن هذه الصحيفة نفسها شمس استهدفت مجلة المصور الشهيرة بهجوم عنيف متهمة إياها بالانحياز والتعصب وحذرتها من أن تتحامل على الطائفة بدون وجه حق ، سوى توقها لتمزيق الصفوف الوطنية وامتثالها بمشيئة دول اجنبية لارتباطها بها بالعمالة ، وذلك لمجرد نشرها ذات يوم صوراً للمهاجرين اليهود إلى فلسطين من الشباب والرجال الأقوياء وليس منهم من هو كهل أو طفل ، كما يدعي الصهاينة . وهناك ما هو أشنع في افتضاح وتكشف مدى اللابالية والجهل والمروق بله الانحدار للخيانة الوطنية والنصول من الآصرات القومية لدى بعض شخوص المتصدرين أو المستأثرين بالوجاهات والمناصب وذوي الأنفس الضعيفة ، إذ تفيد الكاتبة في سياقات بحثها أنه غداة ” صدور تصريح بلفور عام 1917م ، أحدث موجة من الفرح الغامر بين أبناء الطائفة اليهودية في مصر ، ففي أعقاب صدور التصريح أقامت المنظمة الصهيونية حفلاً بمدينة الاسكندرية حضره احمد زيور باشا محافظ الاسكندرية في ذلك الوقت وكبار رجال الطائفة حيث عرضت مسرحية تعيد للأذهان صوراً للمتاعب التي واجهها اليهود في روسيا ” .
وبعد ثماني سنوات نحيط بتبويئه منصب رئاسة الوزراء من لدن ملك البلاد فؤاد بن اسماعيل لا لأنه وثق بنزاهته أو ركن لعصمته من كل شين وريب ، بل لأنه عهده موظفاً مطيعاً ممتثلاً وسهل المقادة لأي مشيئة وارادة ولا شأن له بالشعب وما يلهج به من رغائب ومطالب ، ولا تعنيه قضية الاستقلال الوطني البتة بدليل أنه رقي إلى الوزارة بعد مقتل السردار وانصياع سعد زغلول للإنذار البريطاني بالتخلي عن الحكم ، كما حضر حفلاً تحت رعاية اللجنة المركزية لمنظمة الصهيونيين بمصر مع وفود تمثل 20 منظمة مختلفة في مصر وفلسطين وحاخام الاسكندرية المدعو ديللا بيوجولا .
وإجمالاً فرسالة الاستاذة الاعلامية سهام نصار والتي هي الآن حتماً حائزة على شهادة الدكتواره كما وعدت قراءها في تقديمها المبتسر الوجيزوستنبري لنشر استنتاجاتها ومحصلاتها ، كان ذلك قبل أكثر من ثلاثين سنة وما بعدها من إلحاف بنجاز الوعد ، نقول إجمالاً أن الرسالة ذي أحق ان تندرج في عداد المأثورات التاريخية التي يستلهمها الناس بقصد الاعتبار والاستفادة مما مر به الأسبقون من صنوف الأحوال والشؤون والتجارب ، كي يكونوا على بينة من نزوات حاكميهم وأهوائهم ، حتى يجانبوا التفريط ولا يترخصوا بأشبار أخرى من رباعهم وديارهم .
وتمعن الباحثة في التنقيب في دور الكتب والوثائق هنا وهناك لتعثر على مجموعة من الأسانيد والدلائل التي استند إليها الدعاة الأوائل الصهاينة في الاستمساك بحجتهم وأنها أبعد عن الزعم والتلفيق والفبركة والانتحال لاسيما أنها تبين ممهورة بتواقيع رجالات العرب وأشياخهم والناطقين باسمهم من الواهمين أنهم لا يقطعون بأحكامهم وآرائهم عن هوى ونزوة، إنما يمثلون الضمير العربي الذي محضهم ذووه ثقتهم وناط بهم تجسيد إرادته، ولا يخفى ما تضطرهم الأحوال والظروف والملابسات الشائكة العويصة من الختل ومغادرة نفوسهم جوهرها النقي ، فترتكس في مهوى لا منجى منه ولا فرار من احتساب ما تنجم عنه مؤاخذة يعقبها تشهير بموقفهم المنخذل ولا يعقبه إشفاقة أو شافع ، فحين تسنم المرحوم فيصل الأول عرش سوريا بعد فض نزاعه مع أسياده الترك حيث كان عضواً في مجلسهم المبعوثاني وامتثل باِمرة والده الحسين دفاعاً عن حرية العرب واستقلال أوطانهم، التقاه الداعية الجهبذ للفكر الصهيوني حاييهم وايزمان وعقد معه اتفاقاً حول ضرورة تعاون العرب مع اليهود أينما وجدوا في كل شيء ، وذلك في أسباب المعاش وخدمة النوع ما دام ذلك محققاً مصلحة الطرفين ومنهياً انكماشهم ومؤدياً إلى إسفارهم عن وجوههم بلا طلاء أو تحفظ : ” وللقارئ أن يحتسبها من الزلات الهينة أو التخاريف المختلقة أو الموضوعة وعارية من الصدقية والحقيقة ، غير أني أذكّره بشهادة السياسي الراحل مزاحم الباججي حين استجاب لدعوة المحكمة العسكرية الخاصة بمحاكمة الأنصاب والمستوزرين في الحقبة الملكية فشهد بها أمامها ، علماً أنه من المسلوكين في ركبهم حين توليه المقادة في بعض الحالات والأحايين وخرج منها مجفواًوشبه مغضوب عليه ، ولا من معضلة شائكة محوجة لحل وحسم كي يؤتى به لمجاوزتها وتخطيها ، وختم حياته بسويسرا بعد حركة 14 تموز ، وكان معدوداً من ذوي المعرفة والثقافة ومعايشي الأسفار والكتب ، وقد أبصرته لوحده خارجاً من المكتبة العصرية بعد محاورته لصاحبها القديم الناشر محــــــــمود حلمي وفور مغادرته رئاسة الوزراء بلا حمايات ولا أسباط وأصهار ، وذلك قبل أكثر من ستة عقود ، وأغرب منه تجواله بصحبة الصحفي الرائد عبد القادر البراك في طرقات محــــلات الكرخ لمشاهدة ما تبقى فيها من الآثار الدارسة والاحتفاء بمذخورهامن المقامات وقبور الأولياء والصالحين ، ونص الاتفاق بينــــهما على أن تعطى فلسطين لليهود والتي هي لا تزيد على جزء صغير من المحيط العربي كما تقول صحيفة شمس في حالة قيام دولة عربية مستقلة ووحدة عربية ، والكلمات الأخـــــــيرة مشوبة بالغموض والانسيابية ، فعلى أي مساحة أرضية تنبسط الدولة العربية المستقلة ومتى تتحقق وحدتهم الموعود بها من لدن الدهاقين وتجار السياسة .























