الهوية الضائعة – حسين جليل

حسين جليل

الهوية الضائعة … بين مطرقة القومية وسندانة الدينية

على مر التاريخ كان الانتماء الوطني والعقيدة الدينية والحس القومي مبادئ ثابتة بخطوط متوازية لدي اي مواطن في بلد متنوع الرؤى والايديولوجيات مثل العراق، إلا أن هذا الثالوث القيمي تحول لخطوط متقاطعة ومتشابكة بعد التحولات الفكرية و الأيديولوجية التي بدأت مع بداية صراعات المنظمات الدولية على المنطقة وتأسست على اثره مراكز بحوث عالمية لتغييب الوعي لدى الفرد الشرقي، ومع تطور الإعلام وحملات الحروب النفسية بات من الصعوبة احتواء العقل الشرقي لثلاثة مبادئ في آن واحد ، رغم أن الإنسان القومي لا يمكن أن يتجرد من دينه أو وطنه، كما العكس ، ولكن عملت تلك المراكز باحترافية عالية وترك صداها الاعلامي آثره السلبي على الفرد والمجتمع ، وكان العراق من بين الدول التي تأثرت بتلك الصراعات الفكرية بعد أن اصبح هدفا لتلك المنظمات لموقعه الجغرافي أولا” ولثرواته الطبيعية ثانيا” وقدراته البشرية ثالثا” ، ومما ساعد على تنمية ونجاح تلك المخططات لاحتوائه على التنوع الديني والأثني ، حيث تم التركيز على تغذية روح العنصرية القومية والتطرف الديني فأوصل المواطن العراقي إلى مفترق الطرق أحلاهما مر ، فكان عليه ان يختار إحد تلك التوجهات دون الأخرى .

وبعد قيام النظام الجمهوري وحتى عام ٢٠٠٣ طغت العنصرية القومية على الدولة العراقية التي ولدت نتيجة أبحاث احترافية لمراكز القرار العالمية من أجل إقناع المواطن العربي بمحاربة سياسة التتريك ، مما سيطر تلك الأفكار على جميع مفاصل الدولة وصلت الى حد المناهج الدراسية ووسائل الإعلام ، ولكن ما حدث بعد سقوط النظام في ٢٠٠٣ يمكن اعتباره انجازا ديمقراطيا ضمن الساحة العربية التي قامت على الانقلابات العسكرية او الارث العائلي، فقد شهد العراق انفتاحا كبيرا في مجال الديمقراطية وأنتجت الاحزاب والكيانات السياسية والمؤسسات الإعلامية ، ولكن عدم وجود رقيب أو حسيب على تلك المنظمات والمؤسسات ساعدت على تسريع خطى تلك المخططات الدولية مستغلين اجواء الديمقراطية والحرية الممنوحة للشعب ، فمرت تلك المخططات بعدة مراحل متقنة ؛ المرحلة الأولى تمثلت بتنوع الدراسات للمكونات القومية في العراق العربية والكوردية والتركمانية والسيريانية ومدارس الأوقاف الدينية سواء المسيحية أو الإسلامية بكلتا شقيها ، وكانت سياسة كل طرف من هذه الاطراف العامل الاساسي في مناهج تلك المدارس بعيدا عن العملية التربوية الرصينة مما ادى الى خلق جيل متعصب مؤمن بسياسة العنصرية أو الطائفية متجاهلا الأسس الصحيحة لبناء الفرد عليما وثقافيا وعدم شعوره بالحس الوطني.

أما المرحلة الثانية بناء المرافق الدينية من جوامع والحسينيات والكنائس والتكيات الصوفية دون مراعاة الضوابط المنصوصة عليها من قبيل الموقع الجغرافي حيث المسافات الشرعية فيما بينها بالاضافة الى تولي رجال الدين ترى في ظاهرهم الإيمان وفي باطنهم تؤمن بأفكار قومية أو طائفية سياسية تأثرا” بالاجواء السائدة حسب مزاج العام للمنطقة، بينما تمثل المرحلة الثالثة في تأسيس أحزاب و حركات واتحادات سياسية ومنظمات المجتمع المدني دون شرط او قيد لتلعب دور الانساني والتنمية البشرية وفي الحقيقة هي واجهات سياسية لاحزاب وكيانات ذات توجهات معروفة ، واخيرا كانت المرحلة الرابعة والخطيرة تمثلت بتاسيس المؤسسات الاعلامية التي كانت احد اسباب قتل روح المواطنة والابداع في نفوس المواطن نتيجة زرعهم لأفكار وايديولوجيات ثانوية بعيدا عن روح المواطنة ورفع المعنويات الإبداعية للفرد ، فوقعت العراق فريسة المدارس (المكوناتية) والمرافق الدينية المؤدلجة والأحزاب السياسية السلطوية والإعلام المسيس وسلب ثرواتها الطبيعية بعد أن طمس حضارتها العريقة ودثر تاريخها الحافل برفض الهيمنة والتسلط على أهلها ، فكانت هذه الأمور ضريبة مواقفهم ليكونوا ضحية تلك المخططات بعد أن نجح تلك المنظمات الدولية بزرع الفتنة العنصرية والطائفية داخل المجتمع العراقي والتي لم يعرف عنه سابقا على حساب انتمائهم الوطني فبدأ العمل الجاد على انصهار ومسح الهوية الوطنية في بعض مدن العراق والعمل على تدمير مناطق إستراتيجية اخرى سواء ما قبل ٢٠٠٣ او ما بعدها تارة بخلق الأزمات السياسية وتارة بالأزمات الأمنية التي كانت تستهدف مكون معين او طائفة معينة.

على الشعب تدارك حجم المؤامرة التي تحاك ضد وجودها وحضارتها وتاريخها لإزالة التأثير النفسي والقومي والمذهبي ومنع التدخل الإقليمي والدولي لأجل تحقيق اهدافهم الاستراتيجية وترتيب أوراق البيت العراقي الوطني من جديد لإعادة بنائه وتوحيد الأفكار والرؤى لمواجهة التحديات القادمة .