الموصل قبل قرن.. بيئة لاتعرف التغيير

سيدة إنكليزية تحكي مشاهداتها على مجتمع محافظ

 

الموصل قبل قرن.. بيئة لاتعرف التغيير

 

سامر الياس سعيد

 

الموصل

 

بداية لابد لي من الاعتراف إنني كنت إزاء هدية قيمة أتاح لي فرصة الحصول عليها الصديق جنيد الفخري حينما هاتفني ليشير انه أودع نسخة من كتاب (الموصل في مستهل القرن العشرين) في احدى مكتبات منطقة الدواسة والإصدار الأخير هو الترجمة  العربية التي اتاحها صباح صديق الدملوجي لكتاب حمل عنوان من وراء الحجاب في بلاد فارس وبلاد العرب العثمانية الذي سردت من خلاله السيدة م.اي.هيوم-غريفث تجارب ثمان سنوات عاشتها بين نساء الشرق امتدت بين أعوام 1900 وحتى 1908 والكتاب الذي صدر حديثا عن مكتبة الطليعة العلمية في الأردن بـ184 صفحة من القطع المتوسط يتناول بين فصوله الثلاثة عشر مشاهدات ومتابعات دونتها السيدة غريفث التي كانت بمرافقة زوجها الذي كان في مهمة مزدوجة فبالإضافة الى كونه طبيبا لمستشفى أقامته الجمعية التبشيرية للكنيسة الانكليزية فقد كان أيضا مهتما بالأمر الأخير من خلال عمله الأول وهذا ما اتضح بين سطور الكتاب الذي قدمته السيدة غريفث الاان المترجم أشار الى ان ما ترجمه ما هو الا فصلا من فصول كتاب واسع تركت خلاله السيدة مشاهداتها أيضا عن مهمة مماثلة حظيا بها في بلاد فارس وهو كان الاسم الرسمي لايران والاسم الأخير تبناه الملك رضا شاه بهلوي في عشرينيات القرن العشرين.

 

 وانتقلا من هذه المنطقة الى مدينة الموصل التي كانت تعرف ببلاد العرب العثمانية حيث قاما بافتتاح مستشفى في المدينة وعملا فيها للفترة من عام 1904 وحتى عام 1908 ويتابع المترجم بان الشوق نازعه لمعرفة أي شي يخص إقامة السيدة الانكليزية وزوجها في مدينة الموصل فضلا عن موقع المستشفى الذي قاما بافتتاحه والذي استمر بأداء عمله بعهدة أطباء اخرين واستمر بتقديم خدماته حتى نشوب الحرب العالمية الأولى وانقطاع العلاقات بين الدولة العثمانية وبريطانيا بينما يضيف بان كل ما دفعه من اجل معرفة الموقع الرئيسي للمستشفى لم يسفر عن نتائج باستثناء ما أكده الدكتور إبراهيم العلاف للمترجم من خلال معلومة أبرزتها رسالة ماجستير غير منشورة تقدمت بها الست نادية مسعود خليل الجراح الى كلية الآداب في جامعة الموصل عام 2010 وتمحورت الرسالة حول الخدمات الصحية في الموصل خلال العهد الملكي من 1921 -1958 وتضمنت الرسالة إشارة الى ان المستشفى الذي أقامه السيد والسيدة غريفث كان في محلة شهر سوق وفي دار مستأجرة تعود الى احمد بك الجليلي والصحيح إنها في ذلك العهد كانت دار أبيه أيوب بك الجليلي كما تفيد الدكتورة لمى عبد العزيز في مقالة لها نشرتها جريدة (المدى) عبر ملحق (ذاكرة عراقية) وتحت عنوان ( الخدمات الصحية في العراق 1869-1914)مشيرة بان خدمات الإرسالية التبشيرية شملت المدينة من خلال افتتاح المستشفى الذي أسندت إدارته الى الدكتور ستن ومن ثم أعقبه الدكتور غريفث الذي جرى في عهده توسيع المستشفى حيث وصل مجموع الاسرة الى 24 سريرا كما انضم الى المستشفى كادر عراقي من الأطباء تذكر منهم الدكتور فتح الله ساعاتي والدكتور ابلحد عبد النور لكن فيما يبدو ان الإقبال على المستشفى كان ضئيلا مما اضطر القائمين الى إغلاقه عام 1914..

 

ويشير المترجم الى ان كاتبة المذكرات السيدة غريفث كان تتمتع بذكاء وسعة اطلاع وشديدة الفضول من خلال حبها للتعرف على دقائق حياة الناس ممن يحيطون بها وممن تختلط بهم كما يلاحظ من خلال سردها إتقانها للغة العربية وبالأخص اللهجة المحكية في مدينة الموصل مما سهل عليها تلك الميزة بالتعرف والمتابعة وهذا أمر يشار اليه بأنه نادر الحدوث في مجمتع يمتاز بالمحافظة على تقاليده ولايحبذ اضافة الغرباء لابل يتطير منهم فيما يقارن المترجم بين التقرير الذي رفعه معاون القنصل الانكليزي في مدينة الموصل عام 1909 الى رؤساؤه ويسرد من خلاله أحوال المدينة وبين ما كتبته السيدة غريفث الا ان المترجم يحاول ان يشير الى التقرير الذي رفعه معاون القنصل انطلق من ذهنية استعمارية مقارنة بما دونته السيدة والذي منحت كتاباتها بعدا إنسانيا وهذا ما شجع المترجم الى ترجمة الكتاب الذي يقدم صورة اجتماعية شبه كاملة عن المجتمع الموصلي وبخاصة عالم المرأة والحياة الأسرية بالإضافة الى بعض الحياة التي كان يعيشها رجال المدينة .. في مقدمة الكاتبة تقول إنها ارتأت من خلال الكتاب تقديم رواية عن الحياة الداخلية في الشرق مشيرة بان هنالك ما يندر من خلال كتابات الرحالة عن هذا الموضوع ومهما بلغت دقة ملاحظاتهم لكنها لاتمثل سوى لمحة عابرة وتتابع بان بقائها في هذه المنطقة مكنها من إقامة علاقات حميمية مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء ممن يقضون حياتهم وراء الحجاب فضلا عما وفرها لها كونها زوجة مبعوث تبشيري طبي من فرص غير عادية في اكتساب ثقة الاخرين .. في الفصل الأول من الكتاب والذي تمحور حول مدينة نينوى دونت الكاتبة الكثير من مشاهداتها التي تعلقت بما اكتسبته المدينة من عمق حضاري وسعة فائقة بالإضافة الى إنها تحدثت عن النبي يونس من خلال حديثها عن الرابية التي يقع عليها جامعه المعروف في المدينة والذي تشير الى انه كان في زمن ما موقعا لكنيسة دعيت باسم ذلك النبي وسبب الرواية كما تشير اليه بان النبي كان يلقي مواعظه على تلك الرابية وتضيف بان اثار الكنيسة كانت ماتزال ماثلة في أيامها لكنها تستخدم كجامع حيث أصبحت بعهدة المسلمين الذين يبجلون المكان كونه يخص احد الأنبياء كما تتحدث الكاتبة عن الجسر الذي كان ينشئه الموصليون وكان يتألف من العديد من القوارب بالإضافة الى تطرقها للعديد من الحوادث التاريخية التي مرت بها المدينة خصوصا ما شهدته في عام 1180حينما حاصرتها جيوش السلطان صلاح الدين كما عانت من اثار غزوة اخرى من قبل شاه فارس المدعو نادر شاه الذي قام بقصف المدينة بالقنابل لمدة اربعين يوما في عام 1743وتتابع الكاتبة من خلال ما شهدته من فصول مختلفة أثناء مكوثها في المدينة والعادات والتقاليد التي كان الموصليون يحرصون على المحافظة عليها خلال تلك الفصول فضلا عن ما كانت تشهده مزارع المدينة وحقولها بالإضافة الى محور الصناعة ولاسيما شهرة المدينة بقطاع الغزل والنسيج وإنتاجها لقماش الموزلين او الموصلين الذي كان الفرنسيون يصدرونه من هذه المدينة خلال القرن السابق لتلك الكتابات.. بينما تفرد الكاتبة في حديثها عن الموصليون خلال الفصل الثاني مشيرة الى أهم سكان المدينة والقوميات والطوائف المتعايشة فيها بالإضافة لأساليب اللهو وأماكن السباحة والاستشفاء الطبي وعن هذا الأمر تشير الكاتبة بان سكان مدينة الموصل هم عرب بصورة رئيسية والغالبية العظمى منهم مسلمون ويشكل هولاء حسب الكاتبة العنصر الديني الأقوى في المدينة كونهم حكام البلد ..وبينما تضيف الكاتبة معلومة تتعلق بخطبة الملالي في جوامع المدينة تشير الى ان اغلب تلك الجوامع كانت في زمن ما كنائس وهذا ما ينكره المترجم في احد هوامشه لكن في كتاب تاريخ أبرشية الموصل السريانية لمؤلفه المطران صليبا شمعون يورد كنيستين من تلك الكنائس وهما كنيسة مار زينا حيث يشير المطران الى ان هذه الكنيسة تحولت الى جامع عام 1201 على اثر حادث طائفي تسبب بتحويل الكنيسة المذكورة الى جامع يعرف اليوم بجامع الخلال مازال قائما الى يومنا هذا في منطقة الميدان بالإضافة الى ان المطران يضيف كنيسة اخرى هي كنيسة مار ثيودورس التي كانت تقع في محلة باب عراق وتحولت الى جامع يعرف باسم جامع الجويجاتي الكائن في شارع الفاروق .. كما تتحدث الكاتبة عن باقي القوميات الأخرى التي تقطن المدينة بالإضافة الى اليهود فتشير الى أنهم كانوا في تلك الفترة موضع احتقار وازدراء كل من المسيحيين والمسلمين على حد سواء وفي الفصل الثالث من الكتاب تتحدث الكاتبة عن نهر دجلة فتورد في هذا الفصل الكثير مما يتعلق بهذا النهر من حيث الاهتمام التاريخي كما تورد معلومات عن جريانه ومصادره والملاحة فيه بالإضافة للانواع العديدة من الأسماك التي تزخر به كما تشير الى عادات النسوة من خلال حرصهن على غسل الملابس على ضفافه وفي الفصل التالي تخصص الكاتبة مساحة منه للحديث عن أطفال الموصل والكثير من العادات والتقاليد التي كانت تحرص عليها العوائل في سبيل تربيتهم لأبنائهم كما تشير الى نظرة الأهالي تجاه المواليد من الإناث ..وفي الفصل الخامس تتوسع الكاتبة باختراق مجتمع ندر الحديث عنه لخصوصيته وطبيعة المجتمع المحافظ على تقاليده وموروثاته فتتحدث السيدة غريفث عن النساء المسلمات في الموصل وتسرد من خلال الفصل المذكور مدوناتها إزاء الجمال وراء الحجاب وأصناف الجمال ووصف لأدوات الجمال وفي سياق متصل لاتبتعد الكاتبة في الفصل السادس عن هذا الأمر فتورد الكثير من مشاهداتها إزاء حياة المسلمين العائلية من خلال إيراد الكثير من الأمور الحياتية التي تكلل تلك البيوتات الموصلية .. اما في الفصل السابع فتخصص الكاتبة مساحة أوسع للحديث من خلالها عن العادات في الموصل مشيرة من خلال ذلك الى احتفالات الزواج والكلف الكبيرة التي يتكبدها الاباء وعادات الجنازة والعادات التي تلي الاحتفاء بولادة طفل كما تسلط من خلال الفصل الثامن الضوء على الأحلام والرؤى مشيرة من خلال صفحات الفصل الى الكثير من الحكايات التي تتعلق بهذا الأمر كما تورد وجهة نظرها الشخصية إزاء ما يتوارد عن هذا الأمر في المجتمع الموصلي كما لاتبتعد من خلال الفصل التالي عن ما تحدثه تلك العادات والخرافات في هذا المجتمع.. فيما يحفل الفصل العاشر بحديث موسع عن الايزيدية والتي يوردها الكتاب بهذا الشكل (اليزيديون) وتتحدث الكاتبة من خلال الفصل عن عرفان هذا المكون للانكليز وتعرضهم للاضطهاد كما تورد في سياق الفصل زيارة زوجها الى مقام الشيخ عادي والمراقد المقدسة الخاصة بالايزيدية مع وصف دقيق لما تحتويه تلك الأمكنة وفي الفصل الحادي عشر تتحدث الكاتبة في محور اخر عن السفر في البادية فتشير في البداية بالرتابة من خلال الكثير من الأحداث التي رافقت رحلتهم والكثير من السرقات والجرائم التي شهدتها بينما تشير في فصل تال الى المباهج التي يزخر بها السفر في البادية من خلال جملة من الوقائع التي تسردها بشكل روائي مفصل زاخر بالكثير من المشاهد .. وتنتهي هنا الكاتبة عن إيراد مشاهداتها ليتولى كتابة الفصل الأخير من الكتاب زوجها الدكتور غريفث حيث يتحدث من خلال الفصل عن طبيعة العمل في بعثة طبية رائدة في الموصل اما المترجم فيرفق بالكتاب ثلاثة ملاحق تتصل اتصالا مهما بما روته وكتبت عنه السيدة غريفث فيتعلق المرفق الأول بجنائن بابل او جنائن نينوى المعلقة حيث يتحدث من خلال هذا المرفق عن ما اكتشفته الأكاديمية البريطانية ( ستيفاني دالي)من نتائج تتعلق بتحديد موقع الجنائن المعلقة وهي احد عجائب الدنيا القديمة السبع والتي كانت تعزى الى مدينة بابل وينسب بنائها الى ملك بابل الكلداني نبوخذ نصر لكن السيدة دالي ومن خلال جمعها للكثير من الأدلة الموثقة انتهت الى ان موقع الجنائن كان مقاما في نينوى منذ أوائل القرن السابع قبل الميلاد ولم يكن في بابل كما هو متعارف .. كما يتحدث المترجم في المرفق الثاني عن مسيحيو الموصل مشيرا الى إنهم يشكلون ومنذ أزمان قديمة جدا ربما تعود الى عهد المسيحية الأولى عنصر ا مهما في المدينة بينما ينتهي في المرفق الثالث بالحديث عن اللهجة الموصلية ..الكتاب وثيقة مهمة تبرز عصرا من عصور المدينة التي امتازت بكونها من ابرز المدن التاريخية لقدمها ولتاريخيتها التي تشير اليها الكتب القديمة وفي هذا الزمن المتعلق بطلائع القرن العشرين تبدو شهادة السيدة غريفث مهمة لكي تسلط الضوء من خلالها على مجتمع موصلي طالما تميز بكونها مجتمع يحافظ على تقاليده وبالرغم من ان ما دونته السيدة الانكليزية قد مضى عليه أكثر من 100 عام لكن الملاحظ بان هنالك من العادات التي تكلمت عنها مازال يميز المجتمع الموصلي ومازال الموصليون سواء أكانوا مسيحيون أم مسلمون متمسكين بالمحافظة عليه ولاتشعر من خلال السطور التي كتبتها تلك السيدة قد مضى عليه كل هذا الكم من الأعوام فمازالت الشخصية الموصلية محددة بالكثير من دقائق يومياتها ودورة حياتها ومازالت تلك الصور التي تركتها السيدة غريفث قبل 106 عام تنبض بالحياة حتى انك تشعر بان ما كتبته تلك السيدة قد دون بالأمس لكن ما يلاحظ ان المترجم ومن خلال ثقافته الموسوعية الزاخرة ود ان يترك انطباعاته عن تلك المدونات لكنه ذهب بها بعيدا عن ما كانت تحاول ان تتركه الكاتبة فالكثير من تلك الحقائق باتت معروفة ومتداولة ولايمكن إنكارها بل يمكن ان تدعمها رحلة البحث في الكتب مكن اجل مقارنتها ودعمها وحسنا أجاد المترجم حينما أشار الى وثيقة معاون القنصل التي كتبت بنفس استعماري بعيد عن التعايش والانصهار داخل المجتمع وهذا ما حققته الكاتبة رغم انه امر نادر لكنها تمكنت من خلاله من كسب ثقة الموصليين خصوصا النساء فكنوا يودعونها أسرارهم وخفايا مجتمعهم المتواري خلف حجاب كثيف فنجحت رغم كل تلك السنين بان تكتب عن معاناة طالما توارت وراء حجب كثيفة من التهميش والإقصاء سبب مزيدا من التخلف والتقهقر  لما يعرف بنصف المجتمع وكانت النتيجة كما هو معروف مزيدا من الأمراض والمعاناة التي أضاءت جانبا منها كتابات السيدة غريفث لكن عموما فان الكثير مما ضمه الكتاب بات يشير الى ان مجتمع الموصل بقي محافظا على صورته الرئيسية غير معترف بالكثير من التطورات التي شابت مجتمعات اخرى وربما كان لموقع المدينة دور رئيس في إضفاء هذه الميزة على هذا المجتمع من خلال ابتعاده عن أماكن انصهار الثقافات والبيئات الأخرى فلو كانت المدينة على سبيل الافتراض مطلة على ساحل بحر لما كان واقعها يوازي ما كانت تحمله من ثبات على خصائص المجتمع الموصلي.