المغزى الشعري لتبادل الإحتفاء والتهاني بالأعياد

قصائد بين المؤمنين

المغزى الشعري لتبادل الإحتفاء والتهاني بالأعياد

يعقوب أفرام منصور

قبل قرن ونيّف نظم أحمد شوقي قصيدة طويلة، عنوانها (كبار الحوادث في وادي النيل)، ألقاها في المؤتمر الشرقي الدوَلي المنعقد في جنيف في أيلول العام 1894، وكان مندوبًا للحكومة المصرية فيه، وهذا مطلعها:

هَمّتِ الفُلْكُ واحتواها الماءُ        وحداها  بِمن  تُقِلُّ  الرجاءُ                       ومنها هذان البيتان:

يَحسَبُ الظالمونَ أنْ سيسودو       نَ وأن لن  يُؤيّدَ الضُعفاءُ                        وفي سياقها وردت هذه الأبيات في مولد السيد المسيح:

وُلدَ الرِفقُ يومَ مولدِ عيسى        والمروءآتُ والهُدى والحياءُ

وازدهى الكونُ بالوليدِ وضاءتَ        بسناهُ  من  الثرى  الأرجاءُ

وسَرت أيةُ المسيحِ كما َيس …..ري من الفجرِ في الوجودِ الضياءُ                                    تملأُ  الأرضَ  والعوالمَ  نورًا        فالثرى  مائجٌ  بها  وضّاءُ

وأطاعتهُ في الإلَهِ  شيوخٌ          خُشَّعٌ، خُضَّعٌ  له  ضُعَفاءُ

فإذا الهيكلُ المقدّسُ  ديرٌ           وإذا الديرُ  رونَقٌ  وبَهاءُ

إنّما الأرضُ والفضاءُ لربّي           وملوكُ  الحقيقةِ  الأنبياءُ

ولم أقف بعدَ هذه الأبيات، في مولد السيّد المسيح، ما يعارضها أو يضاهيها، وقد يكون ثمّةَ شيء من هذا القبيل، بيدَ أنّ قلّةَ إحاطتي، في هذا المجال، لم توقفْني عليه.

وفي قصيدة (عرس المجد) لِعُمر أبي ريشة، نظمها في عام 1974 ، بيت عن روابي القدس في عام قرار التقسيم المُجحِف التآمُري، وردَ فيه إسما النبِيَين الكريمَين مقترِنَين:                                        يا روابي القُدسِ، يا مَجلى السَنا

يا رُؤى عيسى على جَفنِ النبي

   أعقبتهُ هذه الأبيات المعَبِّرة عن فعل الألم في لمِّ الشملِ والتداني بينَ القلوب المتباعِدة المتنافِرة:

لمَّتٍ  الآلامُ   شَملَنا

  ونَمّتْ ما بيننا من نَسَبِ

فإذا مِصرُ أغاني جِلَّقٍ

وإذا بغدادُ نَجوى يَثرِبٍ

ذهبت أعلامُها خافقةً         والتقى مشرِقُها بالمَغرِبِ

بورِكَ الخَطبُ، فكم لفَّ على        سَهمِهِ أشتاتَ شعبٍ مُغضَبِ

ومن قصيدة عنوانها (بلادي)، أنشدها أبو ريشة عام 1948 في تأبين سعد الله الجابري، وردت هذه الأبيات عن فلسطين، حيث بيت لحم مولد المسيح، والناصرة بلدته، وأورشليم القدس صالِبته ومُضطَهِدَته، كما اضطهدت وقتلت الأتبياء الذين سبقوه:

أَي فلسطين، وما العروبةُ لولا        قَبَسٌ من سنا النبوّةِ هادِ

كلُّ حرفٍ منها لَهاةٌ  من  العَلْ ……ياءِ  كريمةِ  الإنشادِ

كيفَ لا تَمشُقُ  النجومُ ذِيادًا         عن حِمى السيّدِ المسيحِ الفادي؟!

ولأبي ريشة قصيدة عنوانها (عام جديد)، هذه أبيات منها، قيلت في عام 1959:                                وحدي هنا، في حُجرتي       والليلُ، والعامُ الوليد                       وتساؤلُ  القلقِ  المَرير        ووطأةُ الصمتِ المديد

وحدي، وأشباحُ السنينِ      العَشرِ  ماثلةِ  الوعيد

وكآبةِ الشيخِ   الطريد

     ودمعةِ الطفلِ الشريد

وحدي هنا، في حجرتي      والجُرحُ، والفجرُ الجديد

ورسائلُ  شتّى، تقول        جميعُها … عامًا سعيد!

**      **     **     **

المؤمنون بالله إخوة،والآية الكربمة 284 من سورة البقرة تنصّ :” آمنَ الرسولُ بما أُنزِلَ إليه من رَبِّه، والمؤمنون كلٌ آمنَ بالله وملائكته ِّوكُتُبِه ورُسُلِه، لا نُفَرِّقُ بين أحدٍ من رُسُلِهِ .” وفي حديث شريف هذا القول: ” الأنبياءُ إخوة، أمهاتُهُم شتّى ودينُهُم واحد.” إن الشاعر المهجري، زكي قنصل، قد جسّد هذه الأخوّة بين الأنبياء، وبالتالي بين أتباعِهم، لأنّ دينَهم في الجوهر الأساس واحدٌ هو، ألا وهو السجود والتعظبم والطاعة للّه الواحد، ربِّ السماوات والأرض، ومهندسِ الكون الأعظم، منه البدء ، وإليه الإنتهاء. وقد ورد هذا التصوير للأخوّة في قصيدته (عرسُ الضياء) لمناسبة ” عيد الفِطر” :

عُرسَ الضياءِ وغرّةَ الأعيادِ       إن القلوبَ  إلى نداكَ صَوادِ

هشّت لمقدمِك السعيدِ حواضِرُ       وتهلّلتْ   لَمّا هللْتَ   بوادِ                                             إني لتربطني بركبِكَ  نزعةٌ         عربيةٌ  ملكت عليَّ قيادي                                          رمضانُ هَبْني من أريجِكَ نفحةً        نَدياءَ تُحيي بالرجاءِ فؤادي                                         آمنتُ بالإنجيلِ ثورةَ مُصلِحٍ            وخشَعتُ للقرآنِ دينَ جِهادِ

وقال عُمر أبو ريشة من قصيدته ( يا عيد ) من دون الإشارة إلى عيد مُعيّن في عام 1949:                    يا عيدُ كم في روابي القدسِ من كبِدٍ

لها على الرَفرَفِ العَلَويِّ تَعيِيدُ!

ومن قصيدة زكي قنصل (بين اليأس والأمل) أجتزئ هذه الأبيات المنشورة في عام 1969:

كيف التغنّي ونفسي كلّها ألمُ       يا للهزارِ قضى في زَورِهِ النَغَمُ

شدوِي على مسرحِ الأحداثِ دَمدمةٌ       وبَسمتي في مآسي أُمّتي غَسَمُ                                  لولا فلسطينُ كانت  ظُلمتي  أَلَقًا

وكان بردًا على أضلاعيَ الضَرَمُ

إني لأحمِلُ  في  قلبي  لوَاعِجَها           أليسَ  يجمعُنا  الإيمانُ والرَحِمُ؟

وقال الشاعر رشيد سليم الخوري في سان باولو/ البرازيل في عام 1948 لمناسبة عيد المولد النبوي:

يُهنِّئُ بعضُكُم بعضًا وإني      أُهَنِّي النفسَ أني لا  أُهنِّي

أأنقضُ مبدَئي وأخونُ عهدي       مُسايَرةً لكم  ويُقالُ إني…؟

أرى تُفّاحَ هذا العيدِ   جمرًا        ولو قطفوهُ من جنّاتِ عَدْن

أأرضى والرسولُ قتيلُ غَيظٍ        وأفرحُ والمسيحُ شهيدُ حُزنِ !

وهذان البيتان لجورج صَيدح من قصيدته (ليلة الميلاد) في مجموعته (شظايا حزيران)، مرفوعة “إلى الذين يعيشون قي الأصفاد ويموتون في الأعياد”:

ذكرى فلسطين في الأعيادِ تُذكيها       نارًا تَهُبُّ على الأكبادِ تكويها

بنو  فلسطين  قُطعانٌ  مُشَرَّدَةٌ          عنِ المراعي، ملاكُ الربِّ راعيها

 ولِصَيدَح أيضًا هذان البيتان قي رأس السنة الجديدة من قصيدته ( العام المحتال بعد العام القتّال) في مجموعته الثانية (شظايا أيلول)، ساخرًا تارةً، ومعاتبًا عتابًا حزينًا أُخرى:

يا عامُ، كم حفلٍ لمقدمِك اصطَخَبْ       لم يحترم دمعًا ولم يَحسَسْ لَهَبْ

يا عامنا كنْ بعدَ اعوامِ  الرَهَب          عامَ السلامةِ… لا قتالٌ ولا شَجَب

وللشاعر صبري الزبيدي(المتوفّى في العام المنصرم، رحمه الله) صاحب ” تداعيات فيزوف وتراتيل في مملكة الورد” أبيات قالها في يوم عيد الفِصح والقيامة في 30 أذار 1996، وهي تُفصح عن ذاتيّة التألّم والتأسّي، وتنمُّ على بارِقةٍ صوفيّة ناعمة، وعاطفة دينية إنسانية إخوانية شاملة، يتّسم بها أصحاب النفوس الكبيرة ـ نظير غاندي وطاغور؛ وهذه هي الأبيات:طال الأسى وتكتّمْنا توجُّعَنا

على صليبٍ من الآلامِ مَضفورِ

ويا أبانا، يسوعَ الطُهرِ،مغفِرةً ففي (قيامتِكَ) ازدانت تعابيري

تناغمت دفقاتُ الحزنِ وامتزجت       دقّاتُ قلبي بدقّاتِ  المساميرِ

يا واهبًا كلماتي  ألفَ  بارقةٍ         حتى أضاءت بصدري ألفَ دَيجورِ

وشوكُ إكليلكَ الغافي على وجَعٍ  يُراقصُ الماسَ في بحبوحةِ النورِ

كأنّما شهقةُ العذراءِ  تَعصِرُني        عُنقودَ دمعٍ  على  ثغرِ الأعاصيرِ

فيُصبِحُ الشِعرُ مِحرابي وجُلجُلَتي

ودَيرُها المتهادي بالأسى دَيري

وقرعُ ناقوسِهِ  قلبي، ومعبِدُهُ          صدري، وترتيلُهُ يَجري بتاموري

وقد عثرتُ في (زهر الآداب وثمر الألباب) لأبي إسحق القيرواني على نصٍ نثريّ طويل في التهنئة بالنوروز والمهرجان وفصل الربيع، غير منسوب إلى قائله أو كاتبه، أجــــــتزئ منه هذه السطور: ” هذا اليوم غُرَّةٌ في أيام الدهر، وتاجٌ على مَفرِقِ العصر. أسعدَ اللهُ مولانا بنَوروزهِ الوارد عليه، وأعاده ما شاء وكيفَ شاء إليه. أسعدَ اللهُ تعالى سيِّدَنا بالنوروز الطالع عليه ببركاته، وأيمنَ طائرَهُ في جميع أيامه ومُتَصَرَّفاتِهِ، ولا يزالُ يلبسُ الأيامَ ويُبليها وهو جــديدُ، ويقطعُ مسافةَ نَحسِها وهو سعيدُ. سيّدُنا هو الربيع الذي لا يذبُلُ شجرُهُ، ولا ينقطع ثمرُهُ، ولا يُقلِعُ غمامُهُ ولا تتبدَّلُ أيامُهُ.”  ( ج 4 ص 1032)