الفلاح الطموح

الفلاح الطموح                   (1)

غازي فيصل شرهان العرس

قال جبر لزوجته فاطمة ان الشيخ ارسل عليه اليوم في ديوانه وقال لي يا جبر هل تعلم لقد مرت عليك اليوم عشرون سنة وانت تعمل بجد واخلاص في مزارعنا ولم اسمع عنك اية شكوى او تذمر. وكانت غلتك التي تسلمها للوكيل اكثر من كل الغلال التي يقدمها اقرانك الفلاحين وان دل ذلك على شيء فأنما يدل على اخلاصك وتفانيك في العمل. وعليه قررت ان اعطيك مبلغا من المال لتشتري به ملابس لك ولزوجتك واولادك وبدلة جيدة لأبنتك الكبيرة زهراء التي تذهب الى المدرسة الثانوية.

وقد اعطاني الشيخ حفظه الله المبلغ واليوم نذهب انا واياك الى المدينة لنشتري الملابس. ثم اردف هل تتذكرين هذا اليوم يوم قدومنا الى هذه المنطقة وتفلحنا عند الشيخ جاسم، قالت كيف انسى ذلك اليوم، حيث عندما نزلنا في السفينة انزلقت قدمي من اللوحة التي وضعت على حافة السفينة وطرفها الآخر على الارض ولولاك لغطست في الماء وكنت حاملاً وفي ايامي الاخيرة وماكدت اضع قدمي على الارض واذا انا في حالة مخاض وآلام تراودني وتكاد تفقدني الوعي، فأخذتني يا ابن عمي الى زاوية قريبة وتحت شجرة وناديت بعض النسوة لمعاونتي وقد جئن مسرعات وجلبن قدرا وسخنوا الماء فيه وجلبوا لي من القرية المولدة وفرشوا لي بساطا في الظل وبمساعدة المرأة العجوز وبالدعاء من الله سبحانه وتعالى ولدت بسهولة ابنتك زهراء وهي اليوم ابنة الثامنة عشرة وقد وصلت الى الصف السادس الاعدادي وفيها كل الخير ان شاء الله وهي جميلة وان شباب القرية يتسابقون على رضاها وابن الشيخ احمد يحاول ان يقترب منها الا انها تصد، لانها تنظر الى ابن عمها حسن فتى احلامها لما يتميز عن اقرانه بالشجاعة والمروءة والاخلاص في العمل اضافة الى وسامته وطلعته البهية وهم في حديثهم هذا الذي يتناول سيرة زهراء واذا بها تأتي من المدرسة وهي عصبية وتقول ان هذا ابن الشيخ ما انفك يطاردني ويحاول الاقتراب مني وانا اكرهه لأنه غبي وعديم الاحساس وكم مرة طردته ورجوته ان يبتعد عني الا انه يصر على التحرش بي ويحاول مغازلتي الا اني اسد الطريق عليه ولا اعطيه المجال للتمادي بتصرفاته الهوجاء.

قال لها والدها انني مطمئن منك يا زهراء وانا فخور بك، واتباها في الديوان بأن ابنتي الاولى على صفها وانها ستنهي الدراسة الاعدادية وتدخل دار المعلمات لتكون معلمة في مدرسة القرية، وكل عمامك وخوالك فخورين بك لانك عفيفة وسيرتك في القرية جيدة اما ابن الشيخ هذا أشكيه عند والده الشيخ ليضع حدا لتصرفاته وان لا يتعرض عليك ثانية، واذا لم يتوقف تحرشه فلي معه حساب سيكون عسيرا، ان اعراضنا عزيزة وعشنا اشراف وسنبقى اشرافا ولا نريد ان يلوث سمعتنا ابن الشيخ هذا. واذا اضطررنا ان نترك هذه القرية ونذهب لنعمل في قرية اخرى عند شيخ آخر او نهاجر الى مركز المحافظة في المدينة وعندنا فيها عدد من الاقارب من اولاد عمومتنا.

ذهب الوالد الى الشيخ ليشتكي على ابنه احمد لتجاوزه حدود الاخلاق العامة وتحرشه بأبنته وقال له ايها الشيخ الجليل نحن فلاحون الا ان اعراضنا عزيزة علينا وكما تعلم ان الانسان له حق الدفاع عن نفسه وعرضه ودينه وماله. وان لم يقف عند حده سنقوم بإجراء اللازم. قال الشيخ ان اعراضكم هي اعراضنا وهذا ابني الفاشل لعنة الله عليه سأحاسبه حسابا عسيرا وليكن خاطرك طيب، وفي اليوم التالي عادت زهراء من المدرسة وقالت لأمها ان احمد كان يبتعد عنها وينظر اليها من بعيد ويظهر ان الشيخ ردعه وهدده.

مضت ايام عدة ولم يحدث ما يعكر مزاج زهراء ولا اهلها كان حسن ابن عمها ينتظرها بزورقه الذي يرسوه على ساحل المدرسة وحالما تخرج من المدرسة يلقاها حسن ويصحبها الى الزورق الذي يستغرق نصف ساعة جذفا للوصول الى القرية. وكان حسن يقوم بهذه العملية يوميا بالذهاب الى المدرسة والاياب منها منذ ست سنوات اي طوال مدة دوامها في المدرسة الثانوية من الصف الاول الى الصف السادس وهي الان في الاشهر الاخيرة لتخرجها من الثانوية. وابن عمها حسن جميل الصورة طويل القامة قوي العضلات يعمل مع والده في حقل من حقول الشيخ وبالإضافة الى عنايته بمزروعات والده الا انه يرعى الغنم والبقر العائد لوالده شخصيا وليس للشيخ حصة فيها. فينتج الحليب والجبن واللبن وتقوم والدته ببيعه في القرية او في المدينة وبذلك يدخل اليهم دخل اضافي يرفع من مستواهم المعيشي ومن هذا الدخل يصرف على ابنته ملابس واحذية وكتب وقرطاسية لكي تظهر بالمظهر اللائق في المدرسة امام اقرانها.

وكان احمد ابن الشيخ ينظر اليها نظرة ترفع باعتباره ابن الشيخ وهي ابنة فلاح فقير ولا ينوي الزواج منها بل يريد ان يلعب ويتسلى بها، الا انها رافضة الكلام معه ومترفعة بالحديث عنه وعن امثاله وهي تعشق ابن عمها الذي لازمها طوال حياتها وتعب كثيرا في ايصالها للمدرسة والعودة بها. ثم ان حسن يمتاز عن احمد بالذكاء والشجاعة والجرأة وحب العمل والمروءة وانه حصل على شهادة الابتدائية وليس اميا. اما احمد فأنه دخل الثانوية مع زهراء في السنة نفسها الا انه لم يتجاوز السنة الثالثة المتوسطة وبقي فيها. انه غبي وكسول ومغرور وهي ترفض الارتباط به ولو وضعوا كنوز الارض بين يديها انها تريد ابن عمها الذي تصبح يوميا بوجهه الجميل وابتسامته الحلوة وحديثه الشيق عن النعاج والبقرات وكيف كسب قبل اليوم كذا مبلغ من الحليب والجبن الى غير ذلك. فحديثه هذا يدخل الى قلبها سلسبيلا وهي تصغي اليه بكل عواطفها. ملأ الحقد قلب احمد لمنعه من التحرش بأبنة الفلاح زهراء الجميلة. وكان يتربص لها ويتجسس عليها للتعرف على المحال التي تذهب اليها بعد العصر. واين تقضي اوقات فراغها؟ وكان ينوي الاعتداء عليها مهما كلف الامر لأنها تسببت بالكلام الخشن الذي سمعه من والده ولابد له من الانتقام منها من دون معرفة احد. وبعد التحري والاستفسار من الخدم والحراس علم انها تأتي عصرا عند الناعور تقضي هناك اكثر من ساعة تقرأ في كتاب. ذهب الى الناعور متنكرا وقد لف اليشماغ على وجهه ولم يظهر منه غير عينيه. واقترب منها وبصورة مباغتة هجم عليها وطرحها ارضا ولم تعلم زهراء من هو الذي هجم عليها ولكنها ظنت انه احمد نفسه في بداية الامر وعرفت ليس هو بعينيه فأخذت حجرة كانت بالقرب منها وضربت بها رأسه ضربة قوية مدافعة عن نفسها وتركته مغما عليه وذهبت الى بيتها ولم تكلم احدا بالموضوع. حضر الفلاحون والحراس ونقلوا احمد الى البيت ومنه الى المستشفى ولما فاق من الاغماء قال سقطت من الشجرة وفج رأسي ولم يخبر احدا بالحادث.

اخبرت زهراء حسن بما جرى وانها هي التي فجت رأس احمد لأنه اعتدى عليها وطرحها ارضا ولكنها عاجلته بضربة قوية فتركته جثة هامدة من دون حراك وانها خلصت نفسها من بين يديه وذهبت مسرعة الى البيت. وقال حسن ان هذا لن يوقف عداوته وان الذي قمت به خير دواء له ولو تكرر ذلك سوف انهي حياته مهما كلف الأمر. بقي احمد في المستشفى اكثر من اسبوعين ثم نقل الى البيت ومنع من الحركة لمدة شهر اخر.

تخرجت زهراء بدرجة عالية ودخلت دار المعلمات في مركز المدينة وكانت تأتي الى البيت في الاسبوع مرة يوم الخميس مساء وتبقى نهار الجمعة ومساء تعود الى القسم الداخلي الذي يمنع خروج البنات الا مساء الخميس. وكان حسن ينتظرها في مساء كل خميس ليصحبها الى القرية بزورقه الذي ربطه عند احد الصيادين للسمك في الشريعة. بعد مدة من شفاء احمد من جروحه، ذهب يتمشى في المزرعة في يوم جمعة اي يوم عطلة زهراء. وبالمصادفة شاهدها لوحدها عند الناعور، اقترب منها وقال لها لماذا عملت بي الذي عملتيه؟ قالت وماذا كنت تعتقد عندما تعتدي على فتاة مثلي؟ هل تريدها ان تسلم نفسها لك رخيصة كالعاهرة يا احمد؟ انت ابن الشيخ ويجب ان تكون قدوة في القرية باخلاقك وسيرتك وكرمك لكي يلتف الفلاحون حولك بعد والدك لتكون انت الشيخ، فأذا كانت تصرفاتك رديئة سوف يختارون غيرك للمشيخة..

قال صدقت ولكني احبك وارغب الزواج منك، قالت احمد كن عاقلا انا مخطوبة لأبن عمي حسن منذ مدة طويلة ولقد حددنا موعد الزواج وارجو ان تكف عن طلبك هذا لانه طلب غير مقبول، والان انا مشغولة تعذرني ان اتركك لاني متواعدة مع صديقة لي تأتي من المدينة مع السلامة، وتركته يقف في حيرة من امره كيف لبنت الفلاح ترفض الزواج من ابن الشيخ وتفضل عليه فلاحاً.