الفلاح الطموح (2)
غازي فيصل شرهان العرس
اما حسن خلال هذه السنين التي قضتها زهراء في الثانوية ودار المعلمين، نشط جدا في تربية الاغنام والابقار والعجول واصبح من تجارها، وكلامه مسموعا في القرية وفي سوق الحيوانات في المدينة. لانه يملك عددا كبيرا منها ولأنه يرعاها بنفسه ويطبق عليها التعليمات التي يحصلها من البيطرة فجميع حيواناته سواء البقر الحلوب ام العجول او الاغنام، كلها متمتعة بصحة جيدة وذات مميزات عالية.
ومن ارباحه بنى له دارا جميلة في المدينة واشترى مزرعة كبيرة بالقرب من مزرعة الشيخ، ونقل والده من فلاحة الشيخ وسلمه مزرعته، ولكونه جادا ومخلصا في عمله فكانت مزروعاته جيدة وذات مواصفات ممتازة مرغوبة جدا في سوق المدينة، لقد تبدلت احوالهم واصبحوا من الميسورين ومن الملاكين.
ما انفك احمد من المطالبة بالزواج من زهراء، وطلب من والده الشيخ ان يخطبها من ابيها. وبعد تردد قال له يا ابني انها لا تناسبك من حيث المنزلة وان بنات عمك وبنات خوالك وكلهم شيوخ واثرياء وعندهم بنات جميلات ومثقفات، قال احمد انا ارغب بها لأني اتحدى ابن عمها حسن الذي تحبه وتفضله علي. قال الشيخ يا ابني انها ستكون لك حال ان نطلبها من ابيها. وفي احد الايام ذهب الشيخ مع ولده احمد وعدد من وجوه القرية ذهبوا بسياراتهم الى بيت ابو زهراء في المدينة وكان والدها في البيت وكذلك حسن. رحبوا بهم وذبحوا لهم خروفا زيادة في الحفاوة وقدموا لهم الغداء وبعد الغداء قدموا القهوة فقال الشيخ لا نشربها مالم تلبي لنا رغبتنا قال جبر ان طلبكم مقبول عدا واحدة لأنها مخصومة ومنتهية قال الشيخ انك ترفض طلبي ورجائي. قال ابو زهراء اننا مسلمون ونتبع الشريعة وعلينا ان نسأل ذات العلاقة فأن قالت اقبل بأحمد زوجا فأنا موافق واذا رفضت فهذا من حقها وقد منحها هذا الحق الدين الاسلامي ورسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ وما ادراك اني جئت على ابنتك خاطبا حتى تجيبني بهذا الجواب، قال ابو زهراء ما عندي شيء ذو قيمة يمكن ان يطلبه الشيخ الجليل مني عدا زهراء فعرفت طلبك منذ ان قدمت علي يا شيخنا العزيز. ولأجل ان يقلب الموضوع الشيخ وحتى لا يعود محرجا بأن الفلاح امتنع من زواج ابنته بأبن الشيخ قال انا جئت اليك ان تعود الى المزرعة وتعاود الزراعة معي وسأكون منصفا معك واعطيك اكثر من الفلاحين الآخرين.
قال ابو زهراء ان طلبك مقبول ومن بكرة سأقدم اليك في القرية واكون طوع امرك انت رئيسي وشيخي منذ عشرات السنين ولا اقدر ان اخالف امرك. والان ارجو ان تشرب قهوتك، وفعلا شرب القهوة وخرجوا من الدار وهم مرتاحون من جواب ابو زهراء. اشتعل اللهيب في قلب احمد عندما علم برفضه. وبدأ الحقد والغضب يغليان بين ضلوعه، واخذ يتمشى في الغرفة ويقرب الاثاث بيديه ويصرخ ويعيط مع نفسه في غرفته وهو عصبي المزاج، جاءته امه وقالت له سأزوجك احسن بنات المدينة لا تهتم وسأجعل عرسك لا مثيل له في الديار، وسيندم الاب وزهراء معا على هذا الرفض لا تبالي منهم، انهم فلاحون وكانوا كالخدم عند والدك.
وبعد ايام ذهب والد حسن الى بيت اخيه وخطب زهراء لأبنه حسن ومن ثم عقد القران واقيمت حفلة الزواج في دار حسن الجديدة وحضرها وجوه القرية الذين دعاهم والد حسن واجر لهم حافلات كبيرة لنقلهم واعادتهم الى القرية. وكانت حفلة عظيمة غنى فيها احسن المطربين ورقصت فيها الراقصات، وقدمت فيها المشروبات من بيبسي كولا وسفن آب وشربت برتقال وانواع الكرزات من فستق وبندق وحب وزبيب وجوز ولوز وكان والد حسن يتجول بين المدعوين مرحبا ومحتفيا بهم والجميع فرحون لان حسن كان طيبا شهما كريما يساعد المحتاج وينصر المظلوم وكان صديقا مخلصا للفلاحين كافة، جهزهم بالكهرباء والماء الصافي وبنى لهم دور السكن المريحة وهيأ لهم كل اسباب الراحة والرزق الحلال بالإضافة الى الارباح التي يجنيها من تربية الحيوانات ومن محاصيل الزراعة فقد ربح جائزة اليانصيب الوطني وقيمتها مليوني دينار وبذلك اصبح من الاغنياء.
وبعد مدة مات ابو احمد (الشيخ الجليل) الذي كان يرعى المزرعة ويهتم بمصالح الفلاحين. ولما استلم احمد مسؤولية المزرعة لم يكن اهلا لها. فمعظم الفلاحين نزحوا من القرية اما للمدينة كعمال او الى قرى اخرى لان تصرفات الشيخ احمد غير مقبولة فهو يضغط عليهم كثيرا ويريد حاصل اكثر من تعطيه الارض ويجمع المال ليصرف في الملاهي ومحال لعب القمار وسباق الخيل.
ولم تمض سنة الا واحمد اعلن افلاسه فهو لا يحضر الى القرية الا لماما فجميع اوقاته يقضيها في المدينة مع بنات الهوى ونوادي القمار، اهملت الارض ولم تعط محصولا لان الفلاحين هجروها وهو يحتاج الى المال لإدامة لعبه ولهوه.. فأعلن عن بيع الارض التي ورثها من ابيه واجداده.
اشترى حسن الارض وهي ملاصقة لارضه فأصبح عنده ما يقارب المئتين وخمسين دونما. وبعد ان اجتمع مع احد خريجي كلية الزراعة ممن زاولوا مهنة الزراعة وله خبرة عملية اضافة الى خبرته النظرية التي اكتسبها من الكلية قرر حسن ان يقسم الارض كما يأتي:
خمسون دونما لتربية العجول والاغنام والمعز والبقر والدجاج وبجانبها مئة دونم تخصص لزراعة المحاصيل الموسمية من خضراوات وحبوب.
وخمسون دونما اخرى تخصص لزراعة الفواكه من مختلف الأنواع وخمسون دونما تكون متنزها يحوي مقهى وكبرات للاستراحة ومطعم ومحال لبيع محصولات المزارع من حليب وجبن وزبد وقيمر ومربيات وشرابت وخضراوات من جميع الانواع والفواكه. وخطط لبناء بيوت للفلاحين في كل من قسم الدواجن والمزروعات والبستان والمتنزه.
ثم خطط ان يعين مسؤولا واحداً لكل من هذه الاقسام وتكون زوجته زهراء هي المسؤولة عن ادارة هذه الاقسام. وبعد ان خطط وصمم باشر بالعمل (وكل من سار على الدرب وصل) جلب العمال ونصب لهم الخيم وهيأ لهم المطعم والماء البارد وكل اسباب الراحة. وكان على رأسهم المهندس الزراعي الذي نوهنا عنه اعلاه فكان يشرف على البناء وعلى الزراعة وعلى الشتلات وجلب فلاحين ذوي خبرة بالبساتين وبالمحاصيل الحقلية وبالخضراوات وكدس الاسمدة الحيوانية والاسمدة الكيمياوية. واشترى ساحبة (تركتور) للحراثة وحفر اربع آبار لسحب الماء لكل قطاع بالإضافة الى الماء الذي حفر له نهرا كبيرا يجلب الماء من نهر دجلة ومضخة كهربائية ذات قدرة عالية لرفع الماء من النهر الى الساقية ولما كانت المزرعة تقع على الشارع العام فقد جعل الخمسين دونما متنزها مجاورا للطريق العام. وبنى فيه خمسون صريفة مبنية من القصب والبردي والحصير ومفروشة بالحصران وزرع الارض بالثيل الفرنسي وبنى مطعما كبيرا ومخزنا واسعا جدا لبيع جميع الانواع المنتجة من المزرعة وقرر ان تكون الاسعار نصف السعر في المدينة موفرا اجور النقل ودلالية العلوة والوقت والجهد المصروف من الفلاحين للذهاب الى المدينة والبقاء فيها لبيع المحصول ومن ثم لجلب الصناديق الفارغة. واحيانا يكون البيع بأقل من نصف سعر السوق وما هي الا سنة واحدة حتى كمل المشروع من كل الوجوه.
ولنبحث ما جرى في المتنزه وقفت عشرات السيارات القادمة من بغداد او الذهاب اليه. للاستراحة وتناول الطعام والتسوق. فالطعام اقتصر على الكباب والتكة والقوزي على التمن وجميع اللحوم من المزرعة حيث يذبح خروف يوميا.
والى جانب المطعم جلست نسوة عدة وهن يخبزن السياح ويشوين السمك. حيث ان معظم سكان المدن لم يتذوقوا اكلة السياح مع السمك والبصل والعنبة. والسياح معمول من طحين الرز وبعد ان يعجن ويكون بشكل سائل ثخين، يسيح فوق الصاج الذي يسخن جيدا بنار سعف النخيل وبعد ثلاث دقائق تقريبا ترفع السياحة من الصاج وتكون جاهزة للأكل ولاسيما مع السمك والبصل والعنبة.
وفي المخزن عرضت الشرابت اي عصير الفواكه من برتقال ومشمش وعنجاص وكوجة، وتوجد قناني المربى، مربى التفاح والمشمش والخوخ والعنجاص والرقي، ومعجون الطماطة، والبصل والثوم وكل ما يحتاجه المطبخ موجود وباسعار زهيدة جدا. اضافة الى الزهور المختلفة وبسعر اقل من نصف سعر المدينة وماء الورد المعبأ بالقناني. ولا تنسى اللحم المغلف بالنايلون خوفا من الذباب وفي جناح معزول بأبواب زجاجية وايضا بسعر رخيص، لحوم بقر ولحوم غنم ومعز ودجاج وارانب.
وقد صفن الثلاجات المختلفة لحفظ هذه اللحوم.
لقد هيأ حسن بيوتا ومحال سكن لكل العاملين في مزرعته واصبحت نموذجا للذوق والترتيب والرخص والاناقة والنظافة، ولكون المتنزه يهيء كل اسباب الراحة فأخذ الناس يتجهون اليه من المدن لقضاء مدة فيه وحتى المبيت احيانا لوجود الكهرباء وكل اسباب الراحة. حتى هيأ لكل عشر صرائف دورة مياه للاغتسال والاستحمام ولقضاء الحاجة مع الصابون وورق التنشيف.
ويقول دائما ان الغربيين ينيرونا بهذه الاشياء الحضارية فلماذا لا نهيئها نحن في ديارنا ولذلك لا يهتم اذ اتلف البعض شيئا لأن الاخرين يحافظون عليها، وهو يقبل بالخسارة مقابل ان تكون سمعة المتنزه جيدة. اجتمع حسن مع زهراء يوما بعد العشاء وقال لها كيف انت يا عروسة، قالت انا الان اكثر من ملكة لأنني اشرف على مئات الناس واهيء لهم اسباب المعيشة الشريفة المريحة، واقدم خدمات لأبناء بلدي لم يحلموا بها الا عندما يكونوا في الخارج اي في الغرب.
لقد تجاوزنا مرحلة الصرف وحتى قبل ثلاثة اشهر كان المصرف بحدود خمسين مليون دينار. واليوم بدأت الواردات وهي تفوق المصاريف كثيرا وعليه سوف نقلل الاسعار في الاشهر المقبلة، لان الله ساعدنا ونجحنا في مشروعنا الذي هو اول مشروع في الشرق الاوسط ويا ليت بعض الاغنياء يقلدونا ويعملوا بمثل ما عملــــــنا وان ارباحهم ستكون مضاعفة وبنفس الوقت نرفه عن ابناء وطننا.























