العراق وحماية حدوده البحرية
عماد علو
جاء القضم الكويتي لأراض عراقية في مناطق حقول الرميلة الجنوبية النفطية وصفوان وأم قصر تحت غطاء استثمار نتائج حرب الخليج الثاني 1991 التي سوغت اصدار قرارات ترسيم الحدود البحرية والبرية بين البلدين وثبتها مجلس الأمن في قراره رقم 883 في مايو 1993 ، والذي صدر استنادا” الى نتائج اعمال لجنة ترسيم الحدود المشكلة بموجب الفقرة 3 من القرار 687 (1991)” الصادر عن مجلس الأمن . وهي اللجنة التي تحفظ على قرارها رئيسها الإندونيسي السيد مختار كوسوما أتماجا ، عندما قال معبرا” عن وجهة نظره بأنه وفي ضوء طبيعة ومدى تفويض اللجنة فانه سيكون من الصعب التعامل مع ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت حيث أن التفويض المذكور لم يخول اللجنة التعامل مع مسار الحدود في ما وراء نقطة ارتباط خور الزبير مع خور عبد الله (أي بعبارة أخرى، ما وراء تلك النقطة حتى البحر) ما لم توافق الأطراف(العراق والكويت) على غير ذلك وان اللجنة لم يكن بمقدورها توسيع حدود تفويضها على مسؤوليتها الخاصة. ولم يتردد رئيس اللجنة في الكشف عن حقائق ساطعة حول أعمال الضغط على عمل اللجنة والتدخل فيه التي لجأ إلى ممارستها مساعد المستشار القانوني لسكرتارية الأمم المتحدة ، وكذلك الضغط الكويتي على رئيس اللجنة والخبيرين المحايدين بغية حملهم على تبني موقف الكويت في ما يخص ترسيم الحدود البحرية . الامر الذي اضطر رئيس اللجنة السيد مختار كوسوما أتماجا في 20/تشرين الثاني/1992 للاستقالة والتي أعلن عنها في رسالته الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 4/تشرين الثاني/1992 ورسالته المفصلة المؤرخة 6/تشرين الثاني/1992 الموجهة إلى المستشار القانوني للأمم المتحدة. وقد أشارت هذه الرسالة إلى أن الاستقالة كانت لسببين أولهما “شخصي” أما الثاني فهو، بحسب ما جاء في نص الرسالة، ” لقد تكونت لديّ منذ بعض الوقت تحفظات بشأن شروط الرجوع إلى اللجنة”. لقد طرح رئيس اللجنة في رسالته كيف انه أثار “في مناسبات عدة مع المستشار القانوني”، بعض النواحي الخاصة بشروط الرجوع إلى اللجنة “وكيف انه جلب الانتباه إلى أن “الحدود في القسم البحري (خور عبد الله) لم يشر إليها بدقة في وصف الحدود كما تضمنه تبادل الرسائل لعام 1932، ولذلك فأن تعيين الحدود كان غير متاح” للجنة والتي يمكن أن تتم على أساسه عملية ترسيم هذا الجزء من الحدود”. كما كشف كيف أن المستشار القانوني أوضح له في نيسان 1992 أن “أي تغيير في تفويض اللجنة من جانب مجلس الأمن هو خارج حدود هذه المسألة”. كما لاحظت الرسالة أن هذه المسألة نوقشت مرة أخرى بين رئيس اللجنة والمستشار القانوني في أيار، ثم نوقشت مرة أخرى أيضا في اجتماعين عقدا بين رئيس اللجنة من جهة والمستشار القانوني والأمين العام من جهة أخرى في تموز وأيلول عام 1992 حينما أتيحت لرئيس اللجنة فرصة “وصف الموقف الذي جعل من المتعذر بالنسبة لي الاستمرار ما لم تجر هناك تعديلات لتفويض اللجنة”. بعد ذلك أشارت الرسالة” ونظراً لإدراكي انه من الصعب بالنسبة لي تغيير الشروط الحالية للرجوع إلى اللجنة، ولأسباب أخرى شخصية لم يعد لي أي خيار آخر غير تقديم استقالتي”. إن التدخل في عمل اللجنة والضغوط غير القانونية التي مورست عليها من قبل الكويت والإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية ، قد أدت إلى نتيجة تثير عدداً من التساؤلات القانونية، حيث أن صيغة تعيين الحدود التي اعتمدها مجلس الأمن كأساس لترسيم الحدود في القرار 687 (1991)، والتي تم التوسع فيها في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي قدمه طبقاً للفقرة 3 من القرار المذكور، لا تتضمن أية إشارة لوصف الحدود في خور عبد الله. وعلى هذا الأساس فأنه من المستحيل الاعتماد على تلك الصيغة في أية عملية ترسيم للحدود من النوع الذي قامت به اللجنة لأن الترسيم ينبغي أن يعتمد على وصف للحدود، أي بعبارة أخرى تعيين للحدود متفق عليه من جانب الأطراف المعنية. يضاف الى ذلك كله أن الواقع الجغرافي و الوقائع التاريخية ، فضلا” عن القوانين الدولية ، تشير الى التقاء وتداخل المياه الاقليمية لدول شمال الخليج العربي وهي السعودية والكويت والعراق وايران وهي مياه لم يجري الاتفاق على تحديدها قانونيا” حت> الان الامر الذي يفرض على هذه الدول ان تتباحث بصورة مشتركة حول تحديد المياه الاقليمية والجرف القاري لكل دولة . حيث أن أي اتفاق ثنائي او ثلاثي لتحديد المجالات البحرية لا يأخذ في الاعتبار حقوق الدول المجاورة الاخرى ، وفقا للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1993، لا يمكن أن يكون له أي أثر قانوني ملزم لتلك الدول ولن تكون مجبرة على الاعتراف به خصوصا” وان مثل هذه الاتفاقيات الثنائية او الثلاثية سيعتبرها باقي الاطراف بانها تتجاهل الحقوق المشروعة للباقين في المياه المغمورة .وكان العراق وايران قد بادرا الى الاحتجاج على الاتفاقية الحدودية الخاصة بالجرف القاري التي أبرمتها دولة الكويت مع المملكة العربية السعودية في عام 2001 . لذلك فان مشكلة تحديد الجرف القاري بين الدول المطلة على شمال الخليج العربي ستبقى مصدرا” من مصادر التوتر بين الدول الاربعة المشار اليها كون المنطقة المغمورة تتوافر على ثروة هائلة من النفط والغاز الطبيعي يتنافس الجميع على الاستثمار فيها عدا العراق الذي ينشغل بنزاعات وصراعات داخلية لا تشبع ولا تغني من جوع . فعلى الرغم من أن السواحل الكويتية ، يزيد طولها على 499 كيلومترا، أي بطول المسافة بين البصرة وبغداد ، وتنشر على طول سواحلها موانئ تخصصية واسعة في الشعيبة، والأحمدي، والدوحة، والشويخ، والقليعة، وعندها مجموعة كبيرة من المرافئ والمراسي العميقة، لكنها اختارت أن تستثمر في تنفيذ مشروعها الاستفزازي ميناء (مبارك الكبير) في أضيق الأماكن، وتحشره حشرا في خاصرة ساحل الفاو على الساحل الشرقي لجزيرة بوبيان، لتخنق الرئة البحرية الوحيدة، التي يتنفس منها العراق في هذا المكان الحساس، الذي يعترض خطوط السفن المتوجهة إلى الموانئ العراقية، وتصر على فرض واقع جيوبوليتيكي استفزازي في منطقة تعد من أحرج المناطق الملاحية في العالم، وكأنها تريد غلق آخر ما تبقى من بوابات الموانئ العراقية، وبالتالي حرمان بلد الرافدين من ارتباطاته البحرية والتأثير على الامتداد الحقيقي لمساحة الجرف القاري العراقي الذي لم يتم تحديده أو الاتفاق عليه حتى الآن ، وممراته الملاحية، وبالتالي على حدوده البحرية ، والحقيقة إن بناء مشروع بهذه الضخامة في خور عبد الله ستكون له تأثيرات سلبية ضارة على الاقتصاد العراقي بشكل مباشر، حيث ستفقد الموانئ العراقية لتعاملاتها المعتادة مع خطوط الشحن البحري العالمية، وبالتالي فقدان آلاف الأيدي العاملة العراقية التي تعمل في تلك الموانئ أعمالها. والحقيقة ان البقاء تحت طائلة البند السابع الى الابد هو امر مستحيل وغير منطقي ولا يبرر التنازل عن حقوق العراق التاريخية والقانونية في اراضيه وثرواته النفطية ومياهه الاقليمية ومساحة جرفه القاري وحرية حركة سفنه التجارية . وبالتالي فان الواجب الوطني يحتم على الحكومة العراقية وكافة القوى السياسية الوطنية العراقية حماية سيادة العراق وصون مصالحه في ارضه ومياهه الاقليمية ، والدفاع عنها .. السؤال المطروح هو عن اسباب ودواعي سكوت بعض الجهات المسؤولة عن هذا الملف الحيوي وعن التداعيات السلبية لميناء مبارك الكويتي على العراق تحت مبرر اخراج العراق من طائلة البند السابع؟ وهو أمر لم يعد يقبله المنطق بعد فقدانه لكل مسوغات الاستمرار .























