الشاعر المصري شريف الشافعي لـ الزمان دونت تجربتي في الغرفة الكونية
حاوره عذاب الركابي
الإلكتروني والورقيّ متجاوران
ــ يقول ميلان كونديرا في كتابه الرائع فن الرواية أنا تجريبيّ . وفي رائعتك البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية .. أنت مجرب جريء. احك لي شيئاً عن قصيدتك الرقمية. أليس الإبداع كله تجريباً؟ ونحن سنظل نجرب حتى نهاية الحلم حدثني رعاك الله، أنا في شوق إلى حديثك..
نحن نعيش عصراً رقميّاً، هذه حقيقة، ولا يمكن أن تغيب تأثيرات وانعكاسات هذه الرقمية ـ كنمط حياة ـ عما يكتبه الشاعر الحقيقي اليوم، وإلا فإنه يكتب عن عصر آخر، ويعيش حياة أخرى، فوق كوكب آخر
النشر الإلكتروني للشعر هو أحد ـ وليس كل ـ وجوه الاجتياح الرقمي للشاعر. والأهم بالتأكيد من اختيار الشاعر للرقمية كوعاء جديد للنشر، أن يكون ما في الوعاء جديداً معبراً عن معاناة الإنسان في العصر الرقمي الخانق.
أحدث دواويني حمل عنوان الأعمال الكاملة لإنسان آلي ، وهو يتألف من عدة أجزاء، عنوان أولها البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية 200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض . وتهدف هذه التجربة ـ التي جاءت كلها على لسان روبوت الألفية الثالثة ـ إلى فضح سوءات هذا العصر الغارق في التسليع والميكنة والتقنية، ومحاولة البحث عن الذات الإنسانية المفقودة، النابضة بحرارة ـ رغم كل شيء ـ تحت جليد الحياة الرقمية.
تجربتي
دوّنت هذه التجارب في غرفة مجهزة بالقرية الكونية، في الفترة من مطلع الألفية الثالثة، إلى نهاية عصر الورق …، هكذا كتبت في بطن غلاف الديوان، الذي آثرت أن يصدر في طبعة ورقية، جنباً إلى جنب مع نشر المحتوى إلكترونيّاً في عدد من مواقع الإنترنت، وموقعي الشخصي.
تجربتي كلها تشتبك مع جوانيات الحياة الرقمية، هذا ما أثق به، والعدد الأكبر من القراء والأصدقاء المبدعين والنقاد قد اطلعوا على الديوان من خلال نسخته الإلكترونية، لكن صدور الديوان بأجزائه المتعددة في طبعته الورقية أمر مهم بالنسبة لي، لأن الوسيط الورقي لا يزال قادراً على تطوير نفسه وتطويعها لاستيعاب تشكلات فنية جديدة تتمثل روح الحياة الرقمية، وهذا ما أردت إثباته من خلال الغلاف والإخراج الطباعي المغايرين تماماً للمألوف في الدواوين الورقية.
إن لوحة الغلاف مثلاً تظهر أصابع آلية فولاذية تمسك بالكرة الأرضية وتقلّبها للبحث فيها، وأسفل اللوحة يوضح محرك ياهوو YAHOO SEARCH على الإنترنت أن نتيجة البحث عن مفردة نيرمانا Nirmana هي نتيجة سلبية تماماً. فكأن الباحث عن نيرمانا، عن الأخرى أو عن ذاته أو عن المفقود المنقرض عموماً، يدرك منذ البداية أنه لن يعثر على ضالته، لكنه يستمر في بحثه رغم ذلك، طالما أن هذا هو المسلك الوحيد الذي يعني التشبث بالحياة. وهذا الغلاف يقود الخيال بالضرورة إلى مضمونية رقمية، رغم كونه غلافاً ورقيّاً.
في تصوري أن الكتاب الإلكتروني لن يحل تماماً محل الكتاب الورقي بالسرعة التي توقعها البعض، لكنه سيتجاور معه بالتأكيد لفترة قد تطول، والأهم من هذا التجاور، أن تأثير الرقمية كجوهر حياة سيتجه بقوة إلى الكتاب المطبوع نفسه، مضمونيّاً وإخراجيّاً، كما حدث في الأعمال الكاملة لإنسان آلي ، وأنا هنا بالطبع أتحدث عن الكتب الإبداعية على وجه التحديد.
لقد أوضحت منذ قليل لماذا اخترت الوعاء الورقي جنباً إلى جنب مع الوعاء الإلكتروني، أما عن أهمية الوعاء الإلكتروني، فمن المؤكد أن هذا الأسلوب من النشر هو الأنسب لشاعر مثلي يحيا في قرية كونية صغيرة، ويطمح ـ ببساطة ـ إلى أن يكون صوت نفسه، وصوت صديقه القارئ، صديقه الإنسان، في كل مكان، خصوصاً أن هموم البشر الملحة صارت تتعلق أكثر بمصيرهم المشترك، بوجودهم ذاته، وليس بقضاياهم الإقليمية المتضائلة. وبالطبع فإن النشر الإلكتروني أقدر على تحقيق هذا التصور من النشر الورقي، فضلاً عن أنه يكفل اتساع دائرة القراء على نحو كبير.
ومما يثبت كيف أن النشر الإلكتروني لديواني قد جعله أكثر تشعباً وتأثيراً في القرية الكونية الصغيرة، أنه نشر ورقيّاً في أول الأمر في القاهرة فقط، ورغم ذلك فإن أهم الأقلام النقدية التي تناولته كانت في لبنان وسورية والمغرب والعراق والجزائر وقطر والبحرين والإمارات والكويت، وعدد من الدول الأوروبية، بل وهونج كونج، وبالطبع فإن الكتاب الورقي لم يكن له حضور هناك في ذلك الوقت قبل صدور الطبعة السورية عن دار تالة، وإجراء اتفاقيات لتوزيع الديوان في لبنان والأردن والبحرين .
ــ تكتب قصيدة النثر بتميز بين أبناء جيلك.. وتعرف أنّها مزعجة. هل تشعر أنها تضايق أحداً، وتغتصب حقّ أحد؟ لماذا هي مزعجة إلى هذا الحد؟ ولماذا تراها الأذهان التقليدية كابوساً؟ وكيف تقيّم هذه التجربة في مصر، وأين تجد نفسك بين رفقاء جيلك؟
الشاعر، في تصوري، هو الشاعر، موقظ من هو نائم وموقظ من هو مستيقظ، بغير جرس إنذار، مفجّر الحياة ومشعل النار في الأبجدية، بغير كبريت، سواء استخدم الإيقاع أو تركه، وفي الحالتين يجب أن يكون الشاعر ملمّاً به، ليكون استخدامه الإيقاع بسبب، وتركه أيضاً بسبب، وليس جهلاً به.
قصيدة النثر موجودة، شئنا أم أبينا، والكائن الحي الذي يكتبها ليس بحاجة إلى نشر إعلان في الصحف يثبت أنه على قيد الحياة، ويتوسل المتضررين من وجوده بأن يتنازلوا ويصمتوا، لكي يتمكن من استخراج شهادة رسمية بأنه حي يرزق
منذ بدايتي، وأنا أنتمي إلى يقين شديد الخصوصية فيما يتعلق بالأجيال الشعرية، والتصنيفات النوعية للشعراء، بل وللشعر نفسه. أنا أرفض أن أوضع في خانة بالغة الضيق تسمى جيل التسعينيات في مصر ، لمجرد أنني أحمل بطاقة هوية مصرية، وصدر أول دواويني في تلك الحقبة الزمنية، مع أن شعري لا يتشابه مع أحد من المصريين الذين نشروا دواوينهم في تلك الفترة ويزعجني للغاية أن أوصف بأنني واحد من شعراء قصيدة النثر في الوقت الحالي، لمجرد أنني لم أستخدم التفاعيل في الأعمال الكاملة لإنسان آلي ، مع أنني استعملتها من قبل..، وماذا لو استعملتها في نص جديد، هل سأكون منافقاً أو صابئاً، وكيف سيتم تصنيفي وقتئذ؟
إن محاولة تصنيفي في إطار جيل، أو تصنيف شعري ضمن تيار، على أسس فيزيائية جامدة، أمر يصيبني بالإحباط، بل يقتل طموحي المشروع الذي لا حدود له، نحو أن أكون أنا جيلي كله، ويكون شعري هو التيار الذي أصنعه أنا، وأنتمي إليه أنا وحدي. إنني لا أفهم الشاعر الحقيقي، ناهيك عن الفذ، إلا من هذا المنظور.
هناك هموم ومكابدات مشتركة، صادفها الشعراء في مصر في العقدين الأخيرين، هذا أمر مؤكد. هناك بعض القناعات الجمالية التي تم الالتقاء عليها في بعض الدواوين، هذا ما حدث بالفعل. لكن ما يطلق عليه جيل التسعينيات ، ومن يسمون بـ شعراء قصيدة النثر ، يمكن اختصارهم في حقيقة الأمر إلى بعض نقاط الضوء المكثفة، المدهشة شعريّاً، بعيداً عن منطق التصنيف القاصر.
هناك نقاط شعرية قليلة جدّاً، مضيئة لدى بعض الشعراء، في بعض دواوينهم، في بعض قصائدهم، يتعب القارئ حتى يصطادها وسط ركام الطنين والمعارك المفتعلة التي قتلت الشعر. إن الذين يخلصون للشعر فقط، دون سواه، هم من توجد لديهم بعض قطوف أو ثمرات تأنس إليها الروح، توجد لديهم تجربة تسعى بين الحين والحين إلى تحسس تفردها، والنجاة من الخيوط المجنونة التي تحاول الجمع بين الصالح والطالح في سلة واحدة، تارة باسم شعراء التفعيلة ، وتارة باسم شعراء قصيدة النثر ، تارة بعنوان القصيدة الكاملة ، وتارة بعنوان القصيدة الناقصة
يالها من صناديق مهترئة لتصنيف الشعراء كالقطعان على أسس فيزيائية جامدة كيف يمكن اعتماد مؤشر وحيد شكلاني هو غياب الإيقاع للجمع بين شعراء متنافرين فنياً كل التنافر، تحت مسمى شعراء قصيدة النثر ؟ إنه أمر لا يقبله المنطق، ولا يقره الواقع الشعري نفسه، فبداخل هذا الصندوق شعراء متباينون تماماً روحاً وتجربة ونبضاً ولغة ورؤية للعالم، بل وبينهم على صفحات الجرائد قضايا ثأرية، وتراشقات بلغت محاولة كل شاعر نفي الآخر ولو أضاف البعض إلى غياب الإيقاع بعض السمات المضمونية والجمالية المحددة لشروط كتابة قصيدة النثر، لزادت المشكلة تعقيداً، إذ سيصير هناك شعراء ناثرون، لكنهم يبقون منبوذين خارج صندوق قصيدة النثر، لحين الاعتراف بهم والسؤال هنا من يعترف بمن؟ وهل يمكن تشكيل سلطة للتحكم في حركة شعرية نشأت أساساً للتخلص من فكرة السلطة؟
إن عافية الشعر العربي الجديد مرهونة بالترفع عن مراجعة هذه الصغائر والمفاهيم البالية التي باتت مضحكة، مرهونة بالقبض الحي والمباشر على جوهر الشعر ذاته، مرهونة ببزوغ شعر رفيع كبير، يحتضنه القراء بوعي وبلا وعي، شعر يتحدث بأبجدية جديدة لها لون وطعم ورائحة العصر، شعر تتصالح فيه الأجيال والتيارات المتناحرة، ويبحر فيه القارئ العادي والمتخصص، فيجد شيئاً من بصمات روحه، ويستشعر نبشاً في أعماقه الإنسانية، ووهجاً في فصوص مخه. شعر يتجاوز التصنيفات المحنطة، والأطر الجامدة، ليفرض هو مذهبيته المرنة على المشهد. شعر ينبني على ما هو فردي خالص، وعلى المشترك الإنساني العميق في قريتنا الكونية، متجاوزاً الطرح العارض الزائل من قضايا سياسية واجتماعية وما إلى ذلك.
إن حضور مثل هذا الشعر المغاير، الفارق، المخلخل، هو الأمل في أن يعود النقد الجاد إلى الساحة، ليلعب دوره التنويري الكاشف، الهادف إلى إعادة قراءة النص من جوانياته هو، وفق شروطه وإحداثياته هو، وليس في ضوء قوالب وتعميمات جاهزة، تخنق جدة التجربة، وتحاكمها بالقياس إلى تجارب أخرى.
يقول السيميائي الكبير غاستون باشلار سيقدم لنا الشعراء بصيص نور.. نور بلا حدود . ترى ماذا يقدم شعراؤنا في زمن التفرقة والحروب المفتعلة والكوارث المتلاحقة والاحتلال وغياب المدن وفقدان الهوية والهزال الثقافي؟
غاية العدالة، الحقيقية أو الافتراضية، أن يكون المحك الجوهري لامتحان القصيدة الجديدة هو القصيدة نفسها، حيويتها، طزاجتها، فرادتها، قدرتها على تمثل روح عصرها، قابليتها للاستساغة الطبيعية وإشباع الأذهان والحواس بما يغني ويمتع في الآن ذاته.
لقد ربط الأغلبية تراجع القصيدة العربية في السنوات الأخيرة بأسباب إجرائية، وزاد الحديث عن الشروط والعوامل الخارجية، التي عرقلت ـ بل حاربت ـ تحليق القصيدة في فضاء المشهد، واستردادها مجدها الذهبي الضائع، بل المسلوب منها ومن مبدعها الشاعر المهضوم، المتعرض للتصفية بفعل القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتحالفة ضد الشعر والشعراء ، وبفعل القوى الثقافية الفاسدة بشلليتها وضحالتها وتقليديتها وبانحيازها غير المبرر إلى الرواية ، بل والأغرب بفعل الجمهور ذاته، الذي تواطأ مع هذه القوى، وزهد في الشعر المعبّأ خصيصاً من أجله في قوارير نظيفة فاخرة، مما تستخدم في حفظ إكسير الحياة وفيتاميناتها الموصوفة
الشجاعة
رغم غرابة هذا المنطق، وشذوذه، فإنه ساد المشهد الثقافي لسنوات طويلة، ولم يمتلك أحد ـ خصوصاً من الشعراء ـ الشجاعة الكافية ليقول بثقة وبأعلى صوت الأزمة أزمة قصيدة في الأساس أيها الأصدقاء، وما تتحدثون عنه من عوامل انحسار الشعر، وتراجع دوره، يبقى مجرد عوامل مساعدة، ولو تم جدلاً عزل القصيدة خارج هذه العوامل، لتحل محل الهواء في الأنوف، ومحل أشعة الشمس في العيون، لبانت الفضيحة عارية، فليس كل ما تتاح له الفرصة ليوضع على المائدة كخبز للبشر يصلح لأن يكون خبزاً بالتأكيد.
هذا هو السؤال الأصعب على الإطلاق، والامتحان الحقيقي الذي تخوضه القصيدة الجديدة الآن، وأظنني واحداً من كتابها، حيث تطمح إلى استرداد وضعها الطبيعي في هذه الحياة، من خلال شعريتها، وشعريتها فقط، وليس من خلال البوابات السلطوية والنخبوية والوسائط والوسطاء والمنظّرين والمروّجين والمسوّقين، ولا حتى من خلال القضايا المصيرية والجماهيرية والنبوءات الكبرى، التي تتمسّح بها لتستدر التعاطف والتصفيق.
أرى أن اللحظة مناسبة تماماً الآن لعودة القصيدة الحقيقية الحيوية، أو ميلادها بصورتها النقية، بل لعلها اللحظة التاريخية الأكثر مثالية منذ سنوات بعيدة، بعد أن انهارت الوسائط التقليدية لتوصيل النص، وانقاد النقاد والوسطاء الانتفاعيون إلى مكان بارد في الذاكرة، معلنين إفلاسهم، وعدم قدرتهم على التمرير والمنع في عصر الرقمية والفضاءات المفتوحة.
ومع ذلك، فإن القادرين على استغلال الفرصة من الشعراء العرب الموهوبين يمكن عدهم عدّاً على الأصابع، لأن جوهر الأزمة لا يزال قائماً، وهو الجوهر الشعري نفسه، المعدن الأصيل في صورته النقية المجردة، وما أندره وسط هذا الفيضان الشعري الزاعق الجارف
إن المنطلقات والرؤى المغايرة، التي تخص الشعر والكتابة الجديدة عموماً، تفرض نفسها بقوة، والمعطيات النظرية لكتابة القصيدة تجاهد كي تتفعل أوتوماتيكيّاً بلا صعوبة تكاد تذكر، فالشاعر الآن بقدر من الذكاء ـ ولا أقول الموهبة ـ قادر على استشفاف أنه يعيش في عالم رقمي، وغرفة كونية صغيرة، وأن القضايا المصيرية الملحّة التي تعنيه وتعني غيره من البشر صارت تتعلق في الأساس بوجود الإنسان كإنسان في هذا العالم أكثر من تعلقها بالعارض الزائل من قضايا سياسية واجتماعية وما شابهها.
وليس بخاف أيضاً على الشاعر الحصيف تلمّس أن الهم الإنساني المشترك هو أطروحة الكتابة المقبولة، وحدها دون سواها، في ظل إلغاء الحواجز والحدود ـ على المستويات كلها ـ بين الشعراء بعضهم البعض، وبينهم وبين قرائهم في أي مكان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان على وجه العموم.
ويكتمل عقد استراتيجيات القصيدة الجديدة باستنباط الشاعر، الذكي بالضرورة ، أن المجال متاح ليقول ما يشاء، وقتما يشاء، بالطريقة التي يشاء، وأن النشر الإلكتروني عبر الإنترنت، في صفحات موقعه الشخصي أو مدونته أو في المواقع والصحف الإلكترونية ذائعة الصيت، أعفاه من كثير جدّاً من البوابات السلطوية والنخبوية والرقابية التقليدية، ومكنه من النشر بسهولة، بل إنه أحياناً يمتلك حق تنسيق وتنميق وتثبيت قصيدته بيده في هذه الصحيفة أو ذلك الموقع، والإعلان عنها في الصفحة الرئيسية.
ومنطقي أيضاً أن يختار الشاعر لكتابته الجديدة هذه وعاء لغويّاً حيّاً، سهلاً، حيث إن التواءات المجاز تعوق كثيراً سيولة التداول الشعري ، الذي يحلم به.
إنه عصر الفرص المتاحة حقّاً، عصر العدالة الافتراضية المتحققة بقدر مقبول جدّاً، فالعلاقة صارت مباشرة إلى حد كبير بين الشاعر وبين الجمهور في الفضاء الرقمي، وتقلصت مسؤولية مؤسسات الدولة، بل كل المؤسسات. الشاعر الآن لا ينتظر إقراراً من أحد، ولا توقيعاً على مخطوط ديوانه، كي يكون.
حتى النشر الورقي ذاته، يبدو وقد تأثر كثيراً بهذه الثورة الرقمية، فلا ينكر أحد أن تسهيلات عظيمة للغاية قدمتها دور النشر الخاصة، في مصر وسورية ولبنان على سبيل المثال، في السنوات الأخيرة للشعراء والأدباء الراغبين في النشر لديها، ولا أظن أن مساهمة مادية غير مبالغ فيها من الأديب في تكلفة نشر كتابه ستقف عائقاً أمام طموحه في الوجود والتحقق، خصوصاً أن الكتابة صناعة في الأساس، وأنه إن حقق كتابه رواجاً تسويقيّاً، فسوف يتنفع هو ماديّاً، بالقدر الذي ينتفع به الناشر. أما سلاسل النشر الحكومية، فإنها ـ كما في مصر مثلاً ـ على الرغم من بيروقراطيتها وانحيازاتها النسبية للتقليدي لا تبخل في إعطاء الأصوات الجيدة والجديدة دورها ، وسط العديد من الأصوات الرديئة التي تأخذ دورها أيضاً لإثبات النجاح الكمي لهذه السلاسل، التي لا تكاد تعقل أساساً فكرة الكيف أو التميز النوعي .
لماذا لم ينتهز الشعراء هذه الفرصة؟ وماذا تنتظر القصيدة الجديدة كي تصبح خبز المائدة؟ بصراحة تامة الأزمة أزمة إبداع في الأساس، فقبل أن نطالب بأن يعود الشعر خبزاً للقراء، ملقين باللوم على القوى القاهرة والشروط والعوامل المساعدة، يجب أن يلغي الشاعر أولاً المسافة بينه وبين نفسه، وبالتالي تذوب المسافة بينه وبين قارئه، وتخترق قصائده كل الحدود، بقوتها الذاتية، لا بأي دعم خارجي. قمّة الاغتراب أن يفقد الإنسان إنسانيته. من مصر المحروسة.. إلى السعودية، حيث إقامتك.. حاملاً همومك.. وأحلامك.. وجراحاتك.. كإنسان حالم أبداً. ماذا أضافت لك غربتك؟ أي فضاء؟
الاغتراب عن مصر قرابة عامين، له دور بلا شك في تفعيل تجربة الأعمال الكاملة لإنسان آلي ، حيث تحرم الغربة الإنسان من كثير من سمات الحياة العادية الطبيعية. لكن معنى الاغتراب الأكثر عمقاً وشمولية في النص متعلق باستلاب الذات، وغيابها، واحتلال ملكات الإنسان، وتوجيه مسلكه إلى حيث لا يرغب، وإثقاله بالقيود والضغوط الخانقة، بما يفقده شخصيته وهويته. إن قمة الاغتراب أن يفقد الإنسان إنسانيته، ولا يدري من هو، ويزداد تعطشه إلى الآخر الحيّ، وليس إلى الوسائل والتقنيات المساعدة. يقول الروبوت في غازات ضاحكة الجزء الثاني من الأعمال الكاملة لإنسان آلي
الغريب الذي يعبر الطريق
ليس بحاجة إلى عصا بيضاء،
ولا كلب مدرّب..
هو بحاجة إلى أن تصير للطريق عيون،
تتسع لغرباء
ــ الشاعر شريف الشافعي.. ننتظرك، وننتظر ديوانك الرقميّ غازات ضاحكة .. ننتظر المزيد من أحلامك. أنت، ماذا تنتظر في حقول صبرك المشمسة؟
في دمي مهرجان شعريّ دائم، يسع الوجود.
دقات قلبي حفلات توقيع وإيقاع، متصلة.
أنتظر أن يخجل الستار من أن يكون فاصلاً ـ ولو للحظات ـ بين البشر وفن الحياة.
AZP09























