
السيد حسين محمد هادي الصدر.. الأقمار تفتقد في الليالي الظلماء
أحمد عبد المجيد
في الطريق الى مستشفى الورود ، مقابل بدالة العلوية ببغداد ، لتفقد السيد حسين محمد هادي الصدر، حيث كان يرقد للمرة الثانية خلال شهرين ، استعدت شريط ذكرياتي مع سماحته .
كان مستغربا انه أصر على رؤيتي برغم التحذيرات الطبية والأرشادات الصحية القاضية بمنع الزوار من دخول صالة الطوارئ . وأنقبض قلبي وأنا أراه ممدا على السرير محاطا بأجهزة غسيل الكلى ، لكنه بدا لي متعافيا نتيجة روح تحدي الأزمة الصحية التي يمر بها، وقد شكرني على باقة الورد التي حملتها بأسم (الزمان) اليه واحاطني بتفاصيل وضعه الصحي وتعهد بمواصلة الكتابة يوميا . واعود الى البدايات فقد عرفت سماحته بشكل مباشر، مطلع العام 2004، كان العراق يعيش مخاضات التغيير السياسي الزلزالي وقد شهد تحولات لا سابق له بها. وكان الصدر واحدا من الذين تقدموا صفوف الزعامات السياسية والروحية، التي تولت ترسيخ قواعد الحكم الجديد. وكنت قبل ذلك قد تابعت حركته كمعارض في لندن عبر جريدته (المنبر) التي صدرت عام 1995.
خطاب الصدر
وبمجرد ان اطلعت على أداء السيد الصدر وبحثت في خطابه الإعلامي وجدته، شخصية تتمتع بكاريزما، وتحمل مشروعا وطنيا وتجتهد لتأسيس حلم وطني ظل مرجأ، عقوداً، ينتظر من يتبناه او يترجمه او يساعد في تسويقه وسط جو ملبد وضاغط جداً. ولان سماحة السيد الصدر مدرك لوظيفته ولدوره، فانه ظل يلوذ بذلك المشروع ويرفض أي شكل من اشكال استثماره لأغراض نفعية او حزبية ضيقة، ورأيته يعلن بكل جرأة وحماسة انسحابه من كتلة سياسية في البرلمان، والانصراف الى تأمين متطلبات مشروعه الوطني ذي الرؤية الايمانية والهوية العراقية الصرف، عبر أدوات وجدها ممكنة او قادرة على تقديم خدمة عامة ومنها النشر الصحفي ، برغم التحديات الصعبة.
لقد شرح لي سماحته بعد مصادفة لقائه في مطار عمان للعودة الى بغداد عام 2004 ، الاسباب الكامنة وراء انسحابه من تلك الكتلة السياسية واعلان تفرغه للنشاط الفكري والتوعوي ، ولن استعيد تللك الأسباب في هذا الموضع.
وتابعت سماحة السيد الصدر، كاتبا يرفع هام الكلمة ويحفظ قدسية الحرف ويكتب بقلم مداده السداد والحكمة والموعظة الحسنة ، وظل دائباً على وظيفته البعيدة عن النمط السياسي السائد، القريبة من نبض الناس وهمومهم وتطلعاتهم وبساطة حياتهم وصدق مشاعرهم وتضحياتهم وعفوية منطلقاتهم. واغرتني صيغة خطابه الاعلامي، في الصحافة، وطبيعة مقالاته التي تنطوي على مقومات ينفرد بها عن آلاف الكتاب في بيئة تحفل بأشكال مختلفة من أصحاب النوايا او الأهداف والارتباطات.
فقد امتلك لغته الصحفية الخاصة واسلوبه في المعالجة والتفسير والتحليل، مستلهماً ارث الماضي ومآثر السلف الصالح، مدركاً ان الكتابة ليست حبراً على ورق، بل مسؤولية شرعية ووطنية. وكنت احد المحظوظين، الذين ارتبطوا بوشائج الاحترام والتقدير اليه، ووفقت في كسب قلمه الى جريدة (الزمان)التي ظل مواظبا على الكتابة اليومية فيها ، بكل همة ومحبة ، فظل سنوات طويلة احد ابرز اقلامها واشهرها. وعبر التواصل والمتابعة وجدت ان سماحته استاذ من طراز نادر، يتخرج في مدرسته الباحثون عن رضا الله والناس. فهو مدرك بأن الكتابة ليست صياغة كلمات حسب، بل هي قرينة اداء وواجب، الموقف فيها يتعلق بالوظيفة الاجتماعية والوطنية للكاتب والاداء يختص بما يلي النشر او يسبقه.
فهو لا يكتفي بايصال النص الى منبر النشر حسب، بل ويحرص على تتبع خطواته وتأمين وضعه بين يدي اصحاب الشأن، وذلك بخلاف كثيرين يتركون هذه المهمة ولا يقيمون وزناً لها أو يتعالون عليها، برغم ان بعض المقالات او كثيراً منها تضل طريقها، فلا تبلغ محطتها ولا تستقر الى هدفها المطلوب لدى ادارة الجريدة، أما نتيجة خلل تقني او سهو او خطأ في العنوان الالكتروني. وربما يتبنى هذا النمط من كتاب المقالات موقفاً سلبياً ازاء المطبوعة او تاخذهم الهواجس الى تفسيرات غير صحيحة، ويبنون عليها موقفاً قد يستمر طويلاً قبل ان يكتشفوا الحقيقة، صدفة. كما ظل سماحة السيد رمزاً – بالنسبة لي – للوفاء المفعم بالصبر والتفاني وسعة الصدر والإخلاص والكبرياء الجليل.ولقد جربته في السراء والضراء، فوجدته اخاً كبيراً ومرشداً اتعلم، على يديه، ما تيسر من السلوك القويم والطبائع الحميدة والعطاء الثر والايثار. ويوم صادف اني دخلت في شبه منازلة مع المكتب الإعلامي لرئيس الجمهورية الأسبق برهم صالح ، الذي تجاهل مشاركتيٍ في حفل أقيم لتكريم سماحة السيد الصدر، وقف الى جانبي حاملا همي، ومقدرا سبب انتفاضتي، وعلمت من مصادر موثوقة انه تحدث الى رئيس الجمهورية، طالباً انصافي والتراجع عن الموقف المستغرب من مكتب الاعلام ازائي، وهو ما حصل بالفعل وتمت تسوية القضية على ضوء متابعة سماحة السيد الصدر لها، مع الاخوة الاخرين الذي ازروني وكانوا طرف خير ومودة . ولهؤلاء جميعاً أجد الفرصة سانحة لتقديم الشكر والاعتراف بالعرفان لهم. وفضلاً عن الشجاعة والوفاء، فان سماحة السيد الصدر يتصف بالزهد ونكران الذات، وظل مخلصاً لقناعته وايمانه بالقيم السماوية والروحية، فلم اكتشف في مضمون كتاباته، وهي تغطي مجلدات، أي نزوع نحو المصلحة الذاتية او البحث عن منصب او تكسب أو مطمع، نظير النأي عن تبني قضية المواطن والمطالبة بتحقيق ما يرنو اليه، من عيش كريم وامان وسلام يعم ربوع بلاده، وظل سماحة السيد الصدر على الدوام، كما التقيته او صادفته للمرة الأولى، في رحلة العودة الى بغداد من العاصمة الأردنية، متواضعاً قريباً الى روح مصلح اجتماعي أو اخلاقي، وتملك شخصيته مفاتيح دخول القلوب دون استئذان، وهي نعمة من نعم الباري التي اسبغها على سماحتة.منذ نعومة اضفاره. ولعل من يراجع سيرته الذاتية يكتشف محطات منها تمثلت في قربه من المراجع الدينية العليا ومن السواد الأعظم من الناس،ومن التميز في الهيئة والفكر والاهتمامات. وفيما يتعلق بالنشر فان سماحته يؤدي هذه الوظيفة لوجه الله، تقرباً وتعبدا، دون مقابل مادي أو ما يعرف في الصحافة بـ (المكافأة). فلم اسمع منه طلباً بهذا الحق أو تأكيداً عليه، بل هو واحد من كتاب الرأي الذين اصطفوا الى جانب الصحافة المستقلة في ازمتها المالية ووقفوا في خندقها، متطوعين، من اجل استمرار اداء دورها المطلوب في بلد يعاني أزمات كبرى وتهديدات لا حصر لها. ولطالما سألت نفسي، وانا اتلقى، يومياً تقريباً، منه اتصالاً هاتفياً للاطمئنان على صحتي وأوضاع عملي في الجريدة، عن الفرصة التي أتمكن من خلالها رد الجميل اليه وتقديم المقابل الأبوي أو الاخوي الى مبادراته وكريم مواقفه. وربما وجدت في كتاب ألفته عنه بعنوان (حسين محمد هادي الصدر – منبر تنويري نهوضي)، وانا اراه متواضعاً جداً، ديناً لسماحته في عنقي وعرفاناً يتعين على قلمي وخاطري أن اسدده اليه .
اصحاب النوايا
وربما ظن بعض أصحاب النوايا أن هذا الكتاب كان بمثابة تملق او تزلف او شيئ من قبيل هذه المفردات، ولا شك في أن سماحته اكبر من أن يشترى بسلوك الطارئين ومحاولاتهم وبمعسول الكلام، كما انه ليس من النوع الذي لوثه الاغتــــــراب وغير ثوابته الأخلاقية او ألزمه بوعد الوظـيفة او المنصب او المنزلة الاجتماعية، اسوة ببعض من قدموا الى البلاد بعد نيسان 2003، فالكبار يظلون كباراً، ذلك ان بؤس العالم عبء يمكن ان يسحق اصحاب الوجاهة والراكضين وراء المكاسب، اذا جعلوا منه مسألة شخصية.
رحم الله البدر المضيئ الذي سنفتقده في الليالي الظلماء .























