
الخلاف الشيعي .. الكردي لماذا ؟ – نبز شهرزوري
يبدو أن التطورات والأحداث المتسارعة في العراق تُشير إلى أن التيارات السياسية بمختلف الوانها تستعد لمرحلة ما بعد “داعش” بكل الافرازات السياسية التي ستنتج عنها وتداعياتها في القريب العاجل ، وتُشير تلك التطورات في ضوء طرد جماعة “داعش” الإرهابية من العراق إلى تغيرات كبيرة في العلاقات بين القوى السياسية العراقية وفي مقدمتها تصدع التحالف الشيعي الكردي ، هذا التصدع سيهدد ذلك التحالف التاريخي بين الجانبين ،في ضوء الأحداث الأخيرة التي شهدت صدامات سياسية بين الطرفين ، بشأن مصير كركوك والمناطق المختلف بشأنها والتي يراها الكرد جزءا من المناطق الكردية ويسعون لإلحاقها بإقليم كردستان .
قيادات دينية
إن القيادات الدينية والقومية التي وصلت الى السلطة في العراق بعد عام 2003 حاولت بشتى الطرق إيجاد الحجج والذرائع للاستمرار والاستئثار بالحكم ، عن طريق الاستفادة من تأجيج الصراعات التي باتت تهدد التعايش السلمي. فإن بعض القوى تحاول استغلال هذا الموقف باستقطاب طائفي ، وكلا الجانبين له مصالح اقتصادية كبيرة تدفعه للتشبث بكل الوسائل من أجل ضمان هذه المصالح و الوصول إلى السلطة ثم التمسك بها واحتكارها وأن استعانة هؤلاء بالتأجيج والاحتقان السياسي ، تهدف لتنفيذ مآربهم والاستمرار في الحكم عن طريق توظيف تلك الصراعات مستقبلاً.وما يثير الاستغراب والخوف في الوقت نفسه أن هذه المحاولات الطائفية ، أبطالها قوى سياسية عرفت باللبنة الأساسية للعلاقة الشيعية الكردية التي رافقت ماتعرض له الشيعة والكرد من مظالم على يد حكومات تعاقبت على حكم العراق ، وهي المظالم التي جمعت تلك القوى على تحالف تاريخي للدفاع عن حقوقها ، مع العلم ان الطرفين الكردي والشيعي يعيشان منذ مئات السنين مع بعضهما واشتركا بالمآسي والويلات والحروب معاً.ولكن بعضاً من هذه القوى السياسية تحاول زعزعة الاستقرار والسلم المجتمعي وإيجاد مساحة واسعة للتحريض وإثارة المشاكل الطائفية ، لكي تتمكن من اظهار نفسها وتجميل صورتها مرة أخرى في الساحة السياسية ، ان هذه المحاولات تشمل الأحزاب التي تمر بمرحلة سكون و فقدان الجماهير وعدم التأثير على الشارع والتي تخاف ان تصبح “ديكورا” سياسياً في المستقبل ومن ثم ترى أن أحسن وسيلة للدفاع عن وجودها ومكتسباتها الحزبية هي التحريض وكسب عدد اكبر من المعارضين الى صفها.في الواقع ، ليس هناك شيء اسمه الخلاف الشيعي- الكردي أو العربي- الكردي ..! ، بل هناك دائماً خلاف قوى سياسية شيعية – كردية ، أي أن الكرد والعرب ليسوا أعداء بالفطرة ولم يضطهد بعضهم بعضا، كما حدث بين مكونات اخرى في بلدان أخرى حين اندلعت الحرب الأهلية في رواندا بين (الهوتو والتوتسي ) في سنوات 1990- 1993 ونتجت عن الحرب انتهاكات فاجعة لحقوق الإنسان من قبل الطرفين و أخطرها الإبادة الجماعية والقتل على الهوية. ان التفاهم المتبادل والتقارب الديني والثقافي بين الشعبين على مر السنين شكلا ثقافة ومصلحة وتعايشاً مشتركاً بين الجانبين حوّلت التعصب والتنافر إلى تعايش وتسامح طمسا الانقسامات العرقية ولم تسمح لها بالظهور ابداً ، لكن بدلاً من أن ينظر إلى العلاقة المتميزة بين الطرفين والعمل على تعزيزها ، تحولت إلى ” أزمة ثقة “، وحوّل السياسيين تلك العلاقة القوية إلى تبادل الاتهامات والتسقيط السياسي ، بينما جوهر المشكلة هو انه عندما احتلت امريكا العراق في عام 2003 كانت تنظر إلى الشعب العراقي على أنه عبارة عن مكونات مختلفة واستحدثت بطاقات هوية تعريفية جديدة للعراق وأعادت تقسيم العراق ادارياً تبعاً لمنطقة وانتماءات ساكني تلك المناطق وعند تأسيس مجلس الحكم في العراق في عام 2003 و بتوصية من بول بريمر الحاكم المدني الامريكي في العراق عرفت مصطلحات (الشيعي ، السني ، الكردي ) للمرة الأولى.
وسائل الاعلام
أي أن المسألة ليست لها علاقة تذكر بالخلاف بين الشعبين كما يهول لها في بعض وسائل الإعلام ، اما بالنسبة للكرد ، فيقدر عدد الشيعة الكرد بمئات الآلاف في العراق وان لم يكن بالملايين خاصة في المناطق الكردية في إيران لوجود الشيعة والعلويين الكرد فيها ، أما في تركيا فيوجد عشرات الآلاف الكرد العلويين وخاصة في منطقة ” درسيم ” . ومن ثم اذا صور الأمر على اساس انه خلاف شيعي كردي .. فالكرد هم الخاسر في المحصلة لكونهم سوف يحاربون بني جلدتهم من الشيعة والعلويين ، لهذا السبب يجب أن نعرف ان مصدر وجوهر المشكلة هو الخلاف السياسي والاقتصادي بين الطرفين ، كما ان السلطة الحاكمة في بغداد بيد الأغلبية الشيعية ، هذا ليس حجة لكي يوصف اختلافات بين الطرفين بالخلاف الشيعي الكردي ولا يجوز للكرد عد الحكومة العراقية مرجعاً للتشيع.اما التشيع فهو مذهب إسلامي ليست له علاقة بالانتماء القومي او الطائفي لأي مجموعة عرقية والعراق يضم قوميات وأدياناً مختلفة تجمعها الثقافة والتاريخ والعيش المشترك، والاختلافات السياسية يمكن أن تحل في الأروقة السياسية الرسمية وبطرق سياسية ، من دون الحاجة الى زج الشعب بتفاصيل المسألة ، إن كان يراد لها الحل .وان لم يحاول العقلاء من الطرفين لملمة المشكلة وحل الأزمة السياسية العالقة ، فسوف يؤدي الوضع المتشنج الى تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي وإنتشار الفتنة وضرب التعايش السلمي بين مكونات المجتمع واشاعة ثقافة الانتقام واللا تســـامح ، التي سوف يتسم بها المشهد السياسي في العراق.























