الحرية طريق إلى المواطنة (1)
توحيد قسري
إذا توفرت الحرية والعدالة ، توفرت عناصر العقد الاجتماعي الحقيقي ، الذي يحافظ على الاستقرار ويعمق عوامل الأمن الشامل . فتتوفر كل العناصر المطلوبة لمفهوم المواطنة الحقة . فلا مواطنة بدون حرية وعدالة ، فهما طريق خلق المواطن الصالح المدافع عن منجزات وطنه ومكتسباته ، والمدافع عن ثغوره وحدوده ، وهو الذي يكافح باستماتة من أجل عزة الوطن وتطويره . فالإنسان المقموع والمضطهد في وطنه ، لا ينمو لديه حسن المواطنية بشكل إيجابي ، وذلك لأنه باسم الوطن يطهد ويقمع ، وتحت علمه وشعاراته الوطنية تهان كرامته وتنتهك حقوقه . لذلك فإن طريق المواطنة هو الحرية وصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن كرامته الإنسانية .
إن هذه القيم والمبادئ ، هي التي تخلق عند الإنسان الحس الوطني الصادق . وبدون هذه القيم ، تضيع المواطنية ،و إذا ضاعت المواطنية ضاع الوطن .لذلك لا وطن عزيز بدون مواطنية عزيزة .
وإذا توفرت الحريات العامة ، فهذا يعني توفر المناخ الملائم لتعبئة طاقات المجتمع ، وبلورة كفاءات نخبته ، وازدادت إبداعاته ومبادراته . وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن . ويخطأ من يتصور أن القهر والاستبداد والأساليب الأمنية المختلفة ، هي القادرة على خلق المواطنية وحالة الولاء الصادق إلى الوطن.
إننا ومن خلال التجارب التاريخية العديدة ، أن الحرية والشفافية وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية ، هو الكفيل بتعميق حس المواطنة الصالحة . فشعب الولايات المتحدة الأمريكية ، أتى من بيئات جغرافية متعددة ، وأطر عقدية ومرجعيات فكرية وفلسفية متنوعة ، ولكن الحرية بكل آلياتها ومجالاتها ومؤسساتها ، وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية ، هي التي صهرت كل هذه التنوعات في إطار أمة جديدة وشعب متميز .
فالحرية وحدها هي القادرة على خلق المواطنة الصالحة ، وبدونها تتحول كل المشتركات عوامل للجمود والتخشب والبعد عن الحيوية والفعالية في كل مجالات الحياة . وإن المجال الإسلامي خلال العقود الماضية ، دفع ثمن تهميش أقلياته وممارسة أقسى أشكال التمييز تجاه هذه الأقليات . حيث الحروب العبثية ، التي أهدرت الكثير من الطاقات والثروات ، والتدخلات الأجنبية السافرة في مصالح واستراتيجيات هذا المجال ، حيث وجدت في سياسة التمييز والإقصاء الأرض الخصبة لإرباك الساحات الداخلية للعرب والمسلمين . والمحصلة النهائية لكل ذلك الشعور بالضياع وضمور الحس الوطني الصادق ، والبحث الشره على المصالح الضيقة ، حتى لو كان ثمنها حرية الوطن واستقلاله .
جذور الازمة
ولا نعدو الصواب حين القول ، أن جذر هذه الأزمة هو الاستبداد السياسي الذي يلتهم كل فعالية ، ويقمع كل أمل وحيوية ، ويزدري من كل تطلع وطموح. فالاستبداد يدمر الأوطان ولا يحفظها ، ويمتهن كرامة المواطنين ، ويدوس على مقدساتهم وتطلعاتهم .
وحدها الديمقراطية التي تعيد الاعتبار إلى الذات والوطن ، وتعيد صياغة العلاقة بينهما ، فتنتج وعيا وطنيا صادقا ، يحفز هذا الوعي على الدفاع عن عزة الوطن وكرامة المواطنين .
فالاستقرار السياسي والمجتمعي ، يتطلب باستمرار تطوير نظام الشراكة والحرية على مختلف الصعد والمستويات ، حتى يتسنى للجميع كل من موقعه خدمة الوطن وعزته .
والمواطنة التي نراها شرط إنجاز الحرية على الصعيد المجتمعي ، ليست شعارا يرفع أو يدّون في الأنظمة الإدارية والإجرائية ، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات ، تدفع باتجاه تنمية مشاركة المواطن في قضايا وطنه المختلفة .. ” ومن أجل تجسيد المواطنة في الواقع ، على القانون أن يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع ، على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات . وعلى القانون أن يحمي وأن يعزز كرامة واستقلال واحترام الأفراد ، وأن يقدم الضمانات القانونية لمنع أي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية ، وعليه أيضا ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الإنصاف . كما أن على القانون أن يمكن الأفراد من أن يشاركوا بفعالية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم ، وأن يمكنهم من المشاركة الفعالة في عمليات . اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون إليها “
فالمشاركة الواعية بدون استثناءات ووصايات في شؤون الأمة والوطن ، وقدرة كل مواطن إلى الوصول بكفاءته إلى أعلى المناصب والمستويات بصرف النظر عن منبته ومذهبه وقوميته ، هو الذي يثري مفهوم المواطنة ، ويجعل إنجازه مرهونا إلى حد بعيد إلى الحرية والديمقراطية . فلا مواطنة حقة بدون ديمقراطية سياسية ، تعطي لكل المواطنين حق المشاركة والتعبير والاجتماع والتنظيم والإدارة . فطريق المواطنة بكل متطلباتها وشروطها ، يمر عبر الديمقراطية ، فهي التي تحقق مفهوم المواطنة ، وبدونها نبقى سديما بشريا لا يشترك في تقرير مصيره ، ويمارس عليه كل أنواع التمييز والتهميش .
ولا شك أن أحد الأسباب الرئيسة لانهيار الوعي الوطني الصادق ، هو عدم التعامل الجاد والديمقراطي مع مسألة الأقليات . إذ خضعت هذه المسألة للعديد من الاستقطابات السياسية المختلفة ، وتم استخدامها كورقة في الصراعات السياسية ، دون أن تنبري قوى نوعية للقيام بمبادرات سياسية جادة ، تسعى نحو بلورة رؤية متكاملة وممكنة لهذه المسألة في المجالين العربي والإسلامي .
ولنا في التجربة النبوية في المدينة المنورة خير مثال ونموذج ، إذ أن المواطنة التي شكلها رسول الله لم تلغ التعدديات والتنوعات ، وإنما صاغ دستورا وقانونا يوضح نظام الحقوق والواجبات ، ويحدد وظائف كل شريحة وفئة ، ويؤكد على نظام التضامن والعيش المشترك . إذ جاء في صحيفة المدينة : ” وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر محدثا ، ولا يؤويه ، وإنه من نصره وآواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل . وإنكم مهما اختلفتم في شيء (فيه من شيء) ، فإن مرده إلى الله وإلى محمد (الرسول) وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين : لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، ومواليهم ، وأنفسهم ، إلا من ظلم ، أو أثم ، فإنه لا يوتغ إلا نفسه ، وأهل بيته.
توحيد قسري
فسبيل المواطنة الصادقة ، ليس التوحيد القسري والقهري للناس ، وإنما بالحرية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وكرامته ، نخلق مواطنا صالحا وفاعلا وشاهدا .
ومواجهة تحديات الخارج المختلفة ، لا تتم عبر قهر الناس ومصادرة حقوقهم وحرياتهم ،وإنما على العكس من ذلك تماما . فمواجهة تحديات الخارج ، تتطلب انبثاق قوة وحدوية وتوحيدية في داخل الوطن ، تأخذ على عاتقها تجميع الطاقات وبلورة الستراتيجيات ، والاستفادة من كل القدرات والإمكانات . وهذه القوة الوحدوية ، لا يمكن أن تبنى على قاعدة القهر ومصادرة الحقوق والحريات ،وإنما على قاعدة صيانة الحقوق والكرامات ، ومأسسة الحريات . إن هذه القاعدة الحضارية ، هي التي تفشل كل عمليات ومحاولات الاختراق للجسم الوطني ، وهي القادرة على إفشال كل الرهانات التي تسعى إلى تجزئتنا وتفتيتنا وانقسامنا .. ” والديمقراطية بهذا المعنى هي تعظيم لقدرات المجتمع وتحصين له ضد الانفجارات الداخلية والاختراقات الخارجية . روح الديمقراطية ، مثل روح الفيدرالية ، لا تكمن في الآليات الشكلية بقدر ما تكمن في معنى تعظيم المشاركة وتعظيم الاستفادة من قدرات كل التكوينات الاجتماعية – ـ الاقتصادية ، دون قهر أو استغلال من إحدى هذه التكوينات للتكوينات الأخرى . فليست الديمقراطية الليبرالية ، مثلا، هي الشكل الأوحد أو الأنسب لكل الأقطار في كل الحالات . ولكن الأنسب والأمثل هو إتاحة الفرص المتكافئة لأبناء كل الجماعات الأثنية للمشاركة في إدارة مجتمعهم ، وفي إنتاجه ، وفي خدماته”.
نصرت الجبوري – بغداد























