الحرية طريق إلى المواطنة (2)
المجتمع الاستبعادي والمغلق ، لا يمكن أن تنمو في محيطه قيم الديمقراطية والتسامح ، وذلك لأنه يستند على نظام اجتماعي مغلق ، يحارب كل محاولة نحو الانفتاح والتواصل ، ويقف موقفا مضادا من كل عمليات إعادة بناء المجتمع على أسس ومعايير جديدة .. والحرية كوقائع وحقائق مجتمعية وسياسية ، بحاجة إلى إرادة إنسانية واعية وحكيمة في آن . حتى تتمكن من تنزيل مجموع القيم والمبادئ على أو في الواقع الاجتماعي والثقافي .. فالحرية التي تنجز مفهوم المواطنة ، هي تلك الحرية التي تنغرس في التربة الاجتماعية ، وتصبح جزء أصيلا من النسيج الاجتماعي .. وعليه فإن المطلوب بشكل دائم ، هو العمل على إنجاز مفهوم الحرية في الفضاء الاجتماعي والثقافي .. فلا نكتفي بإطلاق الشعارات واليافطات ، وإنما من المهم العمل وفق السياقات المتاحة لتحويل مفهوم الحرية من الشعار المجرد إلى الواقع المجسد ، ومن الوعد إلى الإنجاز ، ومن القول إلى الفعل .. فالمواطنة كحقوق وواجبات ، وكوعي ومسؤولية ، هي وليد تاريخي لمفهوم الحرية حينما يتجسد في الواقع الاجتماعي بكل مستوياته ودوائره ولعل سبب الإخفاق الجوهري ، الذي يصيبنا دوما في المجال العربي على هذا الصعيد ، هو من جراء الفصل والانفصال بين مفهوم الحرية وواقعنا العام .. فجميع قوى المجتمع العربي وتعبيراته ، تنادي ليل نهار بالحرية ، وتختلف وتتصارع مع بعضها بفعل بعض المواقف النظرية والأيدلوجية المتعلقة بهذا المفهوم . ولكننا على الصعيد العملي والواقعي ، لا نجني من كل هذه الشعارات واليافطات والمقولات الأيدلوجية الجاهزة ، إلا المزيد من الاستبداد وتقليص مساحات الحرية في الواقع العربي السياسي والثقافي والاجتماعي .. وهذه المفارقة العجائبية ، ساهمت بشكل أو بآخر في عدم إنضاج السياقات الاجتماعية والثقافية التي تتعامل مع مفهوم الحرية بعيدا عن الأطر الأيدلوجية المغلقة والجاهزة .. فحينما نتعامل مع الحرية والحريات العامة ، بوصفها سبيلنا الوحيد للدخول في حركة التاريخ والانخراط الفعلي في شؤون العصر ، حينذاك ستتبلور الإرادة العربية التي تعمل بكل إمكاناتها وطاقتها ، لإنجاز هذا المفهوم في الواقع العربي .. فالحرية هي شرط التقدم ، وهي خيارنا لصياغة مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات في كل دولنا العربية ، وهي سبيلنا لتعزيز جبهتنا الداخلية لمواجهة كل الصعاب والتحديات .. وحدها الحرية التي تعيد للعرب توازنهم التاريخي ، وقدراتهم العملية والثقافية ، التي تمكنهم من بناء عزتهم وقوتهم الحضارية ..
لذلك فإن المطلوب ، أن ننفتح على مساحات التنوع ونتواصل مع المختلفين من أجل استنبات مفاهيم وقيم جديدة ، تزيد من فرص تقدمنا ، وتحررنا من شبكة العجز والاستكانة ، وتجعلنا نقتحم آفاقا جديدة ، تحملنا على نسج علاقة جديدة مع مفاهيم الحرية والنقد والتواصل والوطن .. وعلى هدى هذه العلاقة الجديدة ، وذات المضامين الحضارية والإنسانية ، نخلق فضائنا النقدي ، ونمارس تنوعنا وتعدديتنا ، ونجسد حضورنا وشهودنا .
والنقد لا يعني بأي حال من الأحوال التفلت من القيم ومحاسن العادات والأعراف ، وإنما يعني استخدام إرادتنا والتعامل مع راهننا بتحولاته وتطوراته بما ينسجم والمثل العليا والضمير والوجدان . فالنقد المنضبط بضوابط الحكمة والمصلحة العليا ، من وسائل التطور والتقدم ..
نصرت الجبوري – بغداد























