التجريب مجال صحي لتطوير أدوات العمل الإبداعي

القاص والروائيّ المغربيّ إدريس الصغير

التجريب مجال صحي لتطوير أدوات العمل الإبداعي

حاوره:  عذاب الركابي

  وجدتني مأخوذا ً بعوالم هذا الكاتب الكبير ، فور إهدائهِ لي روايته “إشاعات في مهب الريح “، سحرتني بساطتهُ العميقة ،وأداؤه الواضح المتقن ، وتذكرتُ فوراً عبارة “تولستوي” حينَ قرأ إحدى روايات “بوشكين” وهوَ يصرخُ:” ما أجود هذا ، وما أبسطهُ ، هكذا ينبغي للمرءِ أنْ يبدأَ، إنّ بوشكين هوَ أستاذي”..!! وجدتهُ يكتبُ في لحظةٍ غرام بالكتابةِ ، أصابعهُ الودودة بريئة من هذا النزيف ، والمتّهم –  البريء هوَ جسدهُ كلّهُ ، عبرَ أوركسترا روحية جارحة ، يُقرَاُ من خلالها إدريس الصغير بمتعةٍ وتلذّذ وألمٍ أيضاً ، وكأنّهُ( يتركُ قطعةً من لحمهِ في المحبرة) حسب تعبير دوستوفسكي ..!!

  قلتُ عنهُ إنّهُ كاتبٌ مغرمٌ ، وعاشقتهُ الباهرة الجمال، الفائضة الدلال هيَ القصّة القصيرة ، فنّهُ الجميل ، لوحة صادقة من مسرح الحياة ، يُخرجها وهو الفنّان الماهر بهيئة فسيفساء جميلة ، يُتقنُ جيداً وضع الحروف ، وصوغ الجملة القصصية الرشيقة ، يعتمدُ كثيراً البساطة ، المتوجة بتقنية بارعة ، شغل أصابع لا تخلو من جنونٍ مُحبّبٍ ، وقريحة يلونها الصفاء ، والقصّة  فنّ البسطاء والمسحوقين الذينَ ينتمي إليهم ، ويربضُ في إيقاع همومهم ومعاناتهم ..!!

. إدريس الصغير مبدعٌ خاشعٌ في محراب لغةٍ لها ظلال حروف ساحر ، لا تخطيء خيالها المنتج والمبتكر ، ولهذا يرى القصّة “فسيفساء” نادرة الجمال ، وتحتاجُ أبداً إلى مبدعٍ وفنّان ماهر ، أصابعهُ من كرستال اللحظة ، وصبرهُ صبرَ شجرةٍ تجيد هندسة ثمارها وأوراقها ، وتأدية تحية الصباح لعصافيرها الملونة !!

إدريس الصغير .. تجريبيّ حتى الرمق الأخير

سمعتُ هذا منهُ ، ووجدتهُ يُجدّد في ذاكرتي مقولة “بورخيس” الرائع “طوال حياتي وأنا أجرّب”.. ذلك لأنّ التجريب لدى الصغير” مجال صحي لتطوير أدوات العمل الفنّي”..!!

.(الإبداع هو الأصل).. والكتابة فعلُ جسدٍ مضنٍ ، كلّ كلمة وجملة في قصّصهِ ورواياته تقولُ ذلك .. يرفع يديه احتجاجاً صاخباً لِمَنْ يستسهل الكتابة ، أوْ يراها ترفاً ، ينتصرُ للإصالة أبداً ، وعدوُّهُ اللدود الإسفاف .. ينحازُ للإبداع الجاد ، ويطلقُ في هذا الحديث الساخن بعض رصاص القلب ، باتجاه كلّ ما هو رديء وإعلاني وزخرفي ، معلناً في صوتٍ حميمي منغمٍ بحنان الكتابةِ:” الإبداعُ أولاً وأخيراً”!!

 القصّة القصيرة لا تمهّد الطريق إلى الرواية .

{ عرفت كاتب قصة قصيرة متميز أولا … اليس كذلك؟ قل لي هل تمهد القصة القصيرة الطريق وتضيؤه إلى الرواية فعلا ؟ يقولون إن القصة القصيرة هي الاصعب .. ماذا تقول ؟ ما وجه الصعوبة ؟ وما الفارق بين هذين الفنين الجميلين ؟

 – بدأت النشر سنة 1966 كاتب قصة قصيرة، كنت يافعا لا يتعدى عمري ثماني عشرة سنة. أُغرمت بهذا الفن الجميل الذي عكفت على مطالعته منذ بدأت أفك الحرف –  كما يقال –  كنت حين أشتري المجلة أبادر إلى قراءة “قصة العدد” قبل أن أتفرغ إلى بقية مواد العدد. تعرفت على أمهر كتاب القصة القصيرة شرقا وغربا، وسعدت بقراءة، التحف التي ازدان بها تاريخ الابداع العالمي، واكب ذلك التعرف على هذا الجنس الادبي من الناحية النظرية والاكاديمية، بسبب دروس المقرر في مرحلتي الدراسة الثانوية والدراسة الجامعية في مادتي دراسة المؤلفات، والفنون الأدبية. ثم المشاركة في الندوات التي كانت تنظمها الجمعيات الثقافية على طول خارطة الوطن، كذا النقاشات الحامية التي عاشها المغرب خلال سنوات الرصاص . بعد هزيمة 67 تخلق في المغرب جيل من القصاصين، سمي بجيل السبعينيات – والتسمية لا علاقة لها بالتحقيب الزمني، فليس كل من كتب في هذا التاريخ سبعيني بالضرورة –  لتظهر قصصي رفقة جيلي كامتداد لكتاب الستينيات، مع تشكيل منعرج في تطوير الشكل الفني الذي رأينا أن ينأى عن القصة التقليدية، التي كانت في نظرنا متفرجة على الحدث بينما سعت كتاباتنا إلى أن تكون مشاركة في الحدث تصطلي بناره، داخل أتون الحياة اللاهب، وتجعل من القارئ مساهما في إنتاج النص، بدل أن يكتفي بدور المتلقي.

غير أن القصة القصيرة –  في نظري –  لا تمهد الطريق ولا تضيؤه إلى الرواية، ذلك أننا أمام جنسين أدبيين مختلفين كلّ الاختلاف، رغم أن يافطة السرد تجمعهما، وتيمة الحكي توحي بانتمائهما معا إلى نفس التقنية، في الشكل الفني.

القصة القصيرة، تقتنص اللحظة من شريط الحياة الطويل المستطيل اللانهائي، بينما تسعى الرواية إلى أن تكون حياة متكاملة، قد لا تمل من سرد تفاصيل التفاصيل. القصة القصيرة فسيفساء، تجنح إلى التركيز، ووضع الكلمة المناسبة في المكان المناسب، دون حشو أو استطراد أو إطناب إنها بناء محكم، كل زيادة فيه، وكل نقصان يسيء إلى جمالية النص، وقد يهوي ببنائه، في فشل ذريع للعملية الابداعية. ومن ثم، فإن كان كل إبداع صعبا، فإن القصة القصيرة هي الأصعب على الإطلاق. كاتبها مطالب في حيز صغير أن يمتع القارئ، المتلقي، بأعلى درجات الفنية. لذلك فاللغة تصبح بين يدي المهرة من الكتاب جواهر، ينسجون منها قلائد تزين أعناق الفاتنات لتزيدهن فتنة.

والشائع عند النقاد والدارسين، في الفترة التي أتحدث عنها، أن القصة القصيرة فن الأزمات بامتياز، وهي فن المسحوقين، يسهل ذيوعها بين القراء لسهولة نشرها في المجلات والجرائد، بسبب حجمها، ويسر قراءتها. لذلك وجدت قصصي سدودا أمامها في الجرائد الحزبية المغربية، لأجد لي متنفسا في مجلة( الآداب) البيروتية و(الأقلام) و(آفاق عربية) العراقيتين، و(إبداع المصرية)، و(المصير الديمقراطي) اللبنانية حتى أنني لم أترك منبرا تقدميا في الوطن العربي إلا ونشرت فيه. غير أنني وحتى الان، أعتبر القصة القصيرة، أمتع الفنون الكتابية وأصعبها على الاطلاق.

 القصّة القصيرة فسيفساء تحتاج حبّاتها إلى مبدع ماهر.

{  يرى الكاتب الكولمبي الكبير غارسيا ماركيز، أن القصة القصيرة هي ( كالسهم في الهدف ) والرواية (أشبه بوضع قوالب الطوب في البناية) ما مدى صحة هذين القولين الجميلين وما تعريفك الشخصي للقصة والرواية؟

 – القصة القصيرة فسيفساء، رائعة الجمال، تحتاج حباتها إلى مبدع ماهر. بدون مهارة، يستحيل كتابة قصة قصيرة ناجحة. جزئيات قطعة الفسيفساء، في القصة القصيرة، هي المفردات اللغوية، التي لابد لكاتب القصة القصيرة أن يختارها بعناية، لابد من حساسية مفرطة إزاء المفردة، خصوصا في اللغة العربية الغنية بالاشتقاقات والمجازات في فصاحة وبلاغة، تمثل قمة سحر البيان. فالبلاغة الإيجاز. وإذا كان من حق، بل من واجب كل عصر أن يبني بلاغته الحديثة الخاصة الجديدة المتجددة، فإن نفس المطمح الجمالي، سيظل هاجس كل المبدعين على مر العصور. كيف يمكن أن أبلغ ما يعتمل بداخلي، بفنية، بأعلى درجات الفنية. أريد أن أحاكي الساحر والحاوي في إبهار المتلقي. شكلا ومضمونا. أليسَ هذا هو السهم الذي يصيب الهدف. غير أن الرواية، تبنى فعلا فصلا مما يجعل حبكتها تتطلب نفسا أطول، يعتمد على عنصر التشويق دفعا للملل. الملل عدو كل الفنون. إن وضع قوالب الطوب في البناية، لايتطلب مهارة التصفيف فحسب، بل يتطلب كذلك هندسة، حتى لا ينهد البناء. إن هندسة النص، سواء في الرواية أم القصة القصيرة ليس ترفا أو موضة أو حذلقة، بل هو ضرورة فنية.

لنعد إلى قالب الطوب أو إلى اللبنة، إنها محور كل الإبداعات. وهي اللغة في الاعمال السردية، بها نبني صرحا شامخا يسر الناظرين. أين الشكل وأين المضمون إذن ؟! إنهما لاينفصلان إلا في التحليل، لتسهيل عملية التذوق الفني، إنهما في الأصل لحمة واحدة. يتشكلان في الآن نفس اللحظة، كما هو الخلق في جميع المجالات.

لا فن مع فبركة النص، أو طلاء المضمون بشكل لغوي، يفسده لأنه غريب عليه.

حين عزم (ميكل أنجلو) على نحت تمثال موسى، نظرا إلى الصخرة التي سيستخدمها وقال مشيرا إليها :

 – موسى موجود هنا. الله وضعه داخل هذه الصخرة، وما على النحات سوى استخراجه.

 أخلص إلى القول بأن القصاص والروائي، عادة لاتهمه قضية التجنيس. إذ هي بعدية حتما وليست قبلية. يهمه أكثر ما يعتمل بداخله بفنية. بأعلى درجات الفنية.

سأظل مجرّبا ً إلى آخر رمقٍ في حياتي .     {   في كتابه الرائع ( فن الرواية ) كتب ميلان كونديرا يقول : أنا تجريبي، وفي أكثر من مناسبة قال بورخيس ( طوال حياتي وأنا أجرب) ما رأيك في التجريب؟ لماذا يتحسس البعض من ذوي الأذهان التقليدية من هذه المفردة، ويخاف تداولها؟ قل لي هل أنت تجريبي؟ أعمالك الروائية تقول ذلك .. ماردك؟

 – إذا لم تكن لي بصمتي الخاصة في الكتابة، فالأفضل لي ولقرائي أن أتوقف عن نشر ما أكتبه، سوف أفعل ذلك متى بدا لي أنني مستقر في مكاني، أكرر نفسي، أو أكرر تجربة غيري. أكره السكون والركود والقوالب الجاهزة. خلقني الله كثير الحركة، أزعج كل من يعيش معي، بكثرة تحركي في النوم واليقظة. سأظل مجربا إلى آخر رمق من حياتي. لكني متشبث باستيعاب تجارب الآخرين شرقا وغربا، ماضياً وحاضراً، من جميع الحساسيات والأشكال و الرؤى الفنية. ” أعجبني كثيرا أن تصدر دواوينك في( الهايكو العربي) لأول مرة ” أنا لا أجامل ولا استجمل. صريح مع نفسي ومع الآخرين إلى أبعد الحدود.

حين أكتب فإنما أكتب لنفسي. وحين أنشر أعمالي، فإني أوجهها أساسا، لمن يحملون نفس القناعات الفنية وحتى الإديولوجية التي أحملها، سواء  قلوا كثروا –  إذ لا يمكن أن أكون وحدي حالة متفردة في هذا العالم الفسيح الشاسع. لابد أن يكون هنالك مماثلون لي. بعد المماثلين أسعى إلى استقطاب آخرين إن أنا اقنعتهم بالشكل الفني الذي اقترحه عليهم.

 التجريب مجال صحي لتطوير أدوات العمل الفني، ولفتح مجاهل مازالت معتمة في الجنس الإبداعي، وتوظيف إمكانيات جديدة تيسر سبيل التعبير، وتبتدع جماليات جديدة، تسهل الولوج إلى المتعة واستمراء لذاتها.

التجريب ضرورة، لتطوير الفنون والرفع من الذوق الفني، أما ذوو الأذهان التقليدية –  كما أسميتهم –  فقد كانوا عبر كل مراحل التاريخ، حجر عثرة، في سبيل التقدم والرقي.

فليستنوق الجمل مرة ثانية، وحتى ثالثة ورابعة، لا يهم. ما يهمنا هو أن نبتكر أساليب جديدة في التعبير، وبلاغة حداثية ترقى إلى مستوى العصر، وتصبح أكثر ليونة وانسيابية ويسرا في تبليغ أحاسيسنا، وتشعرنا بالفرحة والبهجة، لتصل بنا إلى المتعة المثلى، شريطة ألا نخرق قواعد اللغة العربية التي توحدنا، من المحيط إلى الخليج والتي بدونها، يستحيل أن نتفاهم تمام التفاهم.

اليوم يتم تدمير هذه اللغة في وطننا، وإحلال الهجانة محلها، فرنسا تدمرنا بعد أن دمرت لغتها.

فنّ القصّة القصيرة جداً تجريبي بامتياز

{ يسود في الساحة الثقافية المغربية والعربية أيضا فن ( القصة القصيرة جدا.. أهم فن حداثي تجريبي؟ ما رأيك؟ هل ينتمي إلى السرد فعلا أم كما يراه البعض ( قصيدة ظلت الطريق) هل عشت تجربتها؟ ألا ترى أن بعض النماذج المنشورة تفتقد إلى شروط هذا الفن؟ كيف تقيم ما كتب من القصة القصيرة جدا على المستوى المغربي؟

 – حتى الآن، لم أطلع إلاّ على نماذج رديئة جدا من القصص القصيرة جدا بواسطة الفايسبوك. وأصدقك القول أنني، قد أتوقف عن قراءتها، إذ العمر قصير، والتراث الإنساني الجيد متوفر الآن بقديمه وجديده، ومن العبث إضاعة الوقت في شيء غير مجد.

أبدأ أولا بقضية التجنيس. سألت الكثيرين من كتاب الفايسبوك إن كان الأمر يتعلق بجنس أدبي، فأكدوا ذلك. غير أنني غير مقتنع، إذ التسمية باللغة العربية، جملة وصفية، غير صالحة بتاتا للدلالة على تجنيس يلم بحيثيات هذا النوع من الكتابة، بينما مقابلها بالحروف اللاتينية ictionF قد يكون قريبا من الصلاحية للتدليل على جنس إبداعي، رغم عموميته المطلقة.  من جهة أخرى، قرأت الكثير من التنظير، المفبرك والمصطنع وغير المقنع، حول القصة القصيرة جدا. طوله يناقض قصرها، ويحملها ما لا تحتمل، مما يجعلني أتذكر قولة المرحوم جبرا إبراهيم جبرا، حين اطلع على المقدمة التي كتبها إبراهيم الخطيب، لمجموعة إدريس الخوري : ( حزن في الرأس وفي القلب )

 إذ علق قائلا:

 – كأنه يشرّح فراشة بسيف.

وأنا أحذو حذوه، فأعلق على التنظيرات التي نحن بصددها:

 – كأنهم يشرّحون نملة بساطور.

 إذا كان الكاتب الكواتيمالي اوجيستو مونتيرو، قد كتب قصته المشهورة : ( وعندما استيقظ، كان الديناصور ما يزال هناك) فإنه كان قد راكم تجربة طويلة في الكتابة القصصية، وأصبح إسما متداولا في الساحة الأدبية لبلده والناطقين بلغتها. أما أن يبدأ المرء بكتابة القصة القصيرة جدا، مستسهلا الكتابة. ضاربا عرض الحائط بتجارب السابقين في تطويع السرد شكلا ومضمونا، فإنه يركب أول منزلق نحو الإسفاف.

وفي انتظار أن أقرأ، ما يمكن أن يغريني ويمتعني، من كتابات في هذا الشكل الإبداعي، أتحفظ كثيرا في الحكم النهائي عليه.

تسألني إن كان هذا الفن حداثيا تجريبيا؟ أكيد أنه كذلك. إنه تجريبي بامتياز والإقبال كلى كتابته ونشره، يجعله أمرا واقعا إلى أن يحدث العكس. أما عن انتمائه إلى السرد، فإن الإلتباس سيخيم على مراوحته بين الخاطرة، والحكمة، والمثل …بمعنى أنه ليس جنسا إبداعيا خالصا غير مسبوق ،كما هو الحال في تاريخنا الأدبي العربي بالنسبة للموشح وعروض البلد والمقامة… والهايكو العربي الذي أنت رائد في كتابته. وإذا كان الكاتب الكواتيمالي أوجيستو مونتيرو، قد كتب ذلك السطر المشتمل على جملتين –  على الأقل في ترجمته إلى العربية –  فإنه لم يقل لي أي شيء –  كما يحلو للفرنسيين أن يعبروا –  ولا أجد أنه فتح جديداً إطلاقا، فليس هو أول من قيد الأوابد –  كما هو الحال في تراثنا الشعري العربي، الموغل في الأصالة والجودة –  لن أتعب نفسي أبدا في كتابة، ما لا يسعى إلى الامتاع.

الحركة النقدية عندنا تستعرض مصطلحات محفوظة

{  أعجبتني عبارة الشاعر الفرنسي فيرلين (فلندع الاتجاهات والمناهج والمدارس جانب،فهذا إبداع ) هل تؤمن بما يوضع من مناهج ومدارس، ومن اتجاهات هي خلاصة ذهن تقليدي؟ هل تعتقد، كمبدع كبير، أن الإبداع يمكن أن يسجن ويوضع في الأصفاد؟ أليس جمال الإبداع أن نعطي الكلمات الحرية للمبادرة؟ ماذا تقول؟ حدثني !!

 – المدارس الفنية والتصنيفات والاتجاهات والمناهج والقواعد…

بعدية وليست قبلية، الإبداع هو الأصل وهو الأسبق، وهو الأهم وكل ما غيره من إنتاج سواء أكان كتابيا أو شفويا، في الجامعات بإطارها الأكاديمي أو الندوات بطابعها الشفوي الذي يركب المناظرة والمحاججة أو على صفحات الجرائد والمجلات، ليس  سوى تبسيط يسهل عمل الدارسين والمتمدرسين… إنه مجال تربوي تعليمي تلقيني، يقرب النص الإبداعي للمتعلمين محاولا أن يلج بهم إلى مجال التذوق الفني.

وكل محاولة لجعل البعدي قبليا مصيرها الفشل الذريع، المؤدي إلى الإسفاف، فكل من انطلق من التنظير إلى الإبداع يقع في محذور فبركة النص. وهنا لابد أن نعرج على قول كلمة بسيطة حول الحركة النقدية عندنا. إنها لا تستخدم المناهج النقدية للكشف عن متعة النص. بل تستعرض مصطلحات محفوظة، مثل الانزياح والتبئير والتناص… عشوائيا. مما يمكن أن يقال عن أي نص، مستعرضة مضمون النص، متحاشية وعاجزة عن مقاربة الشكل الفتي للكتابة. إن كانت المدارس الفنية، قبلية، فلن تؤدي إلا إلى سجن الإبداع. لكنها بعدية، مما يكسب الإبداع أهم صفاته، وهي الحرية.

{  الرواية أولا .. هكذا يقول معظم النقاد !!

وأن الزمن ( زمن الرواية ) كروائي هل تنحاز لهذه المقولة وتقر بها؟ ولماذا؟ قل لي هل هناك فن يمكن أن يتنازل عن كرسيه الوثير لفن اخر؟ وكيف تفسر هذا الجري حتى اللهاث من قبل كتابنا ومبدعينا ( شعراء نقاد صحفيون وفنانون ) لكتابة الرواية؟ أهي الرغبة في الحضور والانتشار أم ماذا؟

 -إنها فعلا الرغبة في الحضور والانتشار والفوز بالجوائز التي كثرت في الآونة الأخيرة، حتى أصبحت المبرر الوحيد والأوحد لكتابة الرواية . ولنا في المغرب فضائح في هذا الشأن لا يجود الزمان بمثلها مرتين.الكل الآن يكتب الرواية،إنه استسهال للعملية الإبداعية، وتمييع لشرف الكتابة وقدسيتها. ومنذ سنوات حين أطلق حنا مينة رأياً له في أحد المنابر الإعلامية،مفاده:( الرواية ديوان العرب الحديث ) وحمّى كتابة الرواية تستقطب كل من يحمل قلما. لن نفرض حجرا على أحد، ولن نجعل من أنفسنا جمارك أو شرطة للثقافة و الإبداع. كل الناس أحرار، في كتابة أي جنس يحلو لهم. لكن لايعقل أن نترك الحبل على الغارب، ونركن إلى الإسفاف، لأن الإسفاف يحطم الأمم. وقديما تعلمنا منذ الأقسام الإبتدائية القولة الخالدة ( إذا أردت أن تعرف قيمة أمة، فانظر إلى فنونها وآدابها. فنوننا اليوم وآدابنا رديئة، لانملك ناصيتها. تعبث بها فرنسا وأذنابها. يفوز اليوم بالجوائز شواذ جنسيا وشواذ لغويا وشواذ فكريا. يسرب ذلك إلى ثقافتنا عنوة. ويقدم الكاتب كشاذ أولا قبل أن يقدم ككاتب، وكان الشذود شرط صحة في ميدان الإبداع.

 إن الشذوذ الجنسي خصوصا، يغطى تلطيفا باسم المثلية التي تمرر اليوم إلى أبنائنا وأحفادنا، وكأنها قدر سماوي طبيعي. نخاف أن تتحول مستقبلا إلى أمنية تهفو إليها قلوب الأجيال الصاعدة. لاعلاقة للإبداع بجنس الكاتب أو لونه أو صحته أو مرضه …إلخ إن هذه المغالطات، تنسف كل مابنته الإنسانية في مسيرتها الإبداعية المشعة عبر العصور والأجيال. وبدل أن نقول (الرواية أولا..) أقول (الإبداع أولاً وأخيراً) مازال في كل الأجناس الإبداعية طاقات فنية لم تستنفد بعد، فالقصيدة العمودية مازالت قادرة على العطاء، حين تجد شاعرا مجيدا ،وكذلك الأمر بالنسبة للرواية والقصة القصيرة التقليديتين المعتمدتين على قواعد: المقدمة والعرض والخاتمة، والعقدة ولحـــــــــظة التنوير والحل … إلخ.

 نحنُ نعيشُ عصر الإسفاف بامتياز         {  الأستاذ إدريس الصغير: يشكو عديد المبدعين من النقد والنقاد، من عدم مواكبة هذا التفجر الإبداعي .. ما مدى صدق هذا الإتهام؟ وهل لدينا حركة نقدية جادة؟ كمبدع كبير هل أنصفك النقد؟ من ناقدك الأمثل مغربيا وعربيا وعالميا؟

 – يشوب الآن أمر النقد والنقاد، الكثير من الإلتباس، ألخصه في ثلاثة ارتباكات في التسمية :

 1) هنالك الأستاذ الذي يدرس مادة النقد.

 2) وهنالك الطالب الذي يهيء رسالة في النقد.

 3) وهنالك الصحفي الذي يتابع الإصدارات الأدبية.

هؤلاء الثلاثة نسميهم نقادا، مضاف إليهم كل من يبدي رأيا في العمل الإبداعي. وقد يكون كل هؤلاء نقاد، إن وظفوا منهجهم أو مناهجهم النقدية في الكشف عن متعة النص. وإلا فلن نسحب منهم مهامهم الأصلية الإدارية، ليظل الأستاذ أستاذا والطالب طالبا والصحفي صحفيا… إلخ.

بعد إزاحة الغبار عن هذا الإلتباس، يبدو أن حركتنا النقذية مسطحة تفتقد إلى العمق، والحرفية، ورهافة الحس في تذوق الأعمال الإبداعية. يضاف إلى ذلك هيمنة الحزبية الضيقة، والمحسوبية، والإخوانية، والأقلام المأجورة.

حين يتصدى ناقد لتمجيد، عمل رديء فإنما يسيء إلى نفسه، كثير من الكتبة مجدوا كتابات لوزراء وأساتذة جامعيين أو مسؤولين في السلطة، لكنهم توقفوا عن التمجيد حين يفقد الممجدون مناصبهم السلطوية، وإذا كان من شكوى موضوعية للمبدعين من عدم مواكبة هذا التفجر الإبداعي فإنها نابعة من الوضعية التي أشرت إليها. أما عن أعمالي فإنها توبعت متابعات نقدية من طرف نقاد، رغم قلتهم، تعاملوا معها تعاملا موضوعيا ، وهم في أغلبهم ، أعرفهم كأسماء، ولم أتشرف بمعرفة أغلبهم بصفة شخصية لحد الآن.

أنا كاتب لم أنتم يوما لحزب سياسي، ولا كنت بوقاً للنظام، أو تزلفت لجهة، من أجل سفرية أو دعوة لتظاهرة ثقافية أو فنية. أنشر أعمالي، وأتركها تدافع عن وجودها في الساحة الثقافية لوحدها دون دعم خارجي، حتى أنني رفضت دوما تنظيم حفلات التوقيع لأعمالي، لخجلي الشديد من أن أتحول إلى بائع أتلقى ثمن النسخة، وأعيد الصرف لمن مدني بورقة مالية من فئة كبرى.

هل نحن –  العرب –  فعلا ظاهرة صوتية. نتكلم أكثر من ما نفعل أو نتكلم دون أن نفعل؟ حياتنا جعجعة بدون طحين. نحن كذلك إما أن نمتدح الشخص، وننفخ فيه حتى ينفجر، أو أن نقزمه حتى لا يرى ولو بالمجهر.

جامعاتنا ضعيفة جدا وغير مصنفة عالميا، البحث العلمي عندنا منحط بل إنه غير موجود أصلا.

عفوا،عزيزي عذاب الركابيّ!!. الغرب متفوق علينا، ليس لأن بلادنا العربية عقيمة، ولكن لأننا نقبر الكفاءات في المهد، الإدارة عندنا تنشر الجهل والإسفاف عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة. تكره الإبداع الجيد، وتحارب الفن الرفيع، تبذل في سبيل ذلك أموالاً طائلة، من جيوب دافعي الضرائب المباشرة وغير المباشرة. وهكذا طفا على السطح الجهلة والمدعون والمحتالون، الذين يستخرجون كلاما من الأنترنت ويتحدثون به عن نصوص لم يقرؤوها. تسهل لهم الإدارة، كل السبل لولوج مراكز حساسة للتحكم في التنشيط الثقافي داخل البلاد وخارجها، لتدمير المواطن من الداخل، وهكذا فنحن نعيش عصر الإسفاف بامتياز.

لا بدّ من عنصر التخييل .

 { كتب أندريه مالرو في كتابه الرائع ( الإنسان العابر والأدب ) يقول ( صار أحد طموحات الرواية هو الإمساك بالخبرة الإنسانية من خلال الخيال ) … وقد لعب الخيال دورا كبيرا في روايتك ( إشاعات في مهب الريح ) وحتى ( خارطة القبور ) لماذا الخيال؟ لماذا الشخصيات الخيالية؟ أهو شرط التيكنيك الروائي ؟ أم هو عودة للواقع بشكل درامي؟ أم ماذا.

 – منذ أن كنت تلميذا، ثم طالبا في حجرة الدرس، ومدرج الكلية. وأنا في حيرة، حين يحدثنا الأستاذ عن المدارس الفنية في الأدب والتشكيل والتمثيل … إلخ كان لي مفهوم مغاير عن تسمية الواقعية، لكنني لم أكن أجرؤ على كتابته، فسأكون مهددا بنقطة موجبة للسقوط في الامتحان، كذلك لا أجرؤ على الإدلاء به في الندوات خشية أن ينظر إلي نظرة دونية أو عجائبية ( وقد عانى جيلي من الإرهاب الفكري على كل المستويات).

كل المدارس واقعية في نظري، أنا أعلم جيدا أن المدارس الفنية تقريبية ،وليست جزمية، تطبق على النص الأدبي، كما يطبق قانون السير . لكن الواقعية ليست هي نقل الواقع كما هو، إذ لابد من الفنية، ليس كل من يملك قصة يستطيع تحويلها إلى إبداع فني. الرهان هنا رهان فني إبداعي. ثم لابد من عنصر التخييل. في الواقع يوجد، الماضي والحاضر والمستقبل، والواقعي والمتخيل والغرائبي، والمفهوم والمنغلق، والسحري، وما وراء الطبيعة والمقدس والمدنس والدين والإيديولوجية … إلخ إنه حياة متكاملة.

الفن حياة لاحد لها، يتجاوز الحياة نفسها.

سؤالك ليس سهلا، وفي تركيبة مفرداته وجمله، تكمن الإجابة التي تستهوي شعوري وإحساسي وطموحاتي الفنية.

{ لماذا الخيال؟ ولماذا الشخصيات الخيالية؟ أهو شرط التكنيك الروائي؟ أم هو عودة للواقع بشكل درامي؟

– نعم سيدي، إنه ضرورة التكنيك الروائي والفني. إننا نصف الشخوص من الداخل ومن الخارج. هناك أشياء يبطنونها، ويظهرون على ملامح وجوههم، وتنميق خطابهم، ما يخفونه، باحتيال ماهر غادر، السينما تشتغل على إظهار الدواخل برسمها على ملامح الوجه بمساعدة الموسيقا والإضاءة والإيهامات، بينما يحتاج الروائي إلى جهد أكبر في إبلاغ ذات المواقف،وقد لايساعده سوى المونولوج الداخلي، الذي يبدو كتقنية تساعد إلى حد كبير في التبليغ

.لكن الشخصيات تحلم وتمكر وتتامر وتركب نزواتها، تم تحلم أحلاما ليلية سعيدة وكابوسية وأحلام يقظة شبقية أوفنطاستيكية … إلخ  إنه الحلم المطلق الحر اللامتناهي الذي لاتحده حدود. ثم في الآخر فالحلم- كما قلت-عودة للواقع بشكل درامي. هذه العودة هي التي تهمني، وهي التي أنشد أن أصل إليها بأعلى درجات الفنية، إن استطعت. إنني ياعزيزي- وأنت كاتب وشاعر ومثقف كبير- أريد أن أصبح ساحرا.( وإن من البيان لسحرا).

 قصصي القصيرة تركز على لحظة الاعتقال السياسي

{ يشاع أن الكتاب المغاربة هم الأكثر تناولا للثالوث المحرم ( السلطة، الجنس، الدين ) في أعمالهم الروائية والقصصية ما رأيك؟ في شهادة أحد الكتاب المغاربة أن هنالك من يتعمد هذا النوع من الكتابة، وآخر يكتب حسب تلبية لرغبة الناشر، والسعي للحضور والإنتشار أكثر لا سيما في صحافة الغرب الثقافية؟ أهو سبيل للجوائز حدثني..!!

 – أقسم القضية التي يطرحها سؤالك المهم جدا، إلى قسمين القسم الأول متعلق بالباب الأول من الثالوث المحرم وهو السلطة : معظم قصصي القصيرة، بل كلها في السبعينيات والثمانينيات وما تلا ذلك تركز على لحظة الاعتقال السياسي ، وقد رفضت نشرها المنابر الثقافية المغربية، ونشرتها ضدا عن ذلك في أهم المجلات العربية في لبنان ومصر والعراق وسوريا وترجمت إلى لغات أجنبية في إسبانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا، مع العلم أن المنابر التي رفضت نشرها ليست منابر السلطة بل منابر المعارضة.

   إن روايتي الأولى ( الزمن المقيت ) نشرت سنة 1983 ببيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وليس بالمغرب. مع أن هنالك دورا بالمغرب تابعة للمعارضة. وكل كتاب السبعينيات، قصاصين وروائيين وشعراء، التقدميين منهم، كانوا يركزون على تيمة القمع التي سلطتها السلطة على المواطنين، في حملة شرسة من الاعتقالات غير المسبوقة في تاريخ العالم وليس الوطن العربي فحسب.

أما القسم الثاني، فمتعلق بالجنس والدين، وهنا يبدو الأمر متعلقا بكتابة المغاربة باللغة الفرنسية، أو بمترجمات محمد شكري أساسا.

   أما ما هو مكتوب بالفرنسية أو لغة غير العربية، كالأسبانية والإنكليزية، فهو أدب فرنسي إسباني أنكليزي، مكتوب من طرف كتاب مغاربة. لذلك، وبتشجيع من ناشرين فرنسيين، يبحثون عن العجائبية للتفرج على واقعنا الاجتماعي البئيس، ظهر هذا النوع من الكتابة، عن قصدية وبشكل مفبرك مصطنع متعمد للحضور والانتشار وربح الجوائز في الغرب، حتى دون موهبة أو وعي بقدسية العملية الإبداعية فعمل شكري يثير الشبقية، في وصف أب يمارس الجنس مع زوجته، في غرفة ضيقة تضم حتى الأبناء، الذين ينامون مجتمعين ليلا. والطاهر بنجلون يجعل السجود مقوما من مقومات صلاة الجنازة، عن جهل طبعا.

والآن يتم التلويح بالمثلية، لبلوغ النجومية في الغرب، وترتفع النداءات بشكل وقح يدعو إلى هجران اللغة العربية، وتجاوز دراسة الأديان في المقررات التربوية، والبقية تأتي.

أدب أمريكا اللاتينية يعني الريادة

 في الإبداع

{  أدب أمريكا اللاتينية، والرواية على وجه الخصوص الأكثر انتشارا لماذا؟ غارسيا ماركيز كارلوس فوينتس ماريا فاراغاس أيوسا وآخرين هم الأكثر قراءة وترجمة في العالم لماذا؟ بم تتميز الرواية الأمريكية اللاتينية عن غيرها؟

 – ما الذي يقع لفرنسا، التي نتعامل نحن مع ثقافتها بشكل مباشر. نحن شعب فرنكوفوني . ( أفهم الفرنكوفونية، لإتقاننا النطق والقراءة والكتابة باللغة الفرنسية كالعربية تماما، لكننا لم نفقد هويتنا الأصلية، إنها إتقان للغتين فقط ) أقول ما الذي يقع ؟ فرنسا تفقد كل شيء. لغتها، ثقافتها، أدبها، فنها. لن أتحدث عن ثقافات أخرى فهي تصلني مترجمة إلى العربية أو الفرنسية. كذلك بدأنا نعجب منذ سبعينيات القرن الماضي بأدب أمريكا اللاتينية، وبكل الأعمال التي تنتج من وعن هذه القارة العجيبة، ونضالها ضد الامبريالية.

أغاني فيكتورخارا وجان بايز أشعار بابلو نيرودا وأفلام عن النضال والمنظمات التقدمية، ومقاومة الطغمة العسكرية، ثم العجائبية في الأساطير، المبتوثة بين الجبال والوهاد والمسالك الوعرة والغابات، بين طقوس تراثية، تشوبها ثقافة ذات خصوصية موغلة في المحلية. هل هؤلاء الناس يشبهوننا؟ هل يخاطبوننا من القلب إلى القلب. لكنهم الأكثر ترجمة في العالم. كما يقول سؤالك. هل المحلية هي التي قادت الرواية في أمريكا اللاتينية نحو العالمية، أم  هو التداول في تسنم الريادة في الإبداع. متى إذن يصل دور الرواية العربية، لتخاطب الذوق الفني، والعشق الإبداعي، عند شعوب أخرى.

{ اخر قصة صدرت لك ( معالي الوزير ) 1999 وحوار جيلين قصص مشتركة مع محمد الريحاني 2011 وآخر رواياتك الرائعة ( خريطة القبور ) 2011 ورواية ( إشاعات في مهب الريح ) 2012 ماذا بعد هذا النزف بمَ تفاجيء القاريء في الأيام القادمة.

 – أقدم للمطبعة في الأيام القليلة المقبلة رواية تحت عنوان ( ليلة العشاء الأخير ) .