البزاز يحيي المشاركين في الإحتفالية السنوية لتغييب وإستشهاد المفكر والأديب عزيز السيد جاسم

منظمات ثقافية وأدباء يطالبون بإستحقاقات الراحل وتكريس أثره الفكري

البزاز يحيي المشاركين في الإحتفالية السنوية لتغييب وإستشهاد المفكر والأديب عزيز السيد جاسم

سنوات من الجهود والملفات والإستذكارات تواصلها (الزمان) إنصافاً للقلم الجريء

بغداد – خولة العكيلي

تحرص (الزمان) كل عام على استذكار مفكر واديب، قدم الكثير من المؤلفات المهمة في الفلسفة والادب والسيرة والتاريخ والفكر السياسي والاجتماعي وتوقف امام كل ظاهرة سياسية او ادبية في مرحلته وقدم عنها ما يدل عليها، ويكشف عن ابعادها وكوامنها وجوانبها الراهنة والمستقبلية، ذلك هو المفكر والاديب عزيز السيد جاسم، حيث تقيم  (الزمان) كل عام احتفالية استذكارية محاولة من خلالها اشراك اوسع عدد من المثقفين لكي يحصل هذا المفكر على استحقاقه من الاهتمام ولكي تشارك في مناسبة اعتقاله، وتغييبه واستشهاده كل المنظمات والمؤسسات الثقافية وينال حقه من الدراسة والتقييم وذلك ما فعلته في السنوات الماضية وهذا الملف يقدم ما تم تحقيقه في الاحتفالية الاستذكارية لهذا العام، حيث اتسعت المشاركة فيها لعدد من المنظمات الثقافية وعدد من الادباء والمثقفين وقد بدأت الاحتفالية بكلمة راعية الاستذكار جريدة (الزمان) والقاها الأديب رزاق ابراهيم حسن جاء فيها:

ارحب بكم في مقر جريدتنا (الزمان) واشكر لكم استجابتكم الكريمة لحضور هذه الاحتفالية الاستذكارية السنوية ويشرفني ان اتحدث اليكم باسم هيئة تحرير (الزمان) وجميع العاملين فيها وان انقل اليكم ايتها الاخوات ايها الاخوة تحيات مؤسس (الزمان) ورئيس مجلس ادارتها رئيس مجموعة الاعلام المستقل الاستاذ سعد البزاز الذي اعطى لمناسبة اعتقال وتغييب المفكر الكبير والاديب البارز عزيز السيد جاسم الكثير من اهتمامه وجهده بوصفها مناسبة الحرية في مواجهة الاستبداد، الحق في مواجهة الباطل، ومناسبة للدفاع عن المظلومين واصحاب القلم الحر، والباحثين عن استقلالية الكلمة وحرية الرأي.

اجل ايتها الاخوات ايها الاخوة ان (الزمان) التزمت قضية عزيز السيد جاسم منذ صدور اعدادها الاولى، واسهمت في ايصالها الى المنظمات الدولية والاعلام العالمي، ووقفت مع اي صوت مدافع عنها، ونشرت الكثير من البحوث والدراسات عن فكر ومؤلفات المبدع المغيب، وخصصت جائزة ادبية باسمه، وعقدت الندوات المكرسة لمؤلفاته والذكريات عنه، لان هذا الرجل راسخ في الثقافة العراقية والعربية بما قدم من نتاجات في الادب والفكر السياسي والفلسفي والتاريخ والسيرة والاعلام وغيرها ولانه استقر في الضمير باخلاقه والتفاف المثقفين حوله ولانه تعرض الى اقسى وابشع اضطهاد وتنكيل وتغييب فقد اعتقل، وتم تغييبه وتصفيته من دون تقديم اية اسباب ومن دون اية محاكمة.

ان عزيز السيد جاسم الذي خصص عددا من مؤلفاته للصوفيين والقديسين والشهداء واعطى للشهادة عنوانا بارزا في هذه المؤلفات يستحق ان يكون واحدا من هذه الرموز، وان ينال ما يستحق من اهتمام، وقد اعتادت (الزمان) بمناسبة ومن دون مناسبة ان تستحضر استحقاقات هذا المفكر والمبدع الكبير مطالبة بطبع مؤلفاته الكاملة وتسمية قاعة، او شارع او جامعة باسمه ودعم مركز عزيز السيد جاسم للبحوث والدراسات، واختياره شخصية لمهرجان او مؤتمر وتكريس بعض الندوات والحلقات النقاشية عنه، وانها تجدد المطالبة بهذه الاستحقاقات داعية الى جعلها من المطالب المهمة للحركة الثقافية ومنظماتها، وان يتم التعجيل بتنفيذها بعد ان تكرر رفعها والتأكيد عليها لعدة سنوات من دون استجابة. فلنقف جميعا مع استحقاقات رموزنا وشهدائنا من التقدير والتكريم، ولنظل نستذكر ما قدموه من اعمال وتضحيات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رمز وطني

واستهل الصحفي والكاتب زيد الحلي كلمته في استذكار المغيب المفكر عزيز السيد جاسم بالثناء على مبادرة جريدة (الزمان) التي اتخذت من الاحتفاء برمز من رموز البلد تقليدا دائما وعلى مدى 10 سنوات فضلا عن تخصيصها جائزة ادبية اطلق عليها جائزة عزيز السيد جاسم.

وقال الحلي (لم اقل يوما في كتاباتي الشهيد او المغفور له لانني اراه دائما كما واكبته سنيناً طوال من خلال عملي معه وكان يشاطرنا العمل زميلنا عمار رشيد) ملفتا الى ان (عزيز السيد جاسم اهدى لي روايته (الزهر الشقي) والتي ذكر فيها انني شقيقه الرابع والمعروف ان عزيز له ثلاثة اشقاء فطاحل في الفكر والثقافة والادب هم الموسوعي الكبير د. محسن الموسوي والحقوقي الرائد محمد والبروفيسور عباس الذي ننهل من كتاباته الشيء الكثير) موضحا ان (عزيز السيدجاسم افضاله كثيرة على المجتمع والصحافة والثقافة لكننا مصابون بالنسيان وننسى دائما وهذه احدى المثالب مع الاسف الشديد) معرجا على قول الزميل ابراهيم الخياط ان لعزيز ثلاثية صدر الجزء الاول منها وهي (المناضل) حيث اكد الحلي ذلك وقال (نعم صدرمن هذه الرواية الجزء الاول لكنني واثق وقد اطلعت على مسودة الجزء الثاني اما اين هي الان لا اعرف ممكن ان يبحث نجله زميلنا وابننا علي عزيز السيد جاسم عن هذا الجزء)، مبينا ان (الحسرة تملأني لأن الجزء بقي لدي اكثر من 3 ايام لكنني اعدته وكان مكتوبا بخطه الانيق مرة بقلم الحبر واخرى بالرصاص وهكذا وهذا الجزء يتحدث ليس من نهاية الجزء الاول انما دخل من حيثيات طبيعة الوضع السياسي القائم في الستينيات مشيرا الى ان (عزيز السيد جاسم له ادوار في العمل الصحفي اهمها اصداره ورئاسة تحرير اول وآخر مجلة تعنى بالبحث السياسي الرصين والثقافي الاكثر رصانة وهي مجلة (الغد) التي صدرت 4 اعداد منها وانتهت) ملفتا الى ان (الخلل من توقف الجريدة ليس من عزيز السيد جاسم انما لظرف طباعي او سياسي او ماشابه ذلك فهي كانت تصدر عن جريدة الثورة وكنت احد العاملين فيها الى جانب سامي نادر الزميل العزيز ورياض قاسم وكان ضمن هيئة تحريرها الاستاذ عادل عبد الجبار وضياء حسن) مطالبا ان (يعاد استنساخ هذه المجلة للتوثيق فأنا لا امتلك نسخة منها لسفري خارج البلد وحين عدت وجدت المكتبة خالية من كل اثر يخص هذه المجلة الرائدة في التصميم والاخراج وفي كل الفنون الصحفية بما فيها المقال) مبينا (في الوقت الذي كان فيه محمد حسنين هيكل يكتب في جريدة الاهرام سلسلة مقالات اجابه عزيز السيد جاسم ضمن ملف اسماه (نحن لسنا بقارب من طين) كان رائجا في فترة السبعينيات القول (قطار الحل السياسي) فكتبه كعنوان صحفي موضحا ان (هذه الاشياء اتذكرها بود حين ذهب مرة مع احد قياديي الدولة في السبعينات وهو نعيم حداد في ازمة احداث ايلول فعاد الى بغداد على اثر زيادة للاردن لمدة يومين او ثلاثة التقى خلالها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وآخرين فكتب موضوعا اثيرا اتمنى على اي شخص من الجالسين الذين لم يقرأه ان يتوجه الى المكتبة الوطنية لا سيما الصحفيين فهو كتب بأسلوب راق فيه المفردة والمعلومة الصحفية يمكن ان يكون نموذجا وكان بأسم (عمان حبيبتي) فضلا عن مجلة وعي العمال التي استطاعت ان تتجذر ليس في الذاكرة العراقية انما الثقافية ايضا من خلال وجوده حيث كتب فيها الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي ورموز آخرون من ضمنهم في الصحافة حيث كان باسم عبد الحميد احد كتاب المجلة واستمر في الكتابة فيها اثناء تسنمي رئاسة التحرير بعد الاستاذ عزيز السيد جاسم) مؤكدا ان (عزيز السيد جاسم الذي يقرأ مسيرته يثيره العجب فهو رجل شاب من مواليد 1940 في العشرينيات من عمره ويصدر كتابا قصصيا ثم يبدأ بالكتابة السياسية بعمق رجل الثلاثين وعندما وصل الى الثلاثين بدأ يكتب بعمق رجل الاربعين او الخمسين فهو تاريخ نفرح به كعراقيين وكعرب فضلا عن انه احد ابرز منظري الفكر السياسي الثقافي وليس الفكر الثقافي السياسي وهنا فرق بين المفردتين) متمنيا ان (تستمرجريدة (الزمان) وانا على ثقة من ذلك بإقامة مثل هذه الندوات وان تشرك في كل عام احد رموز الثقافة العربية تدعوه باسمها لان يحضر هذا الحفل الاستذكاري في كل عام).

رثاء غير مقبول

ونوه الاديب خضير ميري في كلمة بهذه المناسبة عن مشكلة عدها كبيرة في مفهوم الرثاء بالتعامل مع الرموز بطريقة غيبية مشيرا الى ان من له اثر فهو ليس بميت.

وقال ميري ان (عزيز السيد جاسم ليس شخصا ميتاً لانه مفكر وله خطابه وكتبه ولابد ان نفعل كما في الثقافة الفرنسية والغربية بشكل عام فهي لا تكتب او تقول عن مارتن هيدغر او جان بول سارتر وغيرهم من كبار المفكرين رحمهم الله لان اثرهم موجود، واضاف ان (كلمة مات تطلق على النظام السياسي الذي يغتال ويعبث لكن في الكتابة والثقافة ينبغي ان نتخلص من مفهوم الرثاء) مسترسلا (في الوقت الذي لم يكن هناك فكر سياسي كان عزيز السيد جاسم يعمل على الفكر السياسي الذي تمثل بكتاب صغير باسم (الثوري واللاثوري) وفي الوقت الذي لم يكن هناك فكر فلسفي سياسي فهو جاء بفكرة معقدة عن المثالية والمادية وهو كتاب ممتاز في حين لم تكن هناك طروحات تخلط بين السياسي والفلسفي بهذه الطريقة)، مشيرا الى ان (هناك حالة اخرى للمفكر السيد جاسم بأنه لم يكن على وفاق مع الايديولوجيا السياسية القائمة بالرغم من انه كان في عمق هذه الأوضاع وكأنه كان هو مشروع استشهادي فهو كان يريد ان يقدم مشروعا خاصا به عندما كانت هناك دولة لها توجهات وتطلعات وكان بامكانه ان يكون شخصا مثل القيادة السياسية التي كانت موجودة يوم ذاك لكنه اتجه للرواية والشعر وللصعاليك حيث كان يجلس معهم في شارع ابي نؤاس ومنهم انا وكاظم لازم وفلاح مشعل وكاظم عباس ملفتا الى ان (عزيز السيد جاسم له ميزة مهمة فهو كان يكتب كتاباً فلسفياً وفي نفس الوقت يكتب الرواية فضلا انه له عظمة خاصة به برغم ان نظام مثل صدام حسين لم يستطع استيعاب شخصية مثل عزيز السيد جاسم لذلك لابد ان نتمسك بالمشاريع التي قدمها هذا الرجل وان نصدر كتباً عنه مثل ديكارت وسارتر) متسائلا (لماذا لا يوجد حتى كتاب تعريفي عن عزيز السيد جاسم مثل نوابغ الفكر الغربي لماذا لا نصدر كتاب عن نوابغ الفكر العربي فلابد من خلق آثار تعود الى هذا المفكر كي تستطيع الاجيال التواصل معه فهو كان متفرداً في الكتابة لانه كان يكتب بسرعة البرق فأنك لو تحسب كتبه مع عمره لا تصدق مع مهماته السياسية الجسيمة ومع المخاطر التي كان يعيشها فهو يكتب ويقدم). واقترح ميري ان (يصار الى العمل على اقامة مؤتمر خاص به وان نعيد طباعة كتبه ونقدم عنه دراسات لنحوله الى شخص حي بدلا من ان نرثيه كميت يجب ان نبحث به) منوها الى (اني وجدت احد كتبه بالصدفة في شارع المتنبي ولذا يجب اعادة تأسيس فكر عزيز السيد جاسم واعادة البحث في نقده وكل قدراته بتقديم مشروع فردي ازائه وان نعيد فكرة في كل مداخله) مستذكرا جملة مثلت امامه في موقف معين قال فيها المغيب أترون ان القوة بسيطة لكن حتى تخلق عمق فأنك تتعب فأنت بحاجة الى مكتبة وقراءات ومرجعيات بحيث ان اي شخص يمتلك هوية مؤثرة فهي قوة على الرغم من انني كنت اعتقد ان القوة صعبة لكن عزيز السيد جاسم اثبت لي انها بسيطة بأنك بمجرد ابراز هويتك فالجميع يتراجع) وثمنت عائلة الفقيد السيدجاسم مشاركة الحضور في كلمة القاها نجله الزميل علي عزيز جاسم قال فيها  (اشكر تجشمكم عناء الطريق وحضوركم للمشاركة في هذا الحفل السنوي لاستذكار اوجاع العراق واحزانه في ذكرى استشهاد وتغييب المفكر الحرعزيز السيد جاسم، حيث باستذكاره نستحضر رجالا عبدوا درب الحرية بنضالاتهم وضحوا باغلى شيء يمتلكه الانسان وهو التضحية بالنفس لكي يرى العراق وشعبه النور في زمن مظلم مر به العراق. وباحتفالنا اليوم نستذكر العلامة الفارقة في ميدان الفكر الموسوعي الحر الرجل الشجاع الذي قال لا بوجه اكبر الطغاة يوم بيعت نعم بابخس الاثمان نستذكر مخطط الجبهة الوطنية وميثاق العمل الوطني والمدافع عن الفقراء والمحرومين ولا سيما الادباء منهم، نستذكر مفكرا كانت له مواقف وبصمات واضحة في المسار السياسي القويم لتصويب الاعوجاج الذي تسيد على البلد لحقبة طويلة.

لقد عاش عزيز السيد جاسم حياة صعبة مليئة بالمتغيرات التي اختارها هو بنفسه فهو لم يختر الطريق السهل الذي يوصله الى النفوذ والسلطة ومباذخ الحياة بالرغم من اتاحة ذلك وانما اختار الطريق الاصعب نحو النضال من اجل الحرية والسلام وحق الشعوب في العيش الكريم والتخلص من العبودية والدكتاتورية والوصاية على الناس. وبحسب قول السيد جاسم في كتاب تأملات في الحضارة والاغتراب (ان التفكير الفلسفي بذاته يخيف بعض اساطين السياسة، فكيف اذا تحول التفكير الفلسفي الى قضية وموقف ومبدأ ودفاع حازم عن الحقيقة). ان اقتـــــــــران الفكر بالممارسة كان من ابرز سمات السيد جاسم الذي كان يتعايش مع ابناء جلدته من البسطاء مترفعا عن المترفعين عليهم ولم يكن مصيره غير معلوم لديه بل انه اختط طريقه بنفسه واختار المجابهة والمواجهة فبقي حيا في الذاكرة فيما مضى الاخرون الى مزابل التاريخ.

ان السلطات القمعية عبر التاريخ تطرد الاحرار والمفكرين والعلماء والفنانين وتحاول القضاء على اثارهم وذكرهم لكنها مهما فعلت بجميع قدراتها بمؤسساتها وهيئاتها لن تستطيع ان تطمس الفكر الحر ابدا وان هذا الاحتفال واستمراريته وديمومته يعطي الكثير من المعاني التي تعكس علامة صحة وحياة لاستمرارية الثقافة الوطنية وهو دليل على وجود الوعي الخلاق الثقافي الذي يعكس اصرار الروح الوطنية في تجسيد وممارسة الثقافة الديمقراطية الحقة ضد جميع وسائل القهر والاستبداد.. ولا يسعني سوى ان اتقدم بالشكر الجزيل الى رئيس مجموعة الاعلام المستقل الاستاذ سعد البزاز على التفاتته الكريمة والاهتمام الخاص بقضية شهيد الكلمة وصاحب القلم الجريء كما اتقدم بخالص الشكر الى رئيس تحرير الزمان الدكتور احمد عبد المجيد الذي كان سباقا في كل ما يصب في صالح قضية السيد جاسم.

دعوة للانصاف والاستحقاق

وفي ختام الاحتفالية طالب الصحفي ابراهيم الراجحي بالضغط على المنظمات التي تعنى بحقوق الانسان ونقابة الصحفيين واتحاد الادباء بانصاف عزيز السيد جاسم بمنحة الحقوق التي يستحقها فضلا عن تسجيل محفل باسمه. واصدار جميع مؤلفاته وعقد ندوة ومهرجان او ندوة كبيرة عن مؤلفاته وشخصيته وتسمية شارع او جامعة او قاعة باسمه.