أمريكا 2015 لا تغيير في الخطاب السياسي

أمريكا 2015 لا تغيير في الخطاب السياسي

تم اجراء  الانتخابات النصفية في الشهر الماضي) او هذا الشهر حسب زمن النشر) في الولايات المتحدة مما ادى الى انتصار كبير للجمهوريين في الكونغرس وشغل اهتمام وسائل الاعلام على المستوى العالمي وتطرقت تلك الوسائل حول اسباب فوز الجمهوريين في الانتخابات لكن اغفلت او تجاهلت التداعيات او الأثار التي يمكن ان تؤدي اليها صعود الجمهوريين في الكونغرس على السياسة الخارجية الامريكية .

وتقسمت الاراء المطروحة في تفسير نتائج الانتخابات النصفية في اميركا الى مجموعتين مجموعة تبحث عن اسباب النكسة بالنسبة لاوباما والديمقراطيين وفوز الجمهوريين ومجموعة اخرى تعتقد ان حصول مثل هذه النتيجة تعتبر مرحلةعادية في دورة تداول السلطة في امريكا وهناك مواقف وسطية تجاه الانتخابات .

لكن السؤال الرئيسي الذي يبحث هذا التقرير عن اجابة له ما هي تداعيات هذا الانتصار على السياسة الخارجية الامريكية في عام المقبل  2015 وخاصتا سياستها تجاه المنطقة والعراق. ويعتبر عام 2015 سنة حاسمة بالنسبة للحزبين الجمهوري والديمقراطي بما ان اي حدث او تطور في هذه السنة يؤثر بشكل مباشر على نتائج الانتخابات الرئاسية في 2016 .

في البداية يجب تقييم الانتخابات النصفية في امريكا في اطار الثقافة والنظام السياسي السائد في هذا البلد . السلطة و السياسية في امريكا تتكون من وجهين : الوجه الايجابي للسلطة Positive powerوهي تلك السلطة التي يمتلكها رئيس الجمهورية وهناك وجه سلبي تمتلكه الكونغرس وهو عبارة عن السيطرة والرقابة وخلق التحديات ويسمى بـ:

 negative power  .

 وفي الثقافة السياسية الأمريكية هناك مصطلح اخر و هو الرقابة و ايجاد التوازن) .

وفي اطار هذه الثقافة ، للرئيس صلاحيات واسعة لصنع القرار خاصة في مجال الامن القومي والسياسة الخارجية في حين ان الكونغرس وفقا لاختصاصاتها القانونية تستطيع ان تصبح عقبة امام الرئيس او تتعاون وتتماشي معه في سياساته .

لكن في تاريخ أمريكا السياسي ندرة ما يوجد تعاون وتماشي بين السلطتين و غالبا ما يكون هناك صراع دائم اضافتا الى ذلك التنافس المستدام والدائم بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي للسيطرة على السلطتين .

ومن هذا المنظر يخضع نواب الكونغرس لعملية تداول مستمرة . ويمكن تفسير انتخابات 4 نوفمبر 2014 من خلال هذا الاطار.

 وفي هذه الانتخابات فقد الحزب الديمقراطي الاغلبية من عدد المقاعد.

 وانحاز التوازن السياسي لصالح الجمهوريين ضد الديمقراطيين. لكن الاغلبية التي حصل عليه الحزب الجمهوري لا يضمن له الدور الرائد دون التدخل والتاثير الديمقراطي .

اما بالنسبة لتداعيات هذه الانتخابات على سياسات الولايات المتحدة في عام 2015 اول تاثير الانتخابات هو ما يسمى (الجمود الواشنطني)  وذلك عبارة عن صعوبة صنع القرار بسبب التوزيع الخاص لنواب المنتمين للحزبين في المجلسين (مجلس النواب و الشيوخ) وسيطرة الديموقراطيين على البيت الابيض مما يؤدي الى عرقلة  صنع القرارات الاساسية المتعلقة بادارة البلد وخاصتا القرارات المتعلقة بجوانب الميزانية كما حدث في السنوات السابقة وتم تعليق انشطة المنظمات الحكومية بسبب عدم المصادقة على الميزانية في الموعد المقرر. وسميت هذه الظاهرة بـ:

government shutdown

النتيجة الثانية تتعلق بالانتخابات الرئاسية القادمة في أمريكا ، ازداد الجمهوريين ثقة بنفسهم بسبب هذا الفوز. الثقة التي فقدوها في السنوات الماضية . وتستطيع هذه الانتخابات ان تفسح المجال للجمهوريين لاعادة بنائهم المعنوي وتؤثر هذه النتائج على موقف المرشحين تجاه اوباما .

مع ذلك يعاني حزب الجمهوري من مشاكل داخلية مما يصعب تخمين نتائج الانتخابات الرئاسية لصالح الجمهوريين . كما أن الديمقراطيين سيشعرون بالضرورة لابتعاد من اوباما وسياساته في الانتخابات القادمة.

خلافات سياسية

والنتيجة الثالثة لهذه الانتخابات عرض صورة منقسمة للمجتمع الأمريكي وصورة للصراعات والخلافات السياسية والاجتماعية في هذا البلد . من الخطأ ان نعتبر  هذه الانتخابات بمثابة استفتاء شامل ضد أوباما. بل انه يعبر عن تغيير كبير في المجتمع الامريكي الذي يبدو انه يتجه نحو الانقسام الاكبر ليس انقساما مبنياً على الاتجاهات السياسية المختلفة فحسب بل انقساما اجتماعية حتى يمكن ان يرتبط بالجنس الاسود والابيض. ومحاولة البعض استخدام هذا الانشقاق

وفيما يتعلق بالتاثيرات الاحتمالية لهذه الانتخابات على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة يجب ان نلفت النظر الى عدة النقاط :

النقطة الاولى انه رؤساء اللجان المختلفة في مجلس النواب والشيوخ سينتمون الى الحزب الجمهوري .

عليه فان ماك كين منافس اوباما السابق الذي يشتهر بمواقفه الشديدة سيصبح رئيسا للجنة الشؤون العسكرية في مجلس الشيوخ . وسيحاول الحزب الجمهوري تعبئة الرأي العام ضد أوباما عن طريق رؤساء اللجان ورؤساء المجلسين الذين سينتمون الى هذا الحزب .

بعبارة اخرى سيحاول فرض خطابه في السياسة الخارجية على اوباما وتشـــــديد مواقفه في الشؤون الخارجية وخاصة تجاه الشرق الاوسط .

لكن من المستبعد أن يحصل تغيير جذري في خطاب اوباما في حين سيتشدد مواقف المجلسين .

النقطة الثانية هو انه في بعض مجالات السياسة الخارجية سيزداد التعاون والتماشي بين الرئاسة والمجلسين ومن هذه المجالات هي التجارة . عرض اوباما مشروعين للتجارة مع أوربا و منطقة المحيط الاطلسي . وكلا المشروعين سيكونا اقرب للنجاح بسبب العلائق المشتركة بين الجمهوريين والديموقراطيين .

النقطة الثالثة فيما يتعلق بايران والملف النووي بدون شك سيحاول بعض النواب الجمهوريين خلق العقبات والتحديات لأوباما وسيطالبون بحصة أكبر في مجال صنع القرار تجاه ايران وتدخل الكونغرس في تعيين الاطار النهائي للاتفاق النووي بين ايران و 5+1 . لكن يجب ان نلفت الانتباه لهذه الحقيقة أن السياسة الخارجية تعتبر الاختصاص الاحتكاري للرئيس الجمهورية الذي يمتلك اختصاصات واسعة في هذا المجال لكن تبقى هناك تحديات من قبل الكونغرس تمنع التقارب بين الحكومة الامريكية والحكومة الاصلاحية الايرانية

النقطة الرابعة هي تهديد الارهاب الذي سيصبح من النقاط المشتركة المهمة بالنسبة للحزبين . ورغم الضوضاء كلا الحزبين سيقفون متعاونين في الحرب ضد الداعش ومكافحة الارهاب في المنطقة . ولا يتوقع تغيير ملموس في سياسة أمريكا تجاه العراق . خاصتا انه العام المقبل يعتبر سنة تحضيرية لانتخابات الرئاسية عام 2016 مما يؤثر على تصرفات الرئيس ويمنعه اتخاذ اجراءات متهورة يمكن ان تؤثر سلبا على الرأي العام الأمريكي ونسبة اصواته وشعبيته . مما قد يمنعه من اتخاذ اجراء حاسم في موضوع العراق وحتى محاربة الارهاب ومحاولة المماطلة فيها لتأجيل حسمها الى ما بعد انتخابات 2016 . كما ان ممارسة الحكومات السابقة في الولايات المتحدة تكشف ان تلك الحكومات تتجنب التحديات في العام الثالث من السنوات الأربعة للفترة الرئاسية.

مريم هيثم – بغداد