أكراد العراق والحرب والسلام
هادي عباس حسين
من هم أكراد العراق؟ لعل هذا السؤال يتطرق دوما إلى الأذهان ويبحث عن سبيله للوصول إلى الجواب الذي اختلفت حوله الآراء ولكن الذي يقال هم جزء مكمل للأمة الكردية التي تسكن في كردستان وامتدادها من لورستان إيران جنوبا إلى اورسيا شرقا ومن ثم إلى سيواس غربا داخل الحدود الرسمية التركية الحالية مرورا بشمال العراق وشمال شرق سوريا. عليه يمكن القول بأن أوضاع الأكراد في العراق والموجودين في المنطقة الشمالية منه هي الأفضل مقارنة بأوضاع الكرد في أي مكان ذكرناه لقد لعب أكراد كردستان دورا بارزا من تواجدهم في هذا المكان وعبر تباين التاريخ مرورا بسقوط الدولة العثمانية وتشكيل الانكليز بعد سيكس بيكو واعتبروه أساسا واضحا للعلاقة بين المركز في العراق والكرد في الشمال. قد لقيت خلافات عميقة أدت إلى نشوب حروب طاحنة تركت اثار بليغة مع بقية مكونات العراق. ان الأكراد رغم كل شيء يفضلون البقاء ضمن العراق الديمقراطي الفيدرالي ويعارضون فكرة الانفصال التي أخذت تدق الأبواق الدعائية لها ان أكراد العراق اليوم يعيشون الى جنب دول متجاورة ذات أقليات كردية لم تحدد فيها القضية الكردية بعد ان القناعة عند بعض الأكراد وخصوصا أكراد العراق هم من أحفاد موجات نزحت من دول الجوار واستوطنت المنطقة منذ قديم الزمان وقد تطرق المؤرخ الكردي محمد أمين زكي 1880 ــ 1948 في كتابه خلاصة تاريخ الكرد والكردستان يتألف من طبقتين الأولى كانت تشكل كردستان منذ التاريخ وسماها شعوب جبل زاكروس وهي لولو ــ كوتي ــ كورتي ــ جوتي ــ جودي ــ كاساي ــ سوبراي ــ خالدي ــ ميتاني ــ حموري ــ نايري اما الطبقة الثانية فهي طبقة الهندو ــ أوربية التي هاجرت إلى كردستان في القرن 10 قبل الميلاد واستوطنت شعوبها الأصلية وهم الميديين والكاردوفيين ليشكلوا معا الأمة الكردية. أما الهوريون الذين سكنوا شمال الشرق الأوسط 2500 قبل الميلاد وقد نسبوا أصولهم من القوقاز أو ما يسمى القفقاز التي هي منطقة اسيو ــ اوريبة بين تركيا وإيران والبحر الأسود وبحر قزوين وكذلك امتدوا إلى نهر الخابور وأسسوا ممالك صغيرة منها مملكة ميتاني في شمال سوريا. عام1500قبل الميلاد وان الهورييون من أين جاءوا ويقال إنهم جاءوا من مدينة اوكريش التي تقع قرب مدينة القامشلي في سوريا. أما المؤرخ اليوناني زينوقون 427 ــ 355 قبل الميلاد فقد جاء في كتابه بأنهم شعب وصفهم بالأشداء وأصحاب الصبر والمعاناة وأطلق عليهم اسم الكاردوخيين الذين تمكنوا من مهاجمة الجيش الروماني أثناء عبورهم المنطقة 400 قبل الميلاد. أما الدكتور زياد فقد تطرق في كتابه ايران ثروة في انتعاش طبع عام 2000 في باكستان وتكلم عن القبيلتين الرئيستين من الجنس الآري من نهر الفورنانجا وبحر قزوين واستقروا في إيران. ان تشكيل دولة العراق 1921في مؤتمر القاهرة الذي انعقد في الولايات المتحدة والذي بموجبه صدر القرار على أنشاء دولة ملكية في العراق وتنصيب فيصل بن حسين ملكا عليها ومنذ التأسيس واجهت الدولة مشاكل متعددة ورغم ان الإسلام هو الرابط الرئيسي بين الولايات الثلاث، الدين وحده لم يكن كافيا لتوحيد هذه الولايات الثلاث لذا عارض وجهاء البصرة الانضمام إلى الدولة العراقية وفي ولاية الموصل سعى الأكراد وبمن فيهم خطباء المساجد وعلماء الدين تحت الانتداب البريطاني حتى كتب الملك فيصل الأول مذكرة مشهورة جاء فيها ان البلاد العراقية هي مجموعة من البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والقومية والدينية لذلك هي الحالة مبعثرة القوى منقسمة على بعضها. وباختصار أقول وقلبي يملأه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي… . الأكراد ودورهم في حركة محمود الحفيد سقطت الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وحاولت تركيا استعمال محمود الحفيد 1985 ــ 1956 راغبة بإلحاق ولاية الموصل إليها وبما يملكه هذا الرجل من مكانة دينية مرموقة من حقوق الأكراد لكن كانت دواخله تطلعات قومية، فقام بالاتصال بالانكليز الذين وعدوه بعدة امتيازات في إدارة شؤون المدينة وتكوين حكومة كردية برئاسته تحت ظل الانتداب البريطاني وتم تعينه على السليمانية بشرط تعيين ضابط بريطاني عالي ولم يحصل التوافق على هذا الأمر مما أدى إلى إعلان الثورة على الحكم البريطاني من قبل محمود الحفيد ولكن البريطانيين تمكنوا من إلحاق الهزيمة به واعتقاله مع شيخ محمد غريب وتم نفيهما إلى الهند جزيرة الاندامان، وأما معاهدة 1930 التي وقعها نوري السعيد لاقت احتجاجا واسعا من قبل الأكراد وقد جوبهت هذه المعاهدة وحكومة نوري سعيد بمظاهرات حتى قام محمد الحفيد للمرة الثالثة بتحسين اتباعية وطرد الانكليز من منطقة نفوذه بعد ان عادوا إلى السليمانية مرة أخرى بسبب الاضطراب السياسي الذي حدث بينهما وقد أضاف بمذكرته إلى المندوب البريطاني يطلب منه إنشاء دولة كردية مستقلة تمتد من زاخو حتى خانقين لأن الانكليز وقوات الحكومة العراقية ألحقت الهزيمة به حتى سلم الحفيد نفسه سنة 1930 وتم إبعاده إلى مدينة السماوة ثم إلى الناصرية ثم إلى قصبة عانه ثم صودرت كل ممتلكاته في السليمانية. دور الأكراد في حركة مصطفى البارزاني لم تكن حركة محمود الحفيد التي طالبت بإنشاء دولة كردية في السليمانية وحدها فقد برزت حركة كردية أخرى بقيادة احمد البارزاني 1962 ــ 1969 الأخ الأكبر لمصطفى البارزاني وهذا ما تطرق اليه المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني موضحا بان هنالك اتصالات بين احمد البارزاني والفرنسيين في سوريا للحصول على الدعم والاستقلال حتى وضع احمد البارزاني 1931 طلبا إلى عصبة الأمم حول منح الأكراد الحكم الذاتي لأن في يناير 1932 شن الجيش العراقي مدعوما بسلاح الجو البريطاني هجوما على منطقة البارزاني ولكن بالرغم من نفي احمد البارزاني إلى السليمانية ثم إلى جنوب العراق لم تتوقف الحركة بل استمرت بقيادة مصطفى البارزاني وبمساعدة أخيه الذي تمكن من الهروب إلى السليمانية وعاد إلى منطقة البارزاني عبر الأراضي الإيرانية عام 1943 حتى اندلعت الشرارة الأولى لحركة مصطفى البارزاني في منقطة شانه دهر وامتدت إلى مناطق أخرى وتم السيطرة على 17 مخفر للشرطة حتى تمكن من إملاء شروطه التالية
1 ــ تشكيل ولاية كردية تشمل كركوك ــ اربيل ــ سليمانية ــ زاخو ــ دهوك ــ العمادية ــ سنجار ــ خانقين ــ متدلي .
2 ــ في هذه المناطق تعتبر اللغة الكردية لغة رسمية.
3 ــ تعيين نائب وزير كردي في كل الوزارات العراقية وقد حجبت هذه الطلبات بمعارضة شديدة من قبل الوزراء وأعضاء مجلس النواب وقد اتهم بأن نسب نوري سعيد من أصل كردي وانه تزوج من امرأة كردية حتى اضطر إلى تقديم استقالته وفشلت كل الاجتماعات والحركات حتى عاد القتال مرة أخرى في 13 أغسطس 1945حيث شنت القوات العراقية والبريطانية هجوما على معاقل مصطفى البارزاني مما أدى إلى انسحابه إلى ايران ومن ثم إلى الاتحاد السوفييتي.
جمهورية مهاباد
تمكن الملا مصطفى البارزاني وبمساعدة قوات الاتحاد السوفييتي من تأسيس جمهورية كردية في ايران التي لم يتجاوز عمرها 11 شهرا حيث أسقطت حيث كان وزيرا للدفاع فيها الملا وبعد انسحاب القوات السوفييتية منها تدهور الوضع فيها دمرت القوات الانكليزية القوات الإيرانية وتبدد الحلم الذي رسمه لها الملا، وبعد ان تفجرت ثورة تموز وأعلنت الجمهورية العراقية برئاسة عبد الكريم قاسم عام 1958 سمح للملا العودة إلى العراق لكن أمانيه وأحلامه العريضة بددت فقد شنت القوات العراقية هجوما على معاقل الملا مصطفى للمرة الأولى وما ان أطيح عبد الكريم قاسم وسلمت السلطة لعبد السلام محمد عارف وقد ترأس الامام جلال الطالباني وفداً إلى بغداد لدراسة القضية الكردية التي دار الصراع داخلها وبين رؤساء أحزابها إبراهيم احمد وجلال الطالباني والبارزاني حتى توالت الأحداث ليكون فيصلها الوحيد تسلم البعثيين رئاسة البلاد 1968 حتى تم إبرام اتفاق 11 آذار و إعطاء الحكم الذاتي لهم، ولم يتم حسم منطقة كركوك بل بقت عالقة وعندما أعلن الملا مصطفى حق الأكراد في نفط كركوك ساءت العلاقة مرة أخرى مع الحكومة العراقية وقد أجبرت الحكومة العراقية على اتفاقية الجزائر بقبولها خط العقر كحد في شط العرب مع ايران، وكانت نهاية مصطفى البارزاني في أمريكا ملبيا قدر ربه في مستشفى جورج واشطن.
حرب الخليج
لقد اكتفت أمريكا من خططها بأنها موافقة على إقامة دولة كردية واقعية تمتد من البحر الأسود حتى الخليج العربي وان ما قام به صدام حسين من إبادة جماعية للأكراد جعل أمريكا متعاطفة وجعلها موافقة على ما يريده الأكراد بإيجاد الأرض الخصبة لما تخطط له أمريكا، فكانت داعية وبشكل حازم وقوي ان تغير حالة الأكراد إلى حال أفضل هذا لن يتم إلا ان يشكلوا قوة ويحصلوا على وطن بإعطائهم شيئا من السلطة الحاكمة وان تكون على نوعين الأولى طويلة الأمد والأخرى قصيرة الأمد، فكانت حرب الخليج ساعدت الأكراد في الإلحاح في طلب الاستقلال ولأمريكا دور قوي أعلنته على مسامع النظام البائد، وقد تمكن الأكراد من تحقيق حلمهم الجميل ان تكون كردستان بلداً مستقلاً بدائياً، وبعد سقوط النظام صارت الآمال والأمنيات تترافق في ذهن الأكراد بأن المسافة الطويلة التي استبعدوها لم تكن إلا بداية خطوة واحدة وقبلها خطوات وقطع المسافات الشاسعة ولذلك لتحقيق الحلم الجميل بان تعلن كردستان العراق فيدرالية وقطع شوط من المسافة المتبقية حتى تحقيق ما تمناه كل كردي في شمالنا الحبيب.
/9/2012 Issue 4301 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4301 التاريخ 11»9»2012
AZP07























