أكاد لا أصدق عيني – عبد المحسن عباس الوائلي

أكاد لا أصدق عيني – عبد المحسن عباس الوائلي

 

أهذ هي أنت .. ! ؟ لا أصدق .. !! هل أنا في حلم ام يقظه يا ليته لم يكن حلما ً فبعد غياب طويل أطلت علي َّ بوجهها الجميل كالقمر في ليلة ظلماء واهتزت كل حواسي ونسيت ما حولي وكأنني جننت لهذه المفاجأة التي فتحت قلبي وأنارته وهذا الصوت الذي فقدته منذ زمن طويل وها هي تجلس أمامي وتتنهد بحسرة طويلة وتقول والله يا أبو جمال ذهبت في جولة طويلة لعدة دول غربية وانت معي في يقظتي ونومي وأن أجمل ذكريات حياتي هي تلك الاربع سنوات التي عشناها بحلاوتها خالية من المرارة صادقة صدق الوجود ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فأعلم أنها ذكريات خالدة مادمت على قيد الحياة وأدمعت عيناها فبكيت انا بكل ألم وأسف وندم فمسحت دموعها بورق الكلنكس واخذته منها واحتفظت به وسأبقى محتفظاً به ما دمت حيا ً ثم قال يا أبو جمال أول ما أعجبني في دول الغرب هو اعتمامهم الشديد في تقوية الاساس لكل عمل يقومون به وأهم الأعمال هو بناء الانسان فالانسان هناك له قيمة ككائن متميز مهما بلغ به العمر وأمتد به الزمن فالانسان هناك منذ اليوم الذي يخرج فيهمن بطن أمه وهو محو اهتمام الناس والدولة على حد سواء أنهم هناك يشعرون اطفالهم ويتعاملون معهم كرجال صغار يحترمون تفكيرهم ويقدرون مشاعرهم ويأنسون الى أحاديثهم وهم على استعداد دائما للاجابة على اسئلتهم المعقدة والمملة في ذات الوقت مهما كانت مشاغلهم ومهما كانت درجة الضحالة في اسئلة أطفالهم فيشب الطفل سوي الشخصية خالياً من العقد والرواسب وقادرا ً على التلائم مع البيئة التي نشأ فيها يعطيها عندما يكبر ما عنده ويأخذ منها حاجته العيب عندهم ليس هو ما تعارفنا نحن على تسميته بالعيب .. العيب عندهم هو ان تكذب او تسرق أو أن تؤذي الاخرين .

بينما العيب عندنا هو عكس كل ذلك .. فالأب هنا عندما يريد ان يتخلص من مضايقات ابنه يكذب عليه… ويكون ذلك اول درس في ممارسة العيب يتعلمه الطفل من والده ويتكرر الدرس .. كل درس شحنة ناسفة من الخداع والتضليل والنفاق والدجل وممارسة الوجه الاخر للحياة .. الوجه القبيح والاعجب بعد ذلك اذا شب الطفل عندنا وهو يكره المدرسة لان الطريق اليها جاء عبر والد لا يؤمن بالمدرسة بقدر ما يؤمن بالشهادات لكأنما الشهادة هي غاية الغايات في حد ذاتها فالأب يريد ابنه ان يكون دكتورا ً لا لكي يثري الحياة الانسانية بعلمه وخبرته ولكن ليستطيع أن يجمع اكبر قدر من المال باقل قدر يبذله من الجهد وذلك هو الدرس الذي يتلقاه الأبن من والده صباح كل يوم وفي كل مناسبة وغير مناسبة ولكن هذا الذي يريد لأبته أن يصبح رجلا ً لا يقول له بأن من أولويات مبادئ الرجولة ان يحترم هو كأب مشاعر أبنه وطموحاته انه تعامل معه من خلال قائمة طويلة من الاوامر والنواهي منذ اللحظة التي يبدأ فيها مرحلة الوعي فهو ممنوع من ان يدخن وممنوع من أن يسهر وممنوع من ان يكذب وممنوع من ان يخالط اولاد السوء ممنوع من كل ذلك بينما هو (الوالد) لا يجد غضاضة من ان يطلب من ابنه ان يأتيه بعلبة السكائر ويدخن امام ولده ولا يجد حرجاً من ان كذب في حضرته على امه او على اخوته وتضيع المعادلة ومعها تضيع كل الدروس البلهاء التي تلقنها في مدرسته عن الفضيلة والصدق والوفاء على يد مدرس ربما كان اكثر أزدواجية من والده مدرس يحفظ كل ما قيل شعرا ً عن الفضيلة والشهامة بينما هو في حقيقته ليس اكثر من دجال وضعته ظروف مجتمع سيء في موضع المربي والمنشىء لجيل يائس تعيس انهم هناك يتحدثون ببساطة ويقولون ما يعنون الابيض عنده أبيض والأسود أسود . اما عندما فللجمل عدة اسماء وكذلك للسيف والاسد اسماء عدة لكل منهما ولأن الحقيقة لا تعترف الا بوجه واحد فانها لا تعترف بوجودنا وحين تفلت الحقيقة من اليد تختل الموازين وتضيع القيم وتبقى الاصابع متشبثة بالقشور ونحن في واقعنا أمة تتشبث بالقشور ولن تقدر ان تبرهن على عكس ذلك الا اذا استطعنا ان نتعامل مع الاشياء بوجه واحد بدءا ً من علاقتنا بأولادنا وانطلاقا ً الى تعاملنا مع الناس في الكون الارحب ولهذا كله لم نصل الى ما وصلت اليه الشعوب بكل المجالات .. أنها ثقافة شعوب وعلينا الاقرار بذلك ! !