صادق جواد الجمل : أعمال كثيرة في سنوات قليلة
أزحت التراب عن نتاجات مخبوءة في درج سري
حوار: رزاق ابراهيم حسن
خلال السنوات قليلة بزغ نجم الروائي والقاص صادق جواد الجمل بعدد منالروايات والمرحيات والقصص القصيرة الامر الذي يدفع الى اثارة اسئلة عديدة عن هذا الظهور المفاجيء والسريع وقد اخترنا ان نطرح عليه بعض هذه الاسئلة وان نقدمها مع اجوبتها:
{ لقد ظهرت كاتبا روائيا بشكل مفاجيء ، فهل يعود ذلك الى اختيار معين وظروف معينة ، أم لأســباب أخرى؟
– نعم ظهرت للساحة الادبية بعد التغيير ، بعد أن أزحت التراب عن أعمال كانت مخبؤة في درج سري في بيتي ، وفي تلافيف الذاكرة . كتبت وقدمت مسرحيات حينما كنت طالبا في ثانوية العروبة في بغداد في نهاية الستينات ، وكذلك اثناء الخدمة العسكرية في بداية السبعينات حين كانت هناك فسحة من الديمقراطية ، وقدمت عملا تلفزيونيا واحدا مثله الفنان حسين عبد الرحيم في تلفزيون العراق وكان ذلك في العام 1982 وانا اخرج من دار الاذاعة والتلفزيون صادفني صديق يعمل ممثلا ونصحني ان ابتعد عن التلفزيون لاسباب معروفة . وطويت العمل الثاني في جيبي وعدت الى بيتي .
{ هل صدرت رواياتك استنادا للمسودات الاولى ، أم إنها تعرضت الى الكتابة اكثر من مرة ؟
– كنت احتفظ بمسودات كثيرة وروايتي الاولى مرافيء هلامية كانت عبارة عن خطوط عامة تمكنت ان اجمع تلك الافكار ولم اطبعها الا بعد ان وضحت الصورة جلية ناصعة . وكنت قد اخفيت مسرحية اسمها مثلث برمودا وهي عن معاناة المعتقل السياسي وبحث في التاريخ اسمه الحلقة المفقودة في الدولة المنشودة ولان الكتابة في هذين المجالين تعتبر من المحرمات فإضطررت مثل كثيرين من كتابتها في الحبر السري !!
{ ما الذي تطمح اليه من كتابة الرواية ، ولماذا إخترتها ؟
– إن الكتابة بشكل مطلق هي تعبير عن خلجات الكاتب ولابد له ان يكون واعيا لما يكتب وهي انزياح وتنفيس ، ولشعور الكاتب بدوره في الحياة كان لزاما علي ان اكتب في التاريخ الاجتماعي والسياسي كي اوثق الاحداث توثيقا روائيا . أن تناول التاريخ مسؤولية كبرى وعلى الكاتب ان يكون محايدا ” قدر المستطاع ” فالرواية وكل الفنون الادبية الاخرى هي وثيقة فنية تتحدث وتكشف عن ما حدث . وثلاثيتي ” النيرفانا ” كتبت عن التاريخ السياسي والاجتماعي العراقي منذ منتصف الثلاثينيات من القرن المنصرم حتى عام 2003 مرورا بالحكم الملكي والجمهوريات الخمسة . وبتواضع اقول كان لها وقع حسن عند القراء والنقاد رغم اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية بسبب حياديتي التي افتخر بها . ومما افرحني أن أستاذا في جامعة بغداد اختارها لتكون ضمن المنهاج الدراسي لكلية التاريخ . وكان اخي الاستاذ الدكتور عباس ثابت قد وصفها بانها رواية تعليمية كما يصنف المجري لوكاش ذلك .
اما جوابي عن الشطر الثاني من السؤال ” لماذا اخترت الرواية دون صنوف الاداب الاخرى ” ، فأقول : أن بداية اغلب الروائيين كانت بداية قصصية . ثم تطوروا من خلال التجارب الكثيرة ومن الخبرة المكتسبة الى الولوج في عالم الرواية ، وكما معروف في احدى تعاريف الرواية بانها كيس كبير يحوي كل البضاعة او هي سوق كبير والفنون الاخرى محلات في هذا السوق . وتعتبر الرواية هي الاكثر مساحة في طرح الافكار افقيا وعموديا ولهذا اتخذت من هذه المساحة مشغلا ملائما للعمل به .
{ لقد اصدرت عدة روايات ، فهل خضع ذلك لخطط ومشاريع معينة ؟
– لابد لكل عمل ان يكون ممنهجا ، وقليلة جدا الاعمال السطحية تلك والتي تحكمها ظروف خاصة كالكسب السريع او للاستهلاك الدعائي للسلطة وهذه الاعمال عادة ما تكون في الانظمة الدكتاتورية المؤدلجة ولابد ان اذكر ان كثيراً من الشعراء والكتاب والفنانين عانوا كثيرا وكثيرا جدا جراء ذلك وقد كنت قريباً جدا من بعضهم . واما الاعمال الفوضوية فربما تاخذ حيزا فوضويا قد ينتج لحنا جميلا رغم نشازه . ان المعاناة التي يعيشها الكاتب او بالاحرى معاناة مجتمع الكاتب تفرض عليه ان يكتبها فصار علي ان اترجم احاسيس ومعاناة مجتمعي والعراق زاخر بالحكايا او كما يقول الجاحظ ” ان القصص على قارعة الطريق ” و على الكاتب ان يتلقط تلك القصص ويشتغلها في مطبخه كي يقدمها طازجة الى قرائه ، ومن نافلة القول ان الاعمال الصادقة ستفرض وجودها والعكس صحيح ولهذا تجد ان الكثير من تلك الاعمال طبعت بصمتها في التاريخ الانساني والامثلة كثير لا حصر لها . ومن نافلة القول ايضا ان تلك الاعمال خضعت لخطط ومشاريع . وهكذا انا لم اكتب حرفا واحدا الا كان ضمن ستراتيجية ادبية واعية للوصول الى مشروعي الكبير لفضح الزيف والكذب ويشترك معي اخوة اعزاء من الكتاب العراقيين الذي افتخر انا واحدا منهم .
{ لقد تناول نقاد رواياتك من خلال سلبيات معينة . فهل اختلفت واتفقت معهم في ذلك . وكيف تعاملت معها في مشاريعك الجديدة ؟
نقد رواية
– قال لي مرة الاستاذ علاء الطائي ناصحا ، وكان ذلك في عام 1979ان المباشرة كالمومس وكان درسا عظيما استفدت منه كثيرا ونقد روايتي الاولى مرافئ هلامية الاستاذ بشير حاجم واستفدت من ملاحظاته القيمة ولم اهمل اي ملاحظة من الاستاذ حنون مجيد وعلي الفواز والدكتور عباس ثابت والدكتور سعد مطر وهم مخلصون بالتاكيد . لاني اعرف تماما ان النقد غربال للكاتب والعمل الادبي بشكل عام يصنف الى ان النقد للتقييم والمتعة للقاريء ومن خلال تلك الملاحظات عن روايتي الاولى والتي تصدى لها الاساتذة النقاد تمكنت ان اشتغل اعمالي التالية بحرفية اكثر ومما افرحني حقا ما قاله عني الاستاذ بشير حاجم والاساتذة الذين ذكرتهم عن اعمالي الجديدة ، وكان الاستاذ احمد البياتي اخر من اشاد بتقنية روايتي النيرفانا . وهناك فرق كبير بين ناقد حاقد وناقد مخلص يريدك ان تستفيد من ملاحظاته ومن الجدير بالذكر اني تعلمت ان اعرض اعمالي عليهم قبل طباعتها للاستفادة منهم .
{ انت ظهرت روائيا بعد ان قطعت الرواية العراقية مسيرة طويلة ، فهل تعتقد نفسك امتداد ا لها ، ولاي جيل من اجيالها ؟
– إن تأريخ الرواية يعود الى عام 1919على يد سليمان فيضي وجعفر الخليلي وسامي خوندة ، صحيح ان ما قدموه لم يستوف شروط الرواية الا انهم بلا شك وضعوا اول لبناتها والتي طورها بعدئذ المرحوم محمود احمد السيد حينما اصدر روايته “جلال خالد” عام 1922 ، والتي تعتبر اول رواية عراقية ومما لاشك فيه ان الرعيل الثاني امثال محمود سعيد وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ويوسف الصائغ واخرون كذلك الجيل الذي تلاه كعبد الستار ناصر واحمد خلف وحنون مجيد واخرون استفادوا كثيرا من تجربة الرواد وهكذا دواليك . وبما ان كل عمل هو سلسلة متصلة ببعضها ، كنت انا واخواني الان في المشهد الادبي والروائي بشكل خاص نكمل ما بناه الاولون ونحن امتدادا لهم . وانا معجب بالجيل الثاني واسجل اعجابي بفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان ولي الشرف ان اكون ابنا باراً لهم جميعا ولكني بلا شك اخطو خطوات فرمان والتكرلي .
{ معظم رواياتك تناولت التأريخ السياسي ، وهو موضوع معظم الروايات العراقية ، كيف تميز تناول هذا الموضوع؟
– لقد عد بلزاك الرواية حليفا للتأريخ ومن هذا الفهم أقول : أن أضطراب الانظمة السياسية التي مرت على العراق ولازال مطمعا للغزاة واقصد الغزاة الايدلوجيين ناهيك عن الغزاة الخارجيين ، فتولدت البذرة الاولى للفرد العراقي شعريا برفض هذا الواقع المآساوي حتى قيل ان الشعر ديوان العرب ، وبما ان التأريخ يتشكل من عدة اشكال ومن اهمها الوضع السياسي للبلد فكان الهم الانساني للعراقي الموغل تاريخه بالقدم منذ الازل ولكي لايطمر الغزاة ذلك المجد تصدى الشعراء لهم وظهرت من الركام جينة الابداع وكانت ترجمة لااحساسهم بالظلم المؤدلج والمنظم وفي العراق مآس كثيرة على الطرقات هي بالحقيقة تلك التي وصفها الجاحظ فيما اسلفت . ولذا تجد ان كل اعمالي تنتهج الاسلوب الذي انتهجه الشعراء والكتاب العراقيون وحتى في روايتي “سفينة نوح الفضائية “وهي من ادب الفنتازياوكما هو معلوم ان الانسان يهرب من واقع مرغيرقابل للتحقق الى الحلم ” الفنتازيا ” الذي يداعب مخيلته تعرضت فيها للمستقبل الاظلم الذي ينتظر الانسانية نتيجة سباق التسلح الذي بات يهدد الانسان . وحتى مجموعتي القصصية “مؤتمر الفئران ” تصديت فيها لتاريخ اسود مر به العراق . ولذا كنت ولا زلت اكتب في ما يعانيه الانسان من ظلم ” اخيه ” الانسان ولي الشرف ان اصنف بأني واحد من الروائيين العراقيين الذين يؤرقهم ما حدث وما يحدث .
{ اين التطور والاختلاف في رواياتك ؟ – ان التطور سمة طبيعية لكل مبدع وكما اسلفت ان بداية كل كاتب بداية بسيطة خجولة ثم ما يلبث ان يضع قدمه على العتبة الاولى ويبدأ مرحلة التطور التدريجي ، وقد تكون البدايات حكائية اكثر منها روائية وبعد ان يتلمس طريقه تبدأ مرحلة النضج الفكري مستفيدا من اخطائه ومن النقد الهادف وبعدها يكون مسؤولا مسؤولية حقيقية عن كل ما يكتب لانه سيتعرض يوما الى محكمة الادب ولن يفيده دفاعه ومبرراته . واذكر ان المرحوم جعفر الخليلي قد تبرأ من قصة كتبها بداية القرن المنصرم لانه كان في بداياته ولان نضجه الفكري قد ظهر وسطع بعد تجارب عدة . ولهذا قال عني الناقد الاستاذ الدكتور عباس ثابت يصف النيرفانا : هذه الرواية تشير الى تطور هائل في تقنياته السردية وهو روائي يستحق ان يوضع مع الروائيين الكبار .
انا أعتز بكل ما كتبت وحين اقارن بداياتي في فترة السبعينات مع ما كتبته الان اجد ان التطور كان كبيرا والاختلاف اكبر .
{ مالذي يجمع بين رواياتك وسيرتك الذاتية ؟
-مما لا شك فيه ان كل كاتب والاستثناء نادر جدا يختفي وراء حروفه ومهما حاول التنكر والاختباء ، وبما اني اكتب بالتاريخ السياسي والاجتماعي العراقي فحتما سيجدني القارئ وختفيا ولو بدرجة ما خلف شخصياتي ففي بداياتي كنت مختبئا خلف شخصية رياض في مسرحية مثلث برمودا ، ولكني بعد التطور في الكتابة اختفيت تماما وبقيت انثر بعض ما اجده قريبا لشخصيتي على “بعض” مواقف لاشخاص ، نعم يختفي الكاتب وراء بعض شخصياته ويحاول ان يضع لمحو من سيرته الذاتية .
{ من هم مثالك وقدوتك في الرواية ، وما الذي حققته من منجزات وتاثيرات هذه القدوة ؟
– الجواب على هذا السؤال شائك فأنا قاريء قديم وقديم جدا منذ نعومة اضافري كما يقال ، وقرأت لكتاب كثيرين لاحصر لهم وادين لهم بالفضل جميعا غير اني بلا شك تاثرت كثيرا بالادب الروسي تولستوي وتشيخوف وغوركي ودسيوفيسكي ومن الادب الغربي البرتو مورافيا وجورج ارول وزولا . واما الادباء العرب فقد كان نجيب محفوظ انموذجا وتوفيق الحكيم وحنا مينا والماغوط وعبد الرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا وكان التكرلي وسعيد محمود وغائب طعمة فرمان وعبد الستار ناصر واخرون لايمكن تعدادهم ، ومن كل اؤلئك غرفت الا ان التكرلي وفرمان هم من وجدتهماالاقرب باسلوبهم الى نفسي وهم قدوة لي تتبعت خطواتهم وربما يمتازان باسلوبهم عن الاخرين فكانوا بوصلتي التي تبعتها مع اعتزازي بالاخرين ، والذي حققته من خلال قراءاتي لهم ان اكون حذرا جدا في اسلوبي واعي ما اكتب ومن تكنيكهم تعلمت الكثير واستفدت من كتب النقاد الاساتذة اسماعيل ابراهيم عبد ومن ذكرتهم سابقا .
{ ما الذي اشعل فيك جذوة الكتابة الروائية ، وكيف تواصل اشعالها .؟
– يقول بوختين ناصحا الكتاب ان يركبوا قطار الدرجة الثالثة حتى يستطيعوا ان يسجلوا ما يعانيه البسطاء ، وبما اني اصلا من ركاب الدرجة الثالثة اشتعل بهموم ركابها فكانوا هم مشغلي الذي اشتغلت عليه والان وبعد هذا العمر وما تهيأ لي من سبل العيش الرغيد كي انتقل الى درجة اعلى لكني بقيت مصرا ان استقل قاطرة البؤساء غالبا ما اترك سيارتي كي لا تنطفئ جذوة الكتابة.
{ كيف تستفيد من الكم الكبير للروايات العراقية في هذه المرحلة ؟
– ثق ان العراق منجم الابداع ومن الجدير بالذكر ان اقول ان احد الاخوة المهتمين برصد النتاج العراقي قد ادرج 156 روائيا ظهر اكثرهم بعد العام 2003وافرزهذا الكم مواهب كانت مطمورة تحت ركام الدكتاتورية وانا اتبع بحرص اصدارات اغلبهم ولي قراءات لذيذة ممتعة لاصدقاء اعزاء اذكر منهم الاستاتذة : شوقي كريم ، احمد خلف ،ناطق خلوصي ، خضير فليح الزيدي ، وارد بدر السالم ،محمد علوان ، حميد الربيعي ، سعد سعيد ، اسعد اللامي ،حميد المختار ، حسن البحار واخرون اعزاء لم يسمح المجال لذكرهم جميعا ، ومما لاشك فيه ان كل رواية تضيف للقارئ موضوعا وفكرة وطرائق كل منهم في الاسلوب والوصف والحبكة و….الخ.
{ انك تكتب الرواية مع الكم الكبير لمئات الروائيين العراقيين ، فهل تضعهم في تصنيف معين ، واين تضع نفسك في اطار هذا التصنيف ؟
– لكل كاتب رؤى وموضوع وله مشغله الخاص به ، وكل ذلك ينصهر في بودقة النتاج الادبي الروائي ، ونحن الان في عصر ما يسمى بكيمياء المدارس الادبية ولم تعد الرواية الحديثة مصنفة لمدارس معروفة كما الحال في الماضي . ولكن هناك كتاب أختصوا في طرح هموم الوطن والانسان المعاصر ومن كتب في العشق والعشاق ومنهم من اهتم بادب الرحلات كالروائي حسن البحار والروائي خضير فليح الزيدي الذي تجول وتوغل كثيرا في قاع المجتمع والاستاذ شوقي كريم الذي كان راصدا للمدن المنسية وكذلك محمد علوان جبر وحميد الربيعي والاخرون ولكل منهم اسلوبه وطرائقه في الكتابة . وانا اضع نفسي في اخر القائمة الا اني احاول ان اجتهد في كتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلد وحتى روايتي سفينة نوح الفضائية وهي من ادب الفنتازيا والتي وصفها ناقد مغربي : بانها اول رواية فنتازية عربية . كانت تحمل هموم الانسانية والتي باتت على شفى حفرة من الانهيار بسبب الصراع النووي . والان تحت الطبع روايتي الخامسة والتي تدور احداثها عن الواقع الادبي العراقي في الفترة الواقعة بين اربعينيات القرن النصرم حتى نهايته .
{ هل ترجع الى مصادر معينة قبل كتابة الرواية ، وما الذي تحاول الحصول عليه ؟
مصادر عدة
– في الرواية التاريخية أحتاج الى مصادر عدة ومن وجهات نظر مختلفة وربما متقاطعة كي افرز ما اريد ، وبما ان الرواية هي نتاج الواقع زائدا الخيال وهنا تظهر مقدرة الكاتب في الخلط . ففي سفينة نوح الفضائية التي استغرقت في كتابتها ثلاث سنوات وذلك لكثرة الاحتياج الى معلومات علمية وتاريخية رصينة بحثت عنها من امهات الكتب والمصادر وعلى سبيل المثال ان عدد ركاب سفينة نوح عليه السلام كان 84 وهذا الرقم كلفني قراءة اكثر من الفين ورقة كي يركب في سفينتي نفس العدد . واعود لاقول ان اصعب الكتابات تلك التي تمس المعلومة التاريخية لان الكاتب سيحاسب حسابا عسيرا اذ لم يكن موضوعيا حقيقيا وهذه المسؤولية تكون اكبر واخطر حينما يكتب في التاريخ المعاصر ،عكس الرواية البسيطة التي تتمحور في اطار العلاقات الانسانية والتي لا يحتاج الكاتب الا الى قدرته في طرق الاسلوب والوصف .. ولقد عانيت وانا ابحث عن الحقائق حين شرعت بكتابة ثلاثية النيرفانا وقرات عن تاريخ العراق من وجهات نظر كثيرة ومتباينة احيانا منذ منتصف الثلاثينات وحتى العام2003 والتقيت باشخاص عاشوا احداث تلك الفترة وكان بعضهم صناعها .حتى لا اقع في المحظور وتنزلق قدمي في متاهات السياسة واحابيلها وكي انقل الحقائق قدر استطاعتي واسلط الضوء على الجنود المجهولين الذي نساهم تاريخـــــنا كما هــــــي العـــــــادة .
{ بعد هذه المسيرة مع الرواية ، ما الذي تركته وابقيت عليه منها ؟
– صدرت لي اربع روايات والخامسة تحت الطبع ، ونصحني صديق بان اطبع ثلاثية نيريفانا الى ثلاثة كتب منفصلة وسفينة نوح الفضائية الى كتابين حتى يكون عدد الروايات اكثر.، لكني فضلت ان اجمع الاجزاء بين دفتين ، وكذل لي اكثر من مسرحية ومجموعة قصصية وبعض المقالات في الصحف ومحاضرات في الجامعات وفي المنتديات الثقافية ومجلسي في المركز الثقافي البغدادي . اما جوابي عن الشطر الثاني من السؤال فاقول : تركت للتاريخ ما كتبت ليحكم ، وابقيت جذوة النار التي تأكلني والصراع الذي يحيط بي من اناس مقربون حاولوا ان يضعوا العصي في عجلتي ولم ينجحوا ، تركت الاعمال التي لاتقدم شيئاً جديداً وابتعدت عن المواضيع المستهلكة التي لا تعالج هموم الناس واحاول ان ابقي على شذرات كتبتها واتمنى ان اطورها اكثر وبعد الطبع احول ان استبين راي القارئ البسيط والنخبوي ومن خلال ملاحظاتهم اتجاوز الاخفاق وبالمناسبة لم اقرا اي مطبوع لي بعد اصداره وابذل جهدي لاقرا ما يكتب عنها من الاخوة النقاد واراء القراء وابقيت على روح ودعابة وبراءة الطفل الساكن في اعماقي وقد صرحت مرة اني طفل في الستين .
{ لقد وضعت بعض رواياتك ضمن ثلاثيات ، ما الذي حققته من هذا الجهد المضني ، وهل استجبت في ذلك لتوجيهات معينة ؟
-لقد كتبت ثلاثية نيرفانا وبالحقيقة كنت بحاجة لجزء رابع وكنت اخشى ملل القارئ فأختزلت ما استطعت وندمت كثيرا . ان ما يدعو الكاتب لكتابة ثلاثية هو سعة الموضوع اولا وفرز المراحل ثانيا وقدرة الكاتب في السباحة في لجج البحار وهو بحاجة الى نفس طويل وقوة اضافية كي يخوض غمار التاريخ المضمخ بالاحداث والشخصيات ، في سفينة نوح كان الجزء الاول الارض قبل الانهيار وفي الجزء الثاني الارض . ما بعد الانهيار وفي النيرفانا كان الجزء الاول وعنوانه ” نقطة بداية سطر ” كتبت عن العراق في فترة تاسيس وقيام الاحزاب والحركات السياسية وما كان عليه المجتمع في تلك الفترة الملكية . وفي الجزء الثاني ” القضية ” استعرضت الجمهوريات الثلاث من عام 1958 حتى العام 1968 وفي الجزء الثالث ” مدونة العجوز مراد ” كتبت عن فترة الحرب والحصار واغفلت فترة السبعينات وكما قلت ندمت كثيرا وهي فترة مهمة من تاريخ العراق ففيها الكثير من الانجازات والكثير من المؤامرات واعد القارئ باني ساتناول تلك الفترة الخصبة بعمل قادم . واما جوابي عن الشطر الثاني من السؤال ، فاقول : لم اكن يوما تابعا لاحد وكنت وسابقى مستقلا نائبا عن هموم الوطن بكل اطيافه واذكر ان جهة عرضت عليً صك على بياض كي اكتب ما تريد فرفضت رغم عوزي .
{ ما الذي تقرا حاليا وهل توجد علاقة بين القراءة والكتابة ؟
– انتهيت من مذكرات يونس بحري والحقيقة انها اجمل ما قرات لموضوعية كاتبها وصراحته المدهشة والتي تخلو عادة من مذكرات العرب . واقرا نتاج الاخوة الكتاب والشعراء العراقيين ، واعط راي المتواضع لبعض الشباب الذين يريدون الاستئناس بكتاباتهم عبر الفيس بوك وتحت يدي كتاب ناديج ديفو ” دليل المؤلف وكاتب السيناريو” . نعم ان العلاقة وثيقة جدا بين القراءة والكتابة ولولا القراءة المثمرة لما كان هناك كتاب مبدعون ، واستشهد بكلام الامام علي عليه السلام ” وما كلامنا الا أعادة لكلام الاوليين وان لم يكن كذلك لنفد ” وللجواهري الكبير راي راجح في ذلك وهو يصف الشعراء ويقول ما معناه على من يريد ان يكون شاعرا ان يحفظ الف بيت من الشعر . وعلى الكاتب ان يقرا كثيرا ويقول ارسطو وهو يعرف المثقف ” المثقف من يقرا كل شيء ويختص بشيء ” ومن الضروري لكل من يريد ان يمتهن الكتابة ان يقرا ولو على هامش علم النفس والاجتماع والتاريخ والسير كي يتحصن بالمعلومة التي سيحتاجها حتما وهو يكتب .
{ ما الكتًاب الذين قرات لهم قبل شروعك في الكتابة الروائية ولمن قرات بعد الانشغال بالكتابة ؟
– في صباي ومطلع من شبابي قرات لمعظم الكتًاب الذين ذكرتهم وكنا كجيل لايملك غير الكتاب نلتهم كل ما تجود به المطابع والمكتبات العربية والعراقية حتى ادمنت الكتابة في كل وقت ومكان وكان عالم القراءة ولا زال ساحر مبهج مثير وبداياتي كانت متسلسلة ففي تلك الفترة المبكرة قرات لكتاب عراقيين وعرب ثم تطورت وقرات لكتاب عالميين كما ذكرت والان انا اقرا للكتاب العراقيين وما يصل من نتاج الخارج اما انشغالي بعد الكتابة يرتكز على قراءة كتب النقد وبعض المذكرات .
{ كيف تتجاوز تاثير الاخرين بالكتابة . هل نجحت في ذلك ؟
العاب سحرية
– نحن جميعا نؤثر ونتاثر ولكن على الكاتب كما يقول ناديج ديفو ” لابد للمرء كي يصبح مؤلفا ان يتدرب على العاب سحرية بفكره “هنا يكمن السر كي يتميز المؤلف عن غيره ان يجعل كتابه علبة عواطف فالقراء يحبون ان يروا انفسهم في الشخصيات الفاعلة . وانا احاول ذلك وربما نجحت في استمالة ذائقة القاريءو ان اكثر نتاجي نفد من السوق وطبعت طبعات ثانية واخيرا يبقى الحكم للقاريء والناقد .
{ ما هي اهم معضلة تواجهك اثناء كتابة الرواية ، وما هي الرواية الاكثر قدرة على معالجة هذه المعضلة ؟
– اهم معضلة تواجه الكاتب تشوش الذهن فالكاتب بحاجة الى صفاء الذهن التام وبما ان البلد يمر بأزمات كثيرة اولها الامن والامان فهي المعضلة الاكثر قلقا ، وبما ان الكتابة انزياح مؤقت فانا احاول ان اقنن هذه المشاكل واقطرها تقطيرا كي انقل ما اشعر به ولكي يكون ذلك القلق مدعاة لي كي اصور المعاناة كما يعيشها الاخرون وتعتبر الرواية الواقعية هي الاكثر استجابة لتجاوز هذه المعضلات .























