أحديدة عن الطنطل

أحديدة عن الطنطل

يروى أن أحد الحكماء ذهب لعيادة أستاذه الذي كان يحتضر ..

فجلس عند رأسه وأجهش بالبكاء العميق ..

فأنتبه الاستاذ على صوت نشيج البكاء .فوجد شخصا يبكي عند رأسه بحرقة

فقال : مما بكاك يابني ؟

قال: أبكي على فراقك ياأستاذ اذا انت مت وتركتني وحيدآ .. فأنت الذي علمني الحكمة واوصلتني الى ما أنا عليه ..

فأتبسم قائلآ :كفكف دموعك لقد جئت متاخرآ ببكاك يابني!! فلقد مت منذ عشرين عامآ عندما قبلت التنازل عن مبادئي مقابل حفنة من الدراهم من ذلك الحين مت موتا عموديا  فأصبحت قبرا يسير على الارض بهيئة الاحياء .. واليوم أموت موتآ أفقيا فلا تكترث واياك ان تداهن وتماكس على حساب مبادئك

واليوم ياسادة ياكرام . .  قد أصبحنا في دهر عنود ، و زمن كنود يعد فيه المحسن مسيئا و يزداد الظالم عتوا ، لا ننتفع بما علمنا و لانسأل عما جهلنا زمان يجب عليك ان تتخلى عن مبادئك وتتنازل عن انسانينك وتغض النظر عن الخطأ وتصفق بحماسة للباطل فمن الصعب أذا لم يكن من المستحيل أن يتخلى الأنسان عن مبادئه ولكن قد يضطر الأنسان في لحظة ضعف ان ينحني قليلا كي تمر بسلام العاصفة رغم اني ضد هذه الانحناءات . ففي بعض الاحيان لابد من الصراخ قليلا حتى وان كانت نبرة صوت هذا الصراخ مرتفعة بعض الشيء وايضا لابد من الاختلاف لدرجة الحنق احيانا. وأن نغضب اذا ما أضطررنا الى ذلك بكل قسوة وصدق من اجل تغيير واصلاح أيديولوجيات خاطئة بدأت تستشري بالمجتمع وتقويم اعوجاج سلوك منحرف أخذ ينخر في جسد المجتمع بمسميات سامية تبطن بين طياتها عناوين غوغائية وضبابية (كلمة حق اريد بها الباطل ) بالطبع هنا حدود لابد ان نستوعبها دون أثر على تصرفاتنا ومسافة الغضب مهما طالت أو قصرت لن تلامس مجرد اللمس مشاعر الاخرين وأن يكون هذا الغضب  لغاية اسمى لا لمبررات فئوية ومصالح شخصية هذه الايام  وكما أخبر الحكيم المحتضر تلميذه الباكي على فراقه بأن  هناك نوعان لقبور الموتى قبور تسير بقدمين فوق سطح الارض وبشكل عمودي  ((إن هم كالأنعام .. بل هم أضل سبيلا…)) اجساد جوفاء خالية من الفكر والمبداء هي من توفت انفاسها بأردتها . وقبور أخرى دون حراك تلتحف ثرى الارض غطاء وجوفها مضجع وهي التي توفها الله تعالى لأنقضى اجلها  وهذه النهاية الطبيعية والحتمية لكل انسان . بعد هذه المقدمة جاء دور الاصبع والجرح اما الاصبع فهو الاقلام الحرة والمبدئية الذي تأبى ان لا تلجم وان لا تكون مطية يمتطيها كل من هب ودب . واما الجرح فهو سلبية الادوار الملقاة على عاتق كل منا والتنصل عن المسؤولية الرسالية . فعندما تغفل الحكومات والحكام عن القضايا الأساسية والمصيرية للدولة والشعب من المفروض أن توخزهم شعوبهم وخزة موجعة توقظهم من سباتهم قبل فوات الأوان ليتفادوا مافاتهم او يتداركوا بعض مما يمكن إنقاذه. والوخزة نقصد بها التظاهرات السلمية والاحتجاجات والتعبئة الجماهيرية وتحفيز وسائل الإعلام لتأخذ دورها في توعية الرأي العام المحلي. وإذا غفل الشعب أو تغافل عما يخص قضاياه المصيرية تحولت المسؤولية على وسائل الاعلام باعتبارها السلطة الرابعة والمعبر الحقيقي عن تطلعات وآمال الشعوب اما اذا كان الإعلام بوقا من أبواق الجهة الممولة له ومصلحته فوق كل شيء ولا تجرؤ اقلام محرريه ان تنبس ببنت شفة في توعية الشعب بحقوقه وهذا من صلب واجباته تحولت المسؤولية تلقائيا إلى النخب المثقفة والطليعية في المجتمع. وإذا تعطلت كل هذه الوسائل فحضر الكفن وإقرأ الفاتحة على مصير هذا الوطن وهذا الشعب .. فمن هنا نضع الاصبع على الجرح ولاسيما ان المتغيرات على ارض الواقع تسير بخطى حثيثة وجادة نحو تحقيق الأفضل وما نلمسه من نوايا صادقة ومخلصة من قبل الحكومة والانفتاح على الشعب وتذليل الصعاب وطوي صفحة المعاناة والمتاعب لابناء هذا الشعب يجعلنا متفائلين من تصحيح البعض لأدوارهم السلبية وتحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم سوى كان هذا البعض فردا من ابناء هذا الشعب او مثقفا يحمل فكرا ومبدأ وعلى الجميع ان يراجع ثوابته ومبادئة الذي جبل عليها  حتى لايكون في النهاية مصداقا للمثل الشعبي العراقي ( أحديده عن الطنطل ). .

محمد هاشم السيداوي -البصرة