تفاهم أمريكي ــ إيراني في الظل
ريفا بهالا ترجمة سناء عبدالله
تصدرت مؤخرا العناوين الرئيسية لوسائل الاعلام أنباء آخر حزمة من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران. وكانت واشنطن قد أمضت الأشهر الأخيرة وهي تمارس الضغوط على البلدان المختلفة من أجل خفض استيراداتها النفطية من إيران، وها هي الآن تهدد بمعاقبة المصارف التي تساهم في عقود النفط الموقعة مع إيران. وانسجاماً مع العقوبات الأمريكية على إيران، بدأ الاتحاد الأوربي في الأول من تموز الجاري بتطبيق حظر على النفط ضد طهران. كما بدأ توا الحصار الاقتصادي الذي يمنع البلدان الأوربية من إعادة التأمين على النقالات التي تحمل النفط الإيراني.
على السطح، تبدو العقوبات بمثابة تطبيق من جانب الولايات المتحدة وحليفاتها لعقوبة موت اقتصادي ضد النظام الإيراني. في الواقع، فقد رسمت جماعات الضغط باتجاه تطبيق العقوبات والصحفيون صورة قاتمة للتضخم الاقتصادي العالي وتراجع عائدات النفط الإيراني. ويجادل هؤلاء بأن العقوبات أو الحظر الاقتصادي يحرم طهران من الموارد التي كانت من الممكن أن تستخدمها لتطوير برنامج السلاح النووي. ويتحدث المقتنعون بهذا الطرح عن خشية النظام الإيراني من الشباب المحبط اقتصاديا ممن يتحدون النظام سعيا لإعادة إحياء الحركة الخضراء والضغط على النظام في أضعف نقاطه. بيدّ أن الرد الإيراني على الموعد النهائي لتطبيق العقوبات الاقتصادية اتسم بنوع من اللامبالاة. فعلى عكس ما تطرحه الجماعات التي تضغط باتجاه تطبيق نظام العقوبات الاقتصادية على إيران، فإن الرد الإيراني لا يوحي بأن طهران ستوقف شحنات النفط الخام، ولا يوجد ما ينذر بحدوث انتفاضة شعبية في شوارع طهران. بل، أن ما يجري يشير إلى أن نظام العقوبات الاقتصادية قد يكون واجهة لمفاوضات جدية جارية.
ثغرات في حملة العقوبات الاقتصادية
لا شك بأن العقوبات الاقتصادية التي طبقت حتى الآن قد عَقدّت من حركة التبادلات التجارية الإيرانية اليومية. غير أن إيران تمتلك خبرة كبيرة في أساليب الخداع والتضليل مما يسمح لها ولزبائنها من التهرب من العقوبات وبذلك تتمكن طهران من القضاء على الآثار المرجوة من الحملة الأمريكية. وتتجسد إحدى طرق التفاف إيران على العقوبات الاقتصادية في تأسيس شبكة من الشركات الواجهية التي تمكن التجار الإيرانيين من اتمام تبادلاتهم التجارية تحت أعلام وهمية. فمن أجل الدخول إلى الموانئ، يتعين على السفن التجارية أن تبحر تحت علم توفره لها سجلات تسجيل السفن الوطنية. في هذا السياق، تستفيد الجنات الضريبية في دول مثل مالطا وقبرص والبهاما وهونغ كونغ وسيشيل وسنغافورة وسواها من بيع أعلامها وسجلات تسجيل السفن التجارية إلى المؤسسات التجارية التي تسعى إلى التهرب من الضرائب والقوانين المعتمدة في بلادها. ويعتمد رجال الأعمال الايرانيين بصورة كبيرة على هذه الجنات الضريبية من أجل تبديل الأعلام الوطنية، والأسماء، ومالكي سجلات السفن ووكلائها، والعناوين، والملاك، والوكلاء.
وقد أضحت وزارة الخزانة الأمريكية أكثر مهارةً في التعرف على هذه الشركات وتحديد هوياتها، غير أن البيروقراطية الحكومية لا تستطيع، وبكل سهولة، مجاراة الوتيرة السريعة التي تتكاثر وفقها هذه الشركات الوهمية. ويمكن بسهولة تأسيس العديد من الشركات الجديدة العاملة تحت أسماء وأعلام وهمية بوقت قصير فيما يستغرق رفع قضية قانونية ضد أي شركة منها وقتا طويلا. ويغض العديد من زبائن إيران الطرف عن ممارسات هذه الشركات الوهمية بغية الحفاظ على وارداتها من النفط الخام بأسعار مخفضة. ويلاحظ على وجه خاص خلال الأشهر القليلة الماضية، وفرة التقارير التي تتحدث عن بلدان توقف استيراداتها من النفط الإيراني تحت ضغط من الولايات المتحدة. لكنه وعند احتساب كمية النفط الخام المؤمن والذي يتم تبادله تجاريا من خلال الشركات الوهمية، فمن غير المتوقع أن يكون التحول في انماط التجارة كبيرا كما توحي بذلك التقارير. من جانب آخر، أعفت الولايات المتحدة كلا من الصين وسنغافورة والهند وتركيا واليابان وماليزيا وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية وسريلانكا وتايوان و27 بلداً آخر في الاتحاد الأوربي من العقوبات الاقتصادية. كما أن العديد من هذه البلدان استوردت كميات أكثر من معدل استيراداتها من النفط الخام الإيراني خلال الأشهر التي سبقت إعلانها عن وقف استيراداتها من النفط الخام الإيراني. وتحاول الصين وكوريا الجنوبية والهند واليابان العثور على سبل لتوفير ضمانات قانونية بدلا من إجراءات التأمين البحري من أجل الالتفاف على الحزمة الأخيرة من العقوبات. ورغم زعم العديد من هذه الدول بأنها خفضت استيراداتها النفطية من إيران من أجل التفاوض للحصول على الاعفاءات، فمن المتوقع أن تعوض ناقلات النفط التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر تحت أعلام وهمية الكثير من حجم التبادلات التجارية الإيرانية المنخفضة. ويعكف المشرعون الأمريكيون على صياغة تشريعات أكثر صرامة في مسعى لملاحقة المزيد من الشركات الإيرانية الوهمية، بيد أن الإدارة الأمريكية قد تكون مدركة لعدم فاعلية حملة العقوبات تلك. في هذه الأثناء، وبينما ينشغل الكونغرس الأمريكي في محاولة توسيع نظام العقوبات، يشاع أن الإدارة الأمريكية تعد قائمة خيارات تستطيع من خلالها أن ترفع العقوبات بشكل انتقائي عندما تجلس على مائدة المفاوضات مع إيران.
المفاوضات الحقيقية
في الوقت الذي يتصدر فيه الحديث عن العقوبات عناوين الصحف، فان حوارا أكثر جدية يجري بين إيران والولايات المتحدة. ففي افتتاحية نشرتها مجلة السياسة الخارجية الأمريكية، التي تحمل اسم المصلحة الوطنية ، نشر اثنان من المقربين من النظام الإيراني، وهما المحلل السياسي الإيراني محمد علي شعباني والعضو السابق في فريق المفاوضات الإيراني سيد حسين موسويان، ملاحظات هامة نيابة عن طهران تضمنت النقاط التالية
ــ يتعين على الولايات المتحدة وإيران أن يواصلا التفاوض.
ــ إن الجزاءات تلحق الضرر بإيران لكنها لا يمكن أن تشل التجارة الإيرانية.
ــ ليس بوسع إيران أن تكون واثقة من أن اتفاقية ثنائية مع الولايات المتحدة ستحظى باحترام الإدارة الأمريكية الجديدة التي ستأتي في تشرين الثاني.
ــ يتعين على الولايات المتحدة أن تتخلى عن أية سياسة تهدف إلى تغيير النظام في طهران.
ــ تبقى لواشنطن خيارات محدودة ومعدودة عدا الخيار العسكري، وهو خيار غير متوقع.
ــ بوسع إيران أن تمارس مزيدا من الضغط على الولايات المتحدة من خلال، على سبيل المثال، تهديد أمن مضيق هرمز، وهو إجراء من شأنه أن يرفع أسعار النفط الأمريكي.
ولعل أهم ما في ذلك، يقول هؤلاء، يكمن في أن الجمهورية الإسلامية مستعدة للاتفاق على حل يحفظ ماء الوجه ويحملها على التخلي عن أوراقها التي كسبتها على مدى السنوات الماضية .
وكانت الولايات المتحدة قد بعثت برسالة هامة بتاريخ 27 حزيران. فقد قال رئيس العمليات البحرية الأمريكية الأدميرال جوناثان دبليو غيرنيرت خلال مؤتمر صحفي عقده في مقر البنتاغون بأن مضيق هرمز كان هادئا نسبيا وأن البحرية الإيرانية كانت مهنية ومجاملة في تعاملها مع السفن البحرية الأمريكية في الخليج. ووفقا لغرينيرت، فقد التزمت البحرية الإيرانية بالمعايير التي تنظم النشاط البحري في المياه الدولية. أضاف غيرنيرت بأن الزوارق البحرية السريعة قد نشطت في السابق على نحو استفزازي قرب السفن الأمريكية، لكنها لم تفعل ذلك مؤخرا. ويصعب تخيل إدلاء غيرنيرت بمثل هذا التصريح دون موافقة البيت الأبيض.
خطوط حمراء
بعد بدء إيران بتسليط الضوء على التمارين العسكرية التي كانت تجريها من أجل التأكيد على التهديد الذي يمكن ان تشكله هذه التمارين على الأمن في مضيق هرمز، قامت كل من الولايات المتحدة وإيران بتحديد خطوطها الحمراء. وأثارت إيران مسألة التلويح بغلق مضيق هرمز أو تفجير قنبلة نووية. وفي هذه الاثناء كانت الولايات المتحدة تحرك حاملة طائراتها إلى الخليج لترفع من احتمالات توجيه ضربة عسكرية. وشرع الطرفان في تذكير أحدهما الآخر بالخطوط الحمراء التي وضعاها، بيدّ أن الطرفين حرصا على الالتزام بالخطوط التي رسماها لأن عواقب تجاوز تلك الخطوط كانت بكل بساطة أكبر من أن يتحملها الطرفان. ويتطلب الوضع الحالي تفاهما أوسع. ويذكر في هذا الصدد، أنه خلال العقد المنصرم، بذلت إيران والولايات المتحدة جهودا حثيثة في التفاوض من أجل التوصل إلى مثل هكذا تفاهم. وكان العراق في صميم هذه المفاوضات، حيث يشكل هذا البلد نقطة ضعف في خاصرة الجناح الغربي لإيران في حالة وقوعه تحت تأثير قوة معادية، فضلا عن كون العراق يشكل منفذ إيران الغني بالنفط نحو العالم العربي. وقد حاولت الولايات المتحدة الحفاظ على موطئ قدم لها في العراق، ولكن لا يوجد أدنى شك اليوم بأن العراق واقع في دائرة النفوذ الإيراني. وبينما تم التنازل عن العراق لصالح إيران، فإن العناصر الأخرى للتفاوض قد تقلصت وتبدو ثانوية.
وتبقى وسيلة الردع الأكبر بالنسبة لإيران هي التهديد بإغلاق مضيق هرمز. إن التأثير الذي تحظى به طهران على المضيق يتيح لها المجال اللازم للتفاوض بشأن برنامجها النووي. وبطبيعة الحال، تفضل الولايات المتحدة أن تتخلى إيران عن طموحاتها النووية لكنها ستواصل جهودها في عرقلة البرنامج الايراني. غير أن الولايات المتحدة قد تقبل في نهاية المطاف بوجود إيران نووية طالما توصلت واشنطن وطهران إلى تفاهم يسمح بتدفق سلس للنفط عبر المضيق. ويصبح حينها كل شيء قابلا للتفاوض بدءاً من العقوبات الاقتصادية مرورا بالدعم الأمريكي الخفي للمتمردين السوريين وصولا إلى البرنامج النووي. وكما يقول الإيرانيون لقد تم خلق مسار لـ حل يحفظ ماء الوجه يسمح للطرفين بأن يغادرا الحوار بأفضل صورة أمام شعبيهما، لكن ذلك يحتاج أيضا إلى التضحية ببعض المزايا التي حصلا عليها في سياق تلك المفاوضات. ومع بقاء أربعة أشهر فقط على بدء الانتخابات الأمريكية، من الصعوبة بمكان التخيل بأن هذه المفاوضات ستفضي إلى مرحلة التفاهم الاستراتيجي بين واشنطن وطهران. بيدّ أن المرء يخطئ في التقليل من أهمية إجراءات بناء الثقة التي يتم تبادلها بين الطرفين في وقت لا ترغب فيه أي من القوتين الالتفاف على خطوطهما الحمراء، حيث يبقى العراق مسألة مثيرة للجدل، في حين تحاول الولايات المتحدة إعادة صياغة اهتماماتها بعيدا عن منطقة الشرق الأوسط.
/7/2012 Issue 4247 – Date 10 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4247 التاريخ 10»7»2012
AZP07























