الثقافة المدرسية لا تغني عن العامة

الثقافة المدرسية لا تغني عن العامة

أن الثقافة في تلونها وتنوعها حصيلة تأمل وتجربة وإنتاج, تترسب خصائصها عبر الزمن في أعماق التفكير العام لمجموعات الشعب وتكوين التراث الفكري للأمة.وهذا التراث بغض النظر عما فيه من قيم مجردة هو في الواقع خميرة التكوين الفكري عند أي شعب حين تطرح خصائصه الثقافية على بساط البحث والتقييم .

نعم إن مناهج التثقيف تختلف بين امة وأمة ويدخل في تركيب بنيانها اثأر وعوامل خاصة متميزة , كالدين والمذهب والبيئة واللغة والمناخ وشروط العيش والعادات الموروثة , ولكن الأصول الثقافية الخالصة تظل تنبع أبدا من ينبوع واحد ضخم مشترك هو العقل الإنساني في مختلف ادوار تطوره وارتقائه .

ذلك بان – الثقافة العامة – أوسع مدى وأعظم نطاقا وأعمق تحديا للشخصية من – الثقافة المدرسية -التي تقف عند حد الفراغ من التحصيل العلمي فمهما يكن الطالب الجامعي على ثقافة جامعية متينة فانه يظل دائما في افتقار إلى ألوان لا حصر لها من المعارف الأخرى التي تدخل في دائرة الثقافة العامة ليمكن ضمان رقيه الفكري والنفسي والخلقي إلى مرتبة الإنسان الممتاز أو الإنسان المتنور .

فعندما تفتح كتاب الأدب والنصوص للمدارس الثانوية سترى إن أبناءنا ملزمون بحفظ لشعراء البلاط الأموي قصيدتي مدح للأخطل في – عبد الملك بن مروان – وأربع قصائد لجرير لمدح بقية الخلفاء , وقصيدة الأصمعي في حضرة الخليفة العباسي – أبا جعفر المنصور – و قصيدة للشاعر أبا نؤاس في مجلس الخليفة – هارون الرشيد .. والكثير من مقطوعات الشعر المسمى الحديث أو الحر مغرقة في الرموز الغامضة والتعبيرات المبهمة كالفن التشكيلي المعاصر المغرق في الغموض والإبهام أيضا.. وارى ان نترك تلك القصائد لطلاب التخصص في الأدب العربي بالجامعة , لكني لا افهم كيف نفرض على أبنائنا في المدارس الثانوية هذا الاحتفال البالغ بقصائد المدح التي لا تصدر عن إعجاب الممدوح وإنما تستجدي عطاءه أو تتقي غضبه … فلماذا بالله نصدع رؤوس الشباب بمثل ذلك الكلام وأي خير نرجوه من تلقينهم في هذه المرحلة الغضة من العمر ؟ .

كذلك – درس التاريخ – المفعم بالمعارك بين العرب وخصومهم وبين المسلمين أنفسهم فمنهم من اتخذ دمشق عاصمته وأخر بنى بغداد عاصمة لحكمه وأخر هرب بجلده بعد ان فقد المال والأهلون إلى الأندلس ليقيم دولته القبلية في قرطبة , وكل حاكم يخوض المعارك ويقتل معارضيه لتعزيز نظام حكمه وحكم أولاده وخير دليل على ذلك قصة الأمين والمأمون , وكما قال الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب ( رض ) – اشقي الولاة من شقيت به رعيته –

وهنا لا أريد إن الغي الأدب العربي والتاريخ الإسلامي كما يفهم البعض , وإنما أريد إن يطلع عليهما الناس من خلال المكتبات العامة ومن رجالات الأدب والمؤرخين المعروفين عبر الأجهزة المسموعة والمرئية بدلا من مدارسنا ذات المناهج المفروضة , لأني نسيت كل القصائد الشعرية التي درستها في المرحلة الثانوية , ولا أتذكر من درس التاريخ سوى الخليفة العباسي ( أبو العباس السفاح ) … وكفى الله طلابنا شر القتال.

شاكر عبد موسى الساعدي – ميسان