مسرحية وادي الموت

مسرحية وادي الموت           (2)

الرابع : وأنت نجس (يقدم عليه ويخنقه) نجس .

الفتاة :دعه يا رجل لا تخنقه هكذا ..إنه انسان مسالم .

الرابع : (يبتعد عنه) أهذا الفاسد مسالم؟.. ومن مثله أساس خراب هذا العالم الثاني: أنا لا أحبك ، لا أحبك ولا أكرهك ..أيها النكرة .

الأول : يا أنتما أليس فيكما إنسان رشيد ؟..انتبها لنفسيكما ..الطوفان قادم والسيل سيجرفنا في دواماته ويغرقنا ..وأنتما تتشاجران ..

الثاني: أنا دائما أتلاشاه وأبتعد عنه ..

الرابع : إخرس يا هذا .

الثاني : (يبتعد عنه وكأنه لم يسمعه، يأخذ جرعة من الخمر) الثعابين الطائرة تملئ الفضاء ..ابصروا النيران الخارجة من أفواها إنها تحرق كل ما يلامسها حتى هواء الوادي.

الجميع : أينها .

الثاني :تلك هي .. سقط الثعبان ملتهبا ..إنه يحترق ، ويحرق المكان في الوقت ذاته.

الأول : احذروا الاقتراب منه ..إنه يموت والسم القاتل فيه .

الثاني : لا أريد أن أسمع بعد ..خوف ..خوف حتى متى أبقى خائفا؟.

الأول : عليك أن تصغي حتى تدرك ما أنت فيه .

الثاني : لا أريد أن أسمع ..أتفهم ..أريد أن أهرب من هذا المكان المقرف ..أريد أن اتحرر من الفاجعة لأستريح مما يعتريني من ألم ..(يتحدث وقارورة الخمر) بحق قداستك .. انقذني من هذا الهم (يشرب الخمر ، موسيقى حالمة ، يخيل اليه أنه حاكم الوادي يجلس على الصخرة الوسطية.. يشير بيده نحو الرابع بيده) يا هذا.

الرابع : (يقدم نحوه يحني قامته أمامه) مولاي المفدى ..

الثاني : من أنت ؟..

الرابع : أنا ذو المفتاح الذهبي .

الثاني : ابعدوه عني أنا لا أريده ولا أريد المفتاح الذهبي .

الرابع :أنا لدي أفكار نيرة مولاي ممكن (يقاطعه)

الثاني :أنا لا أحترم أي فكر ، إن جميع الأفكار مزيفة تحركها أياد خفية كما تُحرك بيادق الشطرنج .. خذوا هذا المشعوذ الى الجحيم .

(الأول والثالث يلتقفانه ثم يختفون.. يظهر القطيع في أعلى وسط المسرح وجانبيه يخرجون من جحورهم ، يؤدون رقصة مليئة بالطقوس البربرية حول الثاني الذي يقف منتصبا كالصنم)

: أنت ..أنت ..أنت وما أنت إلا أنت ..أنت هوائنا ..ومائنا الجاري وسمائنا ونور الوادي ..أنت إلهنا ..أنت الرب .. وأنت القاضي .

الثاني : حقيقة ما أرى ..أنا حاكم الوادي وإله القطيع ..(يضحك بقوة) كلكم قتلة ..مجرمون وما جزاء المجرمين ؟ الموت الزؤام في غياهب السجون ..اغتصبوا نساءهم ..أولادهم ..اغتصبوهم ثم أقتلوهم ..لأجل أن يظهر الحق .

(يهجم عليه القطيع ، تضربه بالأحذية والحجارة وتكسر رأسه وهي تصرخ بجنون)..

: أفنيت حياتنا ..ضيعت عمرنا ..دمرتنا يا خنزير الخنازير ..

أحد القطيع : (يقف على الصخرة الوسطية في مكانه) قد رحمنا الله وأنقذنا من هذا الكائن الدموي ..سفاح العصر ..مص دمائنا وانتهك حرمة أعراضنا وسلبنا الشرف الرفيع ..

(يختفون ، السكير منكب على وجهه ، يبكي بمرارة) يا للقسوة أصبحت أخيلتنا مخيفة وأحلامنا مرعبة .

الأول : (يدنو منه) شربت كثيرا من الخمر ..أنت تهذي .

الثاني : (يترنح في مكانه ..يمسك جبهته) ما الذي حدث لي ..أين ملكي؟ .

الأول : مولاي .. جاء القطيع بكائن أكثر منك وحشية ودموية ..طالبوه بالثأر والانتقام حفروا مغارات عميقة في بطن الوادي وعلى سفحه نصبوا أعواد المشانق.. القوا القبض على أبناء الوادي ورموهم في غياهب السجون بتهم شتى ..وذبحوهم.. وعند المغيب ..اغلقت أبواب الطرقات ..وظهر القطيع من جديد ..يحمل سجلات الموت ..يشير بسباباته صوب الأبواب ..تمص الدماء وتقص القلوب والأيدي والأرجل عن خلاف ..وتسرق المصوغات والأموال وتترك الضحايا المغدورين منثورين في العراء.. والوحوش ترقص على صوت الرباب .

الثاني :.. كثيرا من الأشياء مثل البلور.. إن كسرتها لا يمكن اصلاحها ..وإن أصلحتها تبقى مشوهة .. أنا أعلن الحداد .

الأول : (يكمل) وهناك صراخ من جوع ومن ظلم قاهر ..ومن كائنات قضت نحبها من أجل القضية ..ولو أن جميع القضايا مظلمة ..ظاهرها أبيض وباطنها أسود .. والشياطين تخطف أرواح الشباب والرجال ، تأخذها الى العالم السفلي ..الى الجحيم ..وتلقي جثثهم في المياه الجارية أو تتركها معلقة في الطرقات .. تتركها مبعثرة في الساحات أو فوق أكوام القمامة .. ما أبخس دم الانسان .. وتمتد مخالب الجريمة الى البيوت والى غرف النوم ..ويموت الانسان تحت الأنقاض أو محترق بالنيران .. وبراميل الغضب تقذفها الشياطين على الآمنين ..بردا وسلاما عليهم .. بردا وسلاما عليهم والعالم البغيض حشد الحشود والفرق المدججة بالسلاح تأتي بالفجر التليد من شعلتها وتحرق العدو الغاشم ..

الثاني : وا أسفاه نحن ضحايا التقسيم ..ضحايا التمزق ..

الرابع : (يدنو منه كالوحش) وأنت مع من منهم؟

الثاني: أنا مع نفسي ..

الرابع : ولم لاتقف مع الحق ؟

الثاني : وأين هو الحق ؟ دلني عليه لأنصره ..

الرابع : ألا تعرفه أنت ؟

الثاني: وهل أنت تعرفه ؟ أنا أشك في ذلك ..لا يوجد حق في هذا الوادي ؟ لم ألمسه قط ..كل الذين أتوا ..هم رعاع .. قتلة .. مجرمون ..ذبحونا بمسمياتهم الوسخة .. أنا أرفضهم جميعا (يعود الى الحلم) أنا لا أحتاج الى وعاض سلاطين مثلك ..(يركله بقدمه) أغرب عن ناظري أيها التيس اللعين ..تعالي يا أنتِ ..تعالي شهرزاد .. أجلسي بالقرب مني وأريحيني من أمر العباد ..

الفتاة : (تجسد شخصية شهرزاد ، تجلس تحت قدميه) مولاي الملك السعيد ..

الثاني : حدثيني عن القتلة والمجرمين في الوادي ..

الفتاة : يحكى مولاي .. في سنة من السنين العجاف سنين الجوع والسجون والقتل المريع ..جنودك داهموا امرأة عجوز .. (هي تجسد شخصية المرأة العجوز.. ويجسد الأول والثالث والرابع شخصيات الجنود)

الثالث: (يطرق بابا في الهواء تأتيه امرأة عجوز)

المرأة :من الطارق ؟

الثالث: نحن الحكومة .

المرأة :أي حكومة تأتيني بمثل هذا الوقت من الليل ..إياك إياك أن تقترب مني .. أنا لست امرأة سوء ..

الثالث: أين ولدك أيتها الفاجرة ؟ ..

المرأة : ولدي رحل عني منذ أيام الى منفاه ..

الأول: الى منفاه ..وأين هو منفاه ؟

المرأة : لم يخبرني عن وجهته ..رحل والسلام ..

الرابع : والعقيدة والمبادئ والرسالة التي جئنا من أجلها

المرأة : لا تبتئس..(تبتعد عنهم ثم تأتيهم بكيس القمامة) ..كل شيء وضعه في هذا الكيس عقيدتكم ومبادئكم وحذاء خدمته ..هل تروا ما فيه بأم أعينكم ..

الثالث: لن يفلت منا سنعثر عليه ..

المرأة : وتقطعون أذنه ..

الرابع : (يصرخ بهستيرية) ..كلا

المرأة: ستعدمونه أمام مرأى الناس ..ستقتلونه أمام الجميع ..وتعلقون جثته في الطريق (تضحك بسخرية) ..لن ولن تعثروا عليه ..إنه رحل الى جهة مجهولة ..

حامد الزبيدي – بغداد